
نبذة عن الكتاب:
يؤرِّخ أبو مروان حَيَّان بن خلف بن حسين بن حَيَّان القرطبي في «المقتبس من أنباء أهل الأندلس» للأندلس منذ الفتح الإسلامي سنة 19هـ إلى أواخر خلافة الحكم المستنصر سنة 366هـ، في كتاب ضخم لم يصلنا منه إلا أجزاء متفرِّقة، من بينها أجزاء تغطِّي السنوات 233–238هـ و275–299هـ و360–364هـ. ويكشف الجزء المتاح من الكتاب عن تأريخ واسع لا يقتصر على أخبار الأمراء، بل يمتدُّ إلى الحروب والثُّغور والإدارة والقضاء والعلم والأدب وأحوال المجتمع، مع استيعاب الأخبار المتعدِّدة المتعلِّقة بالحادثة الواحدة.
ويعتمد ابن حَيَّان التَّرتيب الحولي في تسجيل الوقائع، فيجمع تحت كلِّ سنة ما وقع فيها من أحداث السِّياسة والحرب وتولية العمَّال والقضاة والتمرُّدات والمصالحات والكوارث العامَّة. ففي أخبار السنوات الأخيرة من إمارة عبد الرَّحمن بن الحكم يسجِّل تقلُّب موسى بن موسى القسوي بين الطَّاعة والخلاف، وتدخُّل السُّلطة في الثَّغر، وحركة الجيوش نحو بنبلونة، إلى جانب القحط الذي أصاب الأندلس وأهلك المواشي والكروم وزاد المجاعة وضيق المعيشة.
ويبرز في هذه الأخبار اهتمامه بعلاقة الإمارة الأمويَّة بالثُّغور والقوى المحيطة بالأندلس، فيورد الصَّوائف والحملات العسكريَّة وحركة قادة الحدود، وما يجري مع أهل بنبلونة وإفرنجة والجلالقة. كما يسجِّل إرسال الأسطول إلى ميورقة ومنورقة بعد نقض العهد والإضرار بمراكب المسلمين، وما أعقب الحملة من قتال وصلح وتجديد للأمان، بما يكشف عن متابعته للسياسة البحريَّة والحدوديَّة إلى جانب حوادث داخل البلاد.
ويضمُّ إلى الوقائع السِّياسيَّة أخبار الأحوال الطبيعيَّة والمعيشيَّة، فيذكر القحط والجراد والسُّيول وما أحدثته من خراب. ومن ذلك وصفه للسُّيول التي أصابت قرطبة ووادي شنيل وكورة إشبيلية، وأهلكت القرى والنَّاس والبهائم والأمتعة، فلا يبقى السَّرد محصورًا في تحرُّكات الحكَّام والجيوش، بل يحفظ جانبًا من الأحوال التي عاشها المجتمع الأندلسي.
ويكشف الكتاب كذلك عن تنظيم الدَّولة الأمويَّة ورجالها، فيفصِّل أخبار الحُجَّاب والوزراء والكتَّاب وأصحاب الشُّرطة والقوَّاد والقضاة، ويذكر انتقالهم بين المناصب وصلتهم بالأمير وموقعهم في إدارة المملكة. ويصف مجلس الوزراء في عهد عبد الرَّحمن بن الحكم وطريقة اجتماعهم بالقصر ومشاورتهم في النَّوازل، ثمَّ يسوق أسماء من تولَّوا هذه الخطط وما عُرِفَ عن بعضهم من كفاية أو نفوذ.
وتأخذ بعض الشَّخصيَّات مساحةً كبيرةً من السَّرد، فيتجاوز ابن حَيَّان إثبات الاسم والمنصب إلى ذكر أخبار صاحب التَّرجمة وعلاقاته ومواقفه وما قيل فيه. ويتَّضح ذلك في حديثه المطوَّل عن نصر الخصي ونفوذه في قصر عبد الرَّحمن بن الحكم، وما رُوِيَ عن تدخُّله في أمر ولاية العهد، ثمَّ اختلاف الأخبار في سبب هلاكه، وما قيل فيه من الشِّعر بعد موته.
ويستوعب كذلك أخبار رجال الإدارة والأدب، مثل عيسى بن شهيد ومحمَّد بن سعيد الزَّجَّالي، فيذكر أسباب ارتفاع منازلهم وصلاتهم بالأمراء وأعمالهم وخصالهم، ويورد النَّوادر والأشعار التي اتَّصلت بهم. ومن خلال هذه الأخبار تظهر بيوت الكتابة والوزارة والحجابة وكيف نشأت مكانة بعض الأسر في قرطبة، فتتداخل التَّرجمة الشَّخصيَّة مع تاريخ مؤسَّسات الدَّولة.
وتحتلُّ الحياة العلميَّة والقضائيَّة موضعًا بارزًا في الكتاب، إذ يسرد أسماء القضاة والفقهاء وأهل الفتيا، ويتتبَّع تعاقبهم على القضاء ويذكر اختلاف المصادر في عددهم وترتيب ولاياتهم. ويقارن مثلًا بين ما رواه الرَّازي وابن عبد البر وابن القوطيَّة في قضاة عبد الرَّحمن بن الحكم، ويبرز أثر يحيى بن يحيى اللَّيثي في الفتيا واختيار القضاة وفي علاقة العلماء بالسُّلطة.
كما يحفظ أخبار الرِّحلة في طلب العلم واتِّصال علماء الأندلس بالمشرق، فيذكر من لقي الأئمَّة وأخذ عنهم، ويترجم لعدد من الفقهاء الذين انتهت إليهم الرِّياسة العلميَّة بالأندلس، مثل عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى. ويضمُّ إلى ذلك أخبار العلماء الذين أدركوا عهد عبد الرَّحمن بن الحكم وما كان لهم من أثر في القضاء والفتوى والتَّعليم.
ويتميَّز ابن حَيَّان بكثرة تسمية مصادر أخباره ونقلة الرِّوايات، فينقل في القطعة المتاحة عن أحمد بن محمَّد الرَّازي وابن القوطيَّة وابن عبد البر ومحمَّد بن حارث والحسن بن محمَّد بن مفرج وغيرهم، وقد يثبت اختلافهم في الاسم أو التَّاريخ أو ترتيب الوقائع، ثمَّ يعقِّب على بعض ما ينقله أو ينتقده. ولذلك تحتفظ صفحات «المقتبس» بأخبار مؤلَّفات أندلسيَّة أقدم استوعب ابن حَيَّان رواياتها وأدخلها في بنائه التَّاريخي.
ويظهر هذا المنهج بوضوح في خبر وفاة عبد الرَّحمن بن الحكم سنة 238هـ، إذ يسجل تاريخ الوفاة ومدَّة الإمارة وعمر الأمير، ثمَّ يورد ما وقع في ذلك من اختلاف، ويتوسَّع في مرضه وأيَّامه الأخيرة، قبل أن يفرد أخبارًا لصفته وأولاده وحُجَّابه ووزرائه وكتَّابه وقوَّاده وقضاته. فلا تنتهي المرحلة عند وفاة الحاكم، بل تتحوَّل إلى صورة أوسع لعصره ورجاله ومؤسَّساته.
وتكشف القطعة المحفوظة من «المقتبس» عن طريقة ابن حَيَّان في بناء تاريخ الأندلس من الحوليَّات والتَّراجم والرِّوايات المتعدِّدة وأخبار الإدارة والعلم والأدب والمجتمع، مع ميل واضح إلى التَّفصيل وحفظ أسماء الفاعلين في الحدث وأقوال من سبقه من المؤرِّخين. أمَّا الأجزاء الأخرى الباقية من الكتاب فتؤكِّد امتداد هذا المشروع إلى مراحل مختلفة من تاريخ الأندلس، في حين لا تسمح القطعة المرفقة وحدها بتفصيل أحداث تلك المراحل من غير نصوصها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














