يسرد أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، في «تحفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» أخبار رحلاته في بلاد المغرب والمشرق، وما شاهده من أحوال البلدان والملوك والشعوب، وعادات أهلها ومظاهر حياتهم الدينيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة. ويصف المدن وعمارتها وأسواقها ومساجدها ومدارسها وزواياها، ويتناول طرق السفر ومنازله ومشقَّاته، وما صادفه من الوقائع والأخبار الغريبة. وقد بدأت رحلته من طنجة سنة 725 هـ قاصدًا الحجَّ إلى مكَّة المكرَّمة، ثمَّ امتدَّت أسفاره إلى أنحاء واسعة من إفريقيَّة وآسيا وأوروبَّا. ودُوِّنت الرحلة بأمر السلطان المريني أبي عنان فارس، وتولَّى الكاتب محمد بن جُزَيّ الكلبي الغرناطي صياغتها وتلخيص ما قيَّده ابن بطوطة من أخبار أسفاره.
ويبدأ بوصف خروجه من طنجة ومروره بتلمسان وبجاية وتونس وطرابلس، وما لقيه من العلماء والولاة، ثمَّ انتقاله إلى مصر، فيصف الإسكندريَّة ومعالمها وميناءها، والقاهرة ومساجدها ومدارسها وأسواقها ونيلها، ويتناول أخبار سلاطينها ومشايخها وأهل العلم فيها. ثمَّ يسلك طريق الشام، فيزور غزَّة والخليل والقدس وعسقلان وحلب ودمشق، ويذكر المساجد والمشاهد الدينيَّة وأوقافها، وما عُرف عن دمشق من كثرة المدارس والزوايا وأعمال البرِّ. ويصف بعد ذلك سفره مع قافلة الحجِّ الشاميَّة إلى الحجاز، ومنازل الطريق ومرافق الحُجَّاج، ثمَّ يتحدَّث عن مكَّة المكرَّمة والمسجد الحرام والكعبة المشرَّفة ومناسك الحجِّ، وعن المدينة المنوَّرة ومسجد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما شاهده في الحرمين من أحوال العلماء والمجاورين والحُجَّاج القادمين من مختلف البلدان.
ثمَّ ينتقل إلى العراق وفارس، فيصف النجف وواسط والبصرة وبغداد والموصل، وما اشتهرت به من المساجد والمدارس والمشاهد والأسواق، ويُورد أخبار السلاطين والفقهاء والمتصوِّفة الذين لقيهم. ويتناول رحلاته إلى الأهواز وأصبهان وشيراز وتبريز، مع وصف أحوال سكانها وعمرانها وتجارتها. ثمَّ يروي أسفاره البحريَّة من جدَّة إلى اليمن، ومروره بزبيد وتعزَّ وعدن، وانتقاله إلى سواحل شرقيِّ إفريقيَّة، ومنها مقديشو وممباسة وكلوة، فيصف أحوال التجَّار والسلع المتداولة والموانئ والعادات المحليَّة. ويتحدَّث كذلك عن عُمان وهرمز وسواحل الخليج، وما شاهده من نشاط الملاحة والتجارة، ثمَّ يصف بلاد الأناضول ومدنها وأحوال أمرائها، ويخصُّ بالذكر جماعات الفتيان المعروفة بالأخِيَّة، وما اشتهرت به من إكرام الغرباء وضيافتهم.
ويُتابع أخبار رحلته إلى بلاد القرم والقفجاق، واجتماعه بالسلطان محمد أوزبك خان، وما شاهده في معسكره من مظاهر المُلك والعادات والمراسم، ثمَّ سفره إلى القسطنطينيَّة بصحبة إحدى زوجات السلطان، ووصفه عمران المدينة وكنائسها وأحوال أهلها. وينتقل بعد ذلك إلى خوارزم وبخارى وسمرقند وبلخ وهراة، ويتناول آثار الغزو المغولي وما خلَّفه من خراب في بعض المدن، وأخبار الملوك والعلماء والصالحين في تلك الأقاليم. ثمَّ يصف عبوره جبال هندوكوش ومشقَّات الطريق إلى الهند، ومروره ببلاد السند والبنجاب وملتان حتَّى وصوله إلى دهلي.
ويُفصِّل أحوال الهند في عهد السلطان محمد بن تُغْلُق، فيصف مدينة دهلي ومعالمها ومساجدها وأسواقها، ويتناول تاريخ فتحها وتعاقب الملوك عليها، وما شاهده من نظم الحكم ومجالس السلطان ومواكبه وعطاياه وعقوباته. ويروي أخبار إقامته في بلاط السلطان، وما تولَّاه من القضاء، وعلاقته بالأمراء والفقهاء ورجال الدولة، وما تعرَّض له من تقلُّبات ومحن. ثمَّ يذكر تكليفه بالسفر سفيرًا إلى ملك الصين، وما اعترض طريقه من أخطار واضطرابات، ويتتبَّع رحلاته على سواحل الهند الغربيَّة، ولا سيَّما بلاد المليبار وقالقوط وكولم، وما اشتهرت به من تجارة الأبزار والملاحة البحريَّة.
وينتقل إلى جزر المالديف، فيصف طبيعتها ومدنها ونظام الحكم فيها، وعادات أهلها في الزواج واللباس والطعام والتجارة، وما استعملوه من الودع في المعاملات، ويذكر تولِّيه القضاء فيها ومحاولاته تغيير بعض العادات التي خالفت ما اعتاده في البلدان الإسلاميَّة. ثمَّ يسرد رحلته إلى جزيرة سيلان وزيارته الجبل المنسوب إلى قدم آدم عليه السلام، وما شاهده من أحوال أهلها ومعابدهم وتجارتهم، وما تعرَّض له من أخطار البحر واعتداء القراصنة. ويُتابع طريقه إلى البنغال وجزر جنوب شرقيِّ آسيا، ومنها سمطرة، فيصف ممالكها وسلاطينها وأسواقها ومحاصيلها، ثمَّ يورد أخبار رحلته إلى الصين، وما شاهده أو نُقل إليه عن مدنها وموانئها وتنظيم أسواقها وطرقها، وصناعاتها وعملاتها، وأحوال المسلمين المقيمين فيها ومساجدهم وقضاتهم وتجَّارهم.
ثمَّ يروي عودته من المشرق إلى المغرب، مارًّا بسواحل الهند وعُمان والعراق والشام ومصر والحجاز وتونس، حتَّى وصوله إلى فاس واجتماعه بالسلطان أبي عنان. ويتناول بعد ذلك سفره إلى الأندلس، فيصف جبل طارق ومالقة وغرناطة، وما رآه من عمرانها وحصونها ومجالس علمائها وأدبائها، ثمَّ يعود إلى المغرب ويتوجَّه عبر الصحراء الكبرى إلى بلاد السودان الغربي. ويذكر طريقه من سجلماسة إلى تغازَّى، ومناجم الملح فيها، وقوافل الصحراء ووسائل انتقالها، ثمَّ وصوله إلى إيوالاتن وبلاد مالي، فيصف مجلس السلطان منسى سليمان وعادات أهل البلاد ونظمهم الاجتماعيَّة وتجارتهم وأطعمتهم. ويتحدَّث عن نهر النيجر والمدن الواقعة عليه، ومنها تنبكتو وكوكو، وما كان يُتداول فيها من السلع والعملات، ثمَّ يذكر عودته إلى المغرب بأمر السلطان أبي عنان وانتهاء أسفاره.
وتتخلَّل الرحلة أخبارٌ عن العلماء والفقهاء والقضاة والمتصوِّفة، والملوك والأمراء والنساء ذوات المكانة السياسيَّة والاجتماعيَّة، مع وصف مجالس الحكم والضيافة والاحتفالات والأعياد ومراسم الزواج والوفاة. ويعتني ابن بطوطة بذكر الأطعمة والألبسة والأدوية والنباتات والحيوانات، وأنواع النقود والسلع المتداولة، وأحوال المرافئ والقوافل وطرق التجارة، ويُورد الحكايات العجيبة والأخبار التي سمعها من أهل البلدان إلى جانب مشاهداته الشخصيَّة، كما يسجِّل ما تعرَّض له من الأمراض والأخطار والسرقة والغرق، وما وجده من إكرام أو إساءة خلال أسفاره.