
نبذة عن الكتاب:
يقارن مصطفى السِّباعي في هذا الكتاب بين الأحكام التي قرَّرها الفقه الإسلامي للمرأة وبين أوضاعها في بعض القوانين والمجتمعات القديمة والحديثة، ويناقش قضايا الأسرة والزَّواج والطَّلاق وتعدُّد الزَّوجات والحقوق الماليَّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة والعمل والاختلاط. وأصل الكتاب محاضرة ألقاها في جامعة دمشق ثمَّ وسَّعها، وأضاف إليها الأدلَّة الشَّرعيَّة والشَّواهد القانونيَّة والاجتماعيَّة وما نقله عن كتَّاب غربيِّين؛ قاصدًا إلى بيان تصوُّره للمكانة التي ينبغي أن تكون عليها المرأة في مجتمع مسلم.
ويبدأ باستعراض تاريخي لوضع المرأة قبل الإسلام، فيذكر ما نُقِلَ عن اليونان والرُّومان وشريعة حمورابي والهند واليهود والمسيحيِّين والعرب في الجاهليَّة من صور نقص أهليَّتها أو خضوعها لسلطة الأب أو الزَّوج أو حرمانها من الميراث والتَّصرُّف في المال، ويقارن ذلك بالتَّطوُّر اللاحق في القوانين الأوروبيَّة. ويستعمل هذا العرض لإبراز الفارق، في نظره، بين ما كان شائعًا من أوضاع المرأة وبين المبادئ التي جاء بها الإسلام.
ثمَّ يجمل ما يعدُّه المبادئ الإسلاميَّة الكبرى في شأن المرأة؛ فيقرِّر مساواتها بالرَّجل في أصل الإنسانيَّة والتَّكليف والثَّواب والعقاب، وينفي تحميلها وحدها مسؤوليَّة خطيئة آدم عليه السلام، ويذكر تحريم وأد البنات، والأمر بإكرام المرأة بنتًا وزوجةً وأمًّا، والحثَّ على تعليمها، وإثبات حقِّها في الميراث، وتنظيم حقوق الزَّوجين والطَّلاق وتعدُّد الزَّوجات، وإعطاء المرأة البالغة الأهليَّة الماليَّة في البيع والإجارة والرَّهن والوكالة والكفالة والهبة والوقف وسائر التَّصرُّفات. ويلخِّص ذلك في ثلاثة مجالات: الاعتراف بإنسانيَّتها، ومكانتها الاجتماعيَّة، وأهليَّتها الحقوقيَّة والماليَّة.
ويناقش الفوارق التي قرَّرها الفقه بين الرَّجل والمرأة في بعض الأحكام، ويؤكِّد أنَّه لا يفسِّرها بنقص الإنسانيَّة أو الكرامة. ففي الشَّهادة يربط اشتراط امرأتين مع رجل في آية المداينة، وفق تفسيره، بطبيعة حضور المرأة للمعاملات الماليَّة في المجتمع الذي يتحدَّث عنه، ويستدلُّ في المقابل بقبول شهادة المرأة منفردةً فيما لا يطَّلع عليه الرِّجال غالبًا. وفي الميراث يبيِّن أنَّ المرأة قد تساوي الرَّجل في بعض الصُّور وقد تنقص عنه في أخرى، ويجعل اختلاف الأنصبة مرتبطًا باختلاف الأعباء الماليَّة؛ لأنَّ النَّفقة والمهر وتكاليف الأسرة موضوعة على الرَّجل في النِّظام الذي يشرحه.
ويتناول دية المرأة ورئاسة الدَّولة من المنظور نفسه؛ فيفسِّر تنصيف الدِّية في القتل الخطأ بما يراه من اختلاف الخسارة الماليَّة التي تلحق الأسرة عند فقد المعيل، مع تأكيده تساوي الرَّجل والمرأة في القصاص من حيث أصل الإنسانيَّة. وفي رئاسة الدَّولة العليا يستدلُّ بحديث «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»، ويفرِّق بينها وبين الولايات الأخرى، مشيرًا إلى أنَّ الفقهاء أجازوا للمرأة صورًا من الوكالة والوصاية والشَّهادة، وأنَّ أبا حنيفة أجاز تولِّيها القضاء في بعض المجالات. ثمَّ يربط منع الولاية العامَّة العليا، بحسب رأيه، بطبيعة وظائف رئيس الدَّولة ومسؤوليَّاته لا بأصل الأهليَّة والكرامة.
ويوازن بعد ذلك بين ما قرَّره الإسلام نظريًّا للمرأة وبين واقعها في المجتمعات الإسلاميَّة؛ فيرى أنَّ المرأة تمتَّعت في عصور الازدهار بحقوقها ومكانتها، ثمَّ أُهمِلَ كثير من تلك الحقوق في عصور الانحطاط نتيجة العادات والتَّقاليد والتَّراجع الاجتماعي، مع بقاء الأحكام الفقهيَّة المثبتة لحقوقها في الكتب. ومن هنا يجعل الإصلاح مطلوبًا، لكنَّه يفرِّق بين اتجاه يريد استعادة ما يراه أصيلًا في الإسلام مع الاستفادة من تجارب الأمم، واتجاه آخر يقتبس النَّموذج الغربي في قضايا المرأة.
ويخصِّص قسمًا واسعًا للأحوال الشَّخصيَّة، فيناقش انتقال قوانين الأسرة في سورية ومصر والعراق والأردن وغيرها من الاقتصار على مذهب فقهي واحد إلى الانتقاء من مذاهب مختلفة بحسب ما يراه المشرِّعون أصلح للأسرة. ويتناول سنَّ الزَّواج، ومنع تزويج الصِّغار، وتقارب العمر بين الزَّوجين، وحقَّ الفتاة في اختيار زوجها، والكفاءة، ومهر المثل، والشُّروط التي يمكن إدراجها في عقد الزَّواج. ويميل في مسألة إجبار البكر البالغة إلى قول أبي حنيفة الذي لا يجيز للوليِّ تزويجها بغير رضاها، ويشيد بما اتَّخذه القانون من وسائل لتقليل تحكُّم الأولياء مع إبقاء اعتبار الكفاءة.
ويناقش تحديد سنِّ الزَّواج قانونًا، ويخالف التَّحديد الذي كان مقرَّرًا في القانون السُّوري آنذاك؛ إذ يرى أنَّ البلوغ والاستعداد الجسدي ومصلحة الفتى والفتاة وظروف الأسرة ينبغي أن يكون لها أثر أكبر من تحديد سنٍّ موحَّد. ويبحث أيضًا الشُّروط في عقد الزَّواج، ومنها اشتراط المرأة ما يحقِّق لها مصلحةً مشروعة، وما ذكره الفقه الحنفي من إمكان تفويضها في طلاق نفسها، أو ترتيب أثر على زواج زوجها عليها إذا اشترط ذلك في العقد.
ويتوسَّع في تعدُّد الزَّوجات، فيدافع عن أصل إباحته ويربطه بظروف اجتماعيَّة وشخصيَّة يراها قد تستدعيه، مثل العقم أو المرض أو اختلال التَّوازن العددي بين الرِّجال والنِّساء، ويقارن ذلك بتاريخ التَّعدُّد عند أمم وشرائع أخرى. ثمَّ يناقش محاولات تقييده أو منعه في قوانين بعض البلاد الإسلاميَّة، ويرى أنَّ القانون يمكنه التَّحقُّق من بعض الشُّروط الظَّاهرة كالقدرة الماليَّة، لكنَّه يتحفَّظ على جعل إذن المحكمة متوقِّفًا على توقُّع عدل الزَّوج مستقبلًا؛ لأنَّ العدل في المعاملة عنده خُلُق يتغيَّر ولا يمكن للمحكمة أن تحكم عليه مسبقًا حكمًا يقينيًّا.
ويفصِّل في الطَّلاق من جهة فلسفة تشريعه وكيفيَّة الحدِّ من إساءة استعماله، ويعرض احتمالات جعل الطَّلاق بيد المرأة أو باتِّفاق الطَّرفين أو بيد المحكمة أو بيد الرَّجل، ثمَّ يدافع عن النِّظام الذي يجعل أصل الطَّلاق بيد الزَّوج مع فتح طرق للمرأة للخلاص من الزَّواج الضَّار عن طريق التَّفويض والخلع والتَّفريق القضائي. ويعرض الإصلاحات التي أخذ بها قانون الأحوال الشَّخصيَّة، مثل جعل الأصل في الطَّلاق أن يكون رجعيًّا إلا في حالات محدَّدة، واعتبار الطَّلاق الثَّلاث بلفظ واحد طلقةً واحدةً، وتوسيع أسباب التَّفريق القضائي عند الضَّرر والشِّقاق وبعض العلل.
ثمَّ يبحث الحقوق السِّياسيَّة، فيفرِّق بين حقِّ الانتخاب وحقِّ النِّيابة وبين رئاسة الدَّولة. ويرى أنَّ النُّصوص لا تسلب المرأة في أصلها أهلية الانتخاب أو المشاركة في التَّشريع والرَّقابة؛ لأنَّ ذلك يقوم على العلم والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهما عنده مطلوبان من الرِّجال والنِّساء. لكنَّه ينتقل من تقرير الأهليَّة النَّظريَّة إلى مناقشة الملاءمة الاجتماعيَّة، فيرى أنَّ اشتغال المرأة بالعمل النِّيابي والسِّياسي قد يتعارض، في تصوُّره، مع تفرُّغها لشؤون الأسرة، ولذلك لا يشجِّعه وإن لم يجعل أصل النِّيابة منعدم الأهليَّة شرعًا.
ويتناول الحقوق الاجتماعيَّة والعمل، فيقرِّر أنَّ الشَّريعة أعطت المرأة أهلية الكسب والتَّملُّك ولم تجعل عليها نفقة نفسها أو أولادها ما دام لها من تجب عليه نفقتها، ويقارن ذلك بالنَّموذج الغربي الذي تعمل فيه المرأة لتأمين معيشتها وتسهم في نفقات الأسرة. ويعارض تحويل العمل خارج المنزل إلى أصل عام للمرأة، ويرى أنَّ رسالتها الأولى هي الأسرة وتربية الأولاد، مع قبوله اشتغالها في المجالات التي يراها ملائمةً أو عند الحاجة، ولا سيَّما التَّطبيب والتَّعليم وأعمال الرِّعاية والتَّوجيه الاجتماعي. ويستعين في هذا الباب بشواهد وأخبار عن أحوال المرأة العاملة في المجتمعات الغربيَّة لتأييد موقفه، وهي شواهد تعبِّر عن المقارنة التي يقيمها المؤلِّف في زمن تأليف الكتاب.
ويفرد للاختلاط والحجاب جانبًا من حديثه، فيقرِّر وجوب السِّتر ومنع الخلوة بالأجنبي، ويعارض التَّبرُّج والاختلاط غير المنضبط، مع إقراره بوجود صور من الاجتماع تقتضيها الحاجة كالعبادة في المساجد والتَّعليم. ويربط موقفه من هذه المسائل بحماية الأسرة وتنظيم العلاقة بين الجنسين، ويرفض وصف ذلك بأنَّه «كبت»، بل يقدِّمه باعتباره تنظيمًا للغرائز والحقوق والواجبات وفق تصوُّره للنِّظام الاجتماعي الإسلامي.
ويجمع في آخر آرائه العمليَّة بين تعليم المرأة وتمكينها من الحقوق التي قرَّرها لها الإسلام، وإعدادها للدِّفاع المدني والإسعاف في أوقات الحروب، وقصر التَّوظيف الحكومي في رأيه على الأعمال الملائمة لطبيعتها ورسالتها، وإعدادها لشؤون الأسرة، ومنع الاختلاط إلا عند الحاجة، وعدم تشجيعها على الانشغال بالسِّياسة، وتأهيلها للإصلاح الاجتماعي في الأوساط النِّسائيَّة، وقصر العمل خارج البيت عنده على الحاجة ما دام نظام النَّفقة قائمًا، ومنع التَّبرُّج، ومقاومة ما يسمِّيه «أدب الجنس».
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














