
نبذة عن الكتاب:
يفرِّق عبد الكريم بن صالح الحميد في «بيان العلم الأصيل والمزاحم الدخيل» بين العلم الذي يعدُّه علمَ أتباع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، القائم على الكتاب والسُّنَّة والإخلاص والعمل، وبين علومٍ ومناهج وتعاليم يرى أنَّها زاحمت هذا العلم وأضعفت أثره أو غيَّرت المقصود من طلبه. ويربط بذلك ما يصفه من تحوُّل العلم من طريقٍ للهداية وتزكية النَّفس إلى وسيلةٍ لتحصيل الدُّنيا والرِّئاسة والشُّهرة، ويجعل مخالفة طريقة السَّلف في ماهيَّة العلم ونيَّة طلبه وكيفيَّة تعلُّمه أصلًا لما أصاب الأمَّة - في تقديره - من ضعفٍ في الاعتقاد والأخلاق والتميُّز الدِّيني.
ويجعل النِّيَّة أساسًا في تحديد قيمة العلم وثمرته، فيستدلُّ بالآيات والأحاديث الواردة في الإخلاص والتحذير من طلب العلم للمباهاة والمماراة وصرف وجوه النَّاس وابتغاء أعراض الدُّنيا. ويقرِّر أنَّ العلم الشَّرعي إنَّما يزكو باجتماع الإخلاص لله تعالى ومتابعة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ طلبه للمال أو المنزلة يفسد الغرض الذي شُرع من أجله، ثمَّ يقيس على ذلك أنماط التَّعليم التي يكون المقصود منها الشَّهادة أو الوظيفة أو الجاه.
ويستفيض في نقل أقوال السَّلف في صفات العالم الصَّادق وآفات أهل العلم، فيورد عن سفيان الثَّوري وابن المبارك والفضيل بن عياض وأبي حازم ومالك بن دينار وغيرهم ما يؤكِّد الزُّهد والإخلاص والعمل بالعلم وصيانته عن التكسُّب والتقرُّب إلى أصحاب الدُّنيا. ويجعل من علامات فساد العلم عندهم الطَّمع وحبَّ الرِّئاسة والتَّكاثر به، ومخالفةَ العمل للقول، ويقابل بين العالم الذي يقوده علمه إلى الخشية والزُّهد، وبين من يحوِّل الدِّين إلى حرفةٍ أو طريقٍ لتحصيل المكانة والمال.
ويتتبَّع أثر دخول العلماء على السَّلاطين وتعلُّقهم بأصحاب المال والنُّفوذ، مستشهدًا بأقوالٍ وحكاياتٍ كثيرة تجعل استقلال العالم عن الدُّنيا شرطًا في بقاء هيبة العلم وتأثيره. وينقل في هذا السِّياق رسائل ومواعظ في ذمِّ استغلال العلم للوصول إلى المناصب والحظوظ، ومن ذلك ما يورده عن أبي حازم في إنكاره على من قرَّبته السُّلطة، وما ينقله عن العلماء في أنَّ بذل العلم لأهل الدُّنيا يفضي إلى احتقار أهله وزوال أثرهم في النَّاس.
ثمَّ يوسِّع دائرة «المزاحم الدَّخيل» لتشمل العلوم والمناهج التي يرى أنَّها دخلت على علم النُّبوَّة من خارج طريق السَّلف؛ فينقل عن ابن تيميَّة والذَّهبي والمقريزي وغيرهم نقدهم لدخول الفلسفة والمنطق وعلوم الأوائل وما نشأ عنها من جدل وبدع، ويربط ذلك بتاريخ ترجمة كتب الفلاسفة في العصر العبَّاسي. ولا ينكر المؤلِّف وجود علوم نافعة من حيث الصَّنعة أو المنفعة الدُّنيويَّة، لكنَّه يعترض على مساواتها بالعلم الذي أثنى عليه القرآن الكريم والسُّنَّة، أو جعلها مزاحمةً للعلوم الشَّرعيَّة حتى تضعفها أو تصرف الهمم عنها.
وينتقد التَّعليم الحديث من جهة الغاية والبنية، لا من جهة المعلومة المفردة فقط؛ فيرى أنَّ نظم التَّعليم إذا صارت موجَّهةً أساسًا إلى الشَّهادات والوظائف والرِّئاسة غيَّرت نيَّة الطَّالب وأعادت تشكيل مفهوم العلم عنده. ويستشهد بأقوالٍ لكتَّاب غربيِّين في أثر المدرسة والمناهج في تشكيل شخصيَّة المتعلِّم، ثمَّ يقرأ من خلالها ما يعدُّه انتقالًا للمجتمعات المسلمة عن خصائصها العلميَّة والتَّربويَّة الأولى إلى نماذج وافدة.
ويخصُّ اللُّغة بجانب من هذا النَّقد، فيربط بين تعلُّم اللُّغات الأجنبيَّة والتأثُّر بالأفكار المصاحبة لها، مستشهدًا بما ينقله عن بعض الكتَّاب الغربيِّين وبآثار عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في النَّهي عن رطانة الأعاجم. ويجعل المسألة جزءًا من معنى أوسع هو المحافظة على التميُّز في العلم والثَّقافة وطريقة التَّلقِّي، خشية أن يصحب اللُّغة انتقالٌ غير واعٍ للمفاهيم والقيم.
ويبحث كذلك في أثر حبِّ الشُّهرة والرِّئاسة، وصحبة أهل الأهواء، والتعلُّق بثناء النَّاس، ويرى أنَّ هذه الآفات قد تُبقي صورة العلم مع إفساد مقصده الباطن. ولهذا يكرِّر المقارنة بين العلم الذي يورث الخشية والعمل والزُّهد، وبين علمٍ يزداد صاحبه به حرصًا على الدُّنيا وتنافسًا فيها، ويستشهد بأقوال السَّلف في أنَّ صلاح العالم لا يُعرف بكثرة محفوظاته أو منزلته وحدهما، بل بصدق أثر العلم في عبادته وورعه وسلوكه.
ويؤكِّد أنَّ نقده لا يتوجَّه إلى مجرَّد معرفة الأسباب أو الصَّنائع النافعة، وإنَّما إلى تقديمها في مرتبة العلم المقصود شرعًا أو مزاحمتها له على وجه يضعفه. ولهذا يستند إلى قول ابن تيميَّة في أنَّ العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة وأضعفتها صارت محلَّ منع، ويستشهد بقول الأوزاعي في جعل العلم ما جاء عن أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ليقيم بذلك معياره في المفاضلة بين ما يسمِّيه العلم الأصيل وما يعدُّه من العلوم الدَّخيلة.
وينتهي إلى أنَّ إصلاح العلم عنده يبدأ بإعادة المقصود من التعلُّم إلى ما كان عليه عند السَّلف: معرفة الوحي والعمل به، وطلب وجه الله تعالى، وصيانة العلم عن التكسُّب والرِّئاسة، وعدم صرف الهمم إلى ما يزاحمه حتى يضعف أثره. ولذلك يجعل معيار العالم الحقيقي فيما يحمله من خشيةٍ وعملٍ واتِّباع، لا في الشَّهادة أو اللَّقب أو كثرة العلوم وحدها، ويرى أنَّ استعادة هذا الميزان هي المدخل إلى إعادة التميُّز العلمي والتَّربوي الذي يعتقد أنَّ الأمَّة فقدته حين غيَّرت مفهوم العلم وغاية طلبه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














