
نبذة عن الكتاب:
تبحث بتول أحمد جندية في هذا الكتاب السُّنن التي تحكم نشأة الحضارات وحركتها وتطوُّرها وانطفاءها، انطلاقًا من أنَّ الحضارة فعل إنساني يجري داخل سنن إلهيَّة مطَّردة يمكن فهمها وتحليلها والتَّعامل معها. وتتناول علاقة الإرادة البشريَّة بهذه السُّنن، وشروط انتقال الجماعات من مجرَّد الوجود إلى الفاعليَّة التَّاريخيَّة، ثمَّ العوامل التي تستنزف الطَّاقة الحضاريَّة وتدفع الأمم إلى الضَّعف والانحلال.
وتؤسِّس بحثها بتحديد المفاهيم التي يقوم عليها النَّظر الحضاري، فتفرِّق بين الزَّمن والتَّاريخ والحركة والتَّطوُّر والأمَّة والثَّقافة والحضارة والمدنيَّة والدَّولة والنَّهضة. وترى أنَّ الثَّقافة تمنح الجماعة هويَّتها ونظامها القيمي، أمَّا الحضارة فتدلُّ على مرتبة أعلى من الفاعليَّة والتَّأثير والإنجاز، بينما تمثِّل المدنيَّة طورًا يغلب عليه التَّحقُّق المادِّي والنَّفعي، وتبقى الدَّولة أداةً من أدوات التَّحقُّق الحضاري لا مرادفًا للأمَّة أو الحضارة.
وتناقش اتِّجاه الحركة التَّاريخيَّة، فترفض التَّسليم بأنَّ تراكم الزَّمن يعني تقدُّمًا مطَّردًا، كما ترفض الجبريَّة التي تنفي قدرة الإنسان على التَّأثير في مجرى التَّاريخ. وتميل إلى تفسير الحركة الحضاريَّة بالدَّورات المتعاقبة التي تتكرَّر فيها القوانين لا الوقائع نفسها، مستفيدةً من ابن خلدون وتوينبي وغيرهما، وتربط ذلك بقوانين التَّداول والتَّدافع والاستبدال، مع تأكيد أنَّ انتظام السُّنن لا يلغي الاختيار البشري ولا خصوصيَّة كلِّ تجربة حضاريَّة.
وتجعل الحضور والفاعليَّة من العناصر الحاسمة في مفهوم الحضارة، فليست كلُّ أمَّة ذات ثقافة حضارةً بالضَّرورة، وإنَّما تتحقَّق الحضارة حين تمتلك الجماعة قدرةً على الإنجاز والتَّأثير في محيطها وصناعة جانب من أحداثه. ومن هنا تبحث مفهوم الدَّور الحضاري، وعلاقة التَّفوُّق بالتَّوسُّع، وأشكال السَّيطرة بالقوَّة والمال والمعرفة، ثمَّ تناقش العولمة وما تراه فيها من محاولة لفرض نموذج حضاري واحد على جماعات ذات خصوصيَّات متعدِّدة.
وتردُّ التخلُّق الحضاري أوَّلًا إلى «الفكرة الحيَّة المعصِّبة»، وهي عندها فكرة كليَّة تفسِّر الحياة وتتحوَّل إلى عقيدة حاضرة في النُّفوس، وتتَّصل بمصالح النَّاس، وتتجسَّد في قيادة وقدوة، وتمتدُّ في عمق الجماعة حتى تصبح قوَّةً جامعةً قادرةً على توجيه الطَّاقات إلى مقصد مشترك. ولا تكتفي الفكرة بالشِّعارات، بل لا بدَّ أن تتحقَّق في نظام اجتماعي ومؤسَّسات وتشريعات وحقوق وواجبات تجعلها مؤثِّرة في الواقع، مع المحافظة على التَّوازن بين المصلحة الفرديَّة والمصلحة الجماعيَّة.
وتضع التَّحدِّيات إلى جانب الفكرة عاملًا محفِّزًا لا سببًا مستقلًّا في إنشاء الحضارة؛ فالتَّحدِّي قد يقوِّي جماعةً متماسكةً تمتلك هدفًا ودافعًا، وقد يسحق جماعةً فقدت قدرتها على الاستجابة. ولهذا تخالف توينبي في جعل التَّحدِّي العامل المركزي، وترى أنَّ قيمته تتحدَّد بوجود معادل داخلي من الفكرة والإرادة والعصبيَّة والقدرة على تحويل الضَّغط إلى طاقة للعمل والتَّماسك.
ثمَّ تتتبَّع تخامد الطَّاقة الحضاريَّة حين تضعف صلة الأمَّة بفكرتها الجامعة، وتتآكل القدوة، وتتراكم الخيبات، وتفقد الجماعة ثقتها بقدرتها على التَّغيير. وتربط هذا المسار بتشوُّه شخصيَّة الإنسان الفعَّال، واستكانة العامَّة، وضعف القيادات، وتحوُّل القيم التي كانت عوامل بناء إلى قوالب جامدة أو أدوات للتَّعصُّب والعجز. ومع ذلك لا تجعل الانحدار حتميًّا، إذ ترى إمكان تجديد الدَّورة الحضاريَّة بقيادات أو أجيال تعيد إحياء الفكرة وتخصيبها وتستنهض القاعدة الاجتماعيَّة من جديد.
وتفصِّل عوامل الانهيار في انسحاب الفكرة من الواقع، والوفرة والتَّرف وتراخي التَّحدِّيات، وضمور النُّزوع الجماعي، وانتشار الفساد والظُّلم، ثمَّ الذُّل والهزيمة النَّفسيَّة. وترى أنَّ الخطر لا يكمن في الفساد السِّياسي وحده، بل في تحوُّله إلى ظاهرة اجتماعيَّة وأخلاقيَّة تعمُّ الخاصَّة والعامَّة، فتعطِّل المصالح، وتقتل الثِّقة بجدوى العمل، وتدفع الأفراد إلى الأنانيَّة والسَّلبيَّة، حتى تصبح الأمَّة عاجزةً عن مقاومة ما يواجهها من تحدِّيات.
وتنتهي إلى أنَّ الحضارة تولد من فكرة يقينيَّة كليَّة جامعة تمدُّ الإنسان بالدَّافع وتربط الفكرة بالمصلحة والعمل، وأنَّ انهيارها يبدأ حين تنقطع هذه الصِّلة وتفقد الأمَّة طاقتها الأخلاقيَّة والجماعيَّة. كما ترى أنَّ النُّهوض لا يتحقَّق بإصلاحات سطحيَّة منفصلة عن الإنسان، بل بتجديد الفكرة الحضاريَّة وبناء شخصيَّة قادرة على العمل والتَّضحية، واستثمار التَّحدِّيات في التَّخلُّص من عيوب الانحطاط واستعادة الفاعليَّة التَّاريخيَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














