يُدوِّن أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاريّ في كتاب «النَّوادر في اللُّغة» ما سمعه من فصحاء العرب من ألفاظ نادرة وتراكيب لغويَّة غير مألوفة وما ورد في أشعارهم وأراجيزهم من كلمات وأساليب تحتاج إلى بيان معانيها ووجوه استعمالها. ويعتمد على الشَّواهد المنقولة عن الشُّعراء الجاهليِّين والإسلاميِّين وما رواه عن المفضَّل الضَّبِّيّ وما تلقَّاه من أفواه الأعراب في البادية. ويتناول اختلاف اللُّغات بين القبائل وما تتغيَّر به دلالة الكلمة بحسب حركاتها أو صيغتها أو السِّياق الذي وردت فيه. ويعرض كذلك ما يقع في الألفاظ من حذف وإبدال وإدغام وتخفيف وتغيير في أبنية الأسماء والأفعال مع تفسير ما يستغلق من معاني الشِّعر. ويتألَّف الكتاب من أبواب متعاقبة في شعر القصيد والرَّجز والنَّوادر اللُّغويَّة دون التزام ترتيب هجائيّ للألفاظ أو تقسيمها بحسب موضوعاتها. وقد وصل الكتاب بروايات متعدِّدة عن أبي زيد من طريق أبي حاتم السِّجستانيّ والرِّياشيّ والتَّوَّزيّ وغيرهم مع تعليقات لأبي الحسن الأخفش ومناقشات لبعض الرِّوايات والتَّفسيرات. ويُصرِّح الرُّواة في أوَّله بأنَّ أبا زيد أخذ ما فيه عن المفضَّل الضَّبِّيّ وعن العرب مع اختلاف ما نقلوه عنه في تحديد مصدر القصيد والرَّجز.
ويبدأ الكتاب بباب الشِّعر فيورد قصائد ومقطوعات لشعراء من قبائل تميم وبكر بن وائل وبني كلاب وبني ضبَّة وغيرها من القبائل العربيَّة. ومن أوائل ما يرويه شعر ضمرة بن ضمرة النَّهشليّ في السَّخاء ومساعدة الأقارب وما يتَّصل به من ألفاظ النَّدى والجوع والحياء واللَّوم. ويشرح كلمة «بسل» وما ورد لها من معنيَي الحرام والحلال ويذكر استعمالها للمذكَّر والمؤنَّث والمفرد والجمع. ثمَّ يورد أشعار مرداس بن حصين وعبدة بن الطَّبيب وسحيم بن وثيل وغيرهم ويُفسِّر ما تضمَّنته من أوصاف الحروب والفُرسان والإبل والخيل وأخبار القبائل وأيَّامها. وقد يذكر مناسبة الأبيات أو يشرح ما اتَّصل بها من أسماء الأشخاص والمواضع والوقائع. ويُبيِّن معاني الألفاظ التي استعملها الشُّعراء في وصف النَّجدة والشَّجاعة والسَّخاء والموت والرِّثاء والفراق وما يتعلَّق بمنازل القوم وأحوال معاشهم. كما ينقل اختلاف الرِّوايات في بعض الأبيات وما أضافه أحد الرُّواة إليها من أشعار لم ترد في رواية غيره. ويُفصِّل أحيانًا وجوه الإعراب والتَّقدير في البيت الواحد ويشرح ما وقع فيه من تقديم أو تأخير أو حذف أو استعمال غير مألوف.
ويُفرد أبو زيد أبوابًا متكرِّرة للرَّجز فيروي أراجيز قصيرة وطويلة لأعراب ورجَّاز من قبائل مختلفة ويشرح ما اشتملت عليه من الألفاظ النَّادرة والصِّيغ غير المشهورة. ويكثر في هذه الأبواب ذكر أوصاف النُّوق والجياد وما يتعلَّق بسيرها وسرعتها وألوانها وأعضائها وأصواتها ووسائل سوقها وزجرها. ومن ذلك تفسير المَلْس والهَزِيز والهَزَّة وما تدلُّ عليه من أحوال السَّير وشرح الإجدام في زجر الفرس وحثِّه على الحركة. ويتناول أيضًا الألفاظ التي تصف المرعى والماء والطَّريق والسَّفر وما يقع في الرَّجز من تسمية الأدوات والأطعمة والملابس وأحوال المعيشة. ويُبيِّن اختلاف ضبط بعض الكلمات بين الرُّواة وما يترتَّب عليه من اختلاف المعنى أو الوزن الشِّعريّ. كما يتناول ما يرد في الأراجيز من حذف الحروف وتسكين المتحرِّك وتحريك السَّاكن وإثبات ما يُحذف في الكلام المعتاد أو حذف ما يثبت فيه. ومن أمثلة ذلك مناقشة حذف نون التَّوكيد الخفيفة وما يبقى من أثر حركتها في اللَّفظ وبيان بعض صيغ الخطاب التي تُوجَّه إلى الإبل أو غيرها في أثناء الرَّجز. ويُورِد في هذه المواضع أقوال أبي حاتم السِّجستانيّ والأخفش وغيرهما في توجيه الرِّوايات وبيان ما يجوز منها في العربيَّة.
وتتَّسع أبواب النَّوادر للألفاظ المستعملة في شؤون الحياة اليوميَّة وما تتَّصل به من أسماء الأشياء وصفاتها وأفعالها. فيذكر أنواع الأطعمة وطرائق إعدادها ويفرِّق بين الهريس والجشيش قبل الطَّبخ وبعده ويشرح الأسماء التي تطلقها العرب على الولائم ومنها الوليمة والمأدبة والتَّوكير والإعذار والخُرْس مع بيان المناسبات التي يُصنع فيها كلُّ طعام. ويُورِد ألفاظًا تتعلَّق باللَّبن والحلب والشُّرب وأحوال الجوع والعطش والشِّبع ويشرح ما يختلف من أسماء الأطعمة بحسب هيئتها أو طريقة إعدادها. كما يتناول أوصاف الإبل وأعمارها ونتاجها وأحوال ضروعها وألبانها وما يعتريها من الأمراض أو التَّغيُّرات وما يرتبط برعيها وسقيها وحمل الأثقال عليها. ويُفصِّل أسماء بعض أجزاء أجسام الحيوان وما يختصُّ به كلُّ نوع منها وما ورد من الألفاظ في وصف الخيل والغنم والظِّباء والسِّباع والطُّيور. ويمتدُّ ذلك إلى النَّبات والشَّجر والثِّمار والأرض والرِّمال والجبال والآبار والأنهار والرِّياح والأمطار وأوقات اللَّيل والنَّهار. ويذكر أسماء الأدوات التي يستعملها أهل البادية في الطَّعام والشَّراب والرَّعي والصَّيد وما يصنعونه من الثِّياب والأوعية والحبال وسائر لوازم المعاش. وقد يورد مع اللَّفظ خبرًا قصيرًا عن أعرابيّ أو امرأة من أهل البادية يوضِّح مناسبة استعماله أو وجه تسميته.
ويبحث الكتاب في اختلاف أبنية الكلمات وطرائق تصريفها فيذكر الأسماء التي تتغيَّر صيغ جمعها باختلاف القبائل وما يرد من جموع القلَّة والكثرة وما يأتي من الصِّفات بلفظ واحد للمذكَّر والمؤنَّث أو المفرد والجمع. ويتناول ما يقع من اختلاف بين الاسم والمصدر وما يُستعمل من الأفعال متعدِّيًا أو لازمًا وما يتغيَّر معناه بدخول حرف من حروف الجرِّ عليه. ويُورِد أمثلة على اختلاف الصِّيغ في أفعال السَّقي والإطعام والسَّير والعمل وما يجوز فيها من الاشتقاق. كما يشرح ما يرد في كلام العرب من الإبدال بين الحروف أو قلب الواو تاءً في بعض الأبنية وما يتَّصل بذلك من تخفيف النُّطق والإدغام. ويُناقش استعمال الألفاظ التي تحتمل معنيين متقابلين وما يُعرف بالأضداد ويُفسِّر التَّراكيب التي لا يُفهم معناها من ظاهر ألفاظها وحده. ومن ذلك شرحه قول العرب «كذب عليكم الحجُّ» بمعنى الحثِّ على الحجِّ وما يماثله من استعمالات هذا الفعل. ويعرض أيضًا ما ورد في أسماء الأماكن والأشخاص من صيغ غير مألوفة وما استعمله العرب من التَّرخيم والحذف وإقامة بعض الكلمات مقام غيرها. وتتخلَّل هذه المباحث شواهد من القرآن الكريم عند بيان دلالة لفظ أو وجه إعراب ويُستشهد بالشِّعر لتفسير مواضع من التَّراكيب القرآنيَّة أو توضيح أصل الاستعمال في لسان العرب.
ويُثبت أبو زيد اختلاف اللُّغات المسموعة عن القبائل والأعراب فيذكر ما انفرد به بعض بني ضبَّة وبني عقيل وبني كلاب وقيس وتميم وغيرهم من ألفاظ وصيغ وأوجه نطق. وقد يذكر اسم الأعرابيّ الذي سمع منه الكلمة ثمَّ يورد ما رُوي عن غيره في معناها أو ضبطها. وتظهر في الكتاب تعليقات أبي حاتم السِّجستانيّ على تفسير الألفاظ وما حفظه من روايات تخالف رواية أبي زيد كما تظهر تعليقات الرِّياشيّ والأخفش وغيرهما ممَّن نقلوا الكتاب أو قرأوه على شيوخهم. ويُصرِّح بعض هؤلاء الرُّواة بأنَّه لا يعرف لفظًا أورده أبو زيد أو أنَّ روايته للبيت تختلف عمَّا أثبته غيره ويُبيِّن أحيانًا ما يراه تصحيفًا أو خطأً في نقل كلمة أو نسبتها إلى شاعر. ويتوسَّع الأخفش في مواضع عديدة في مناقشة المسائل النَّحويَّة والصَّرفيَّة التي تثيرها الشَّواهد فيُفسِّر وجوه الإعراب ويُقابل بين أقوال البصريِّين والكوفيِّين ويشرح ما يجوز في الضَّرورة الشِّعريَّة وما لا يجوز في الكلام المعتاد. كما يُورِد اعتراضات على بعض التَّوجيهات التي نقلها الرُّواة ويقترح لها وجوهًا أخرى مستندًا إلى القياس أو ما ثبت عنده من السَّماع. وتتواصل أبواب النَّوادر في أواخر الكتاب بألفاظ متفرِّقة من كلام العرب تشمل أوصاف الإنسان والحيوان والطَّعام واللِّباس والآلات والأمثال والأفعال المستعملة في المعاش ثمَّ ينتهي النَّصُّ بخاتمة تُشير إلى تمام كتاب «النَّوادر» وما أُضيف إليه من كتاب «مسائيَّة».