مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب موت الألفاظ في العربية لعبد الرزاق بن فراج الصاعدي PDF

كتاب موت الألفاظ في العربية لعبد الرزاق بن فراج الصاعدي PDF

نبذة عن الكتاب:

يستقرئ عبد الرزَّاق بن فرَّاج الصَّاعدي في كتاب «موت الألفاظ في العربيَّة» ظاهرة اندثار الكلمات وخروجها من الاستعمال بعد أن كانت متداولة في ألسنة العرب، ويبحث في صور هذه الظَّاهرة وأسبابها وما بقي من آثار الألفاظ المماتة في المصادر اللُّغويَّة القديمة. ويُميِّز بين موت اللفظ الذي يزول من الاستعمال مع إمكان بقاء ما يدلُّ عليه من مشتقَّات وصيغ، وموت المعنى الذي يبقى معه اللفظ مستعملًا بعد انتقال دلالته إلى معنى آخر. ويحدِّد نطاق بحثه بالألفاظ التي هجرها العرب في عصور الفصاحة والاحتجاج اللُّغويّ، ولا يُدخل فيه الألفاظ القديمة التي قلَّ استعمالها بعد تلك العصور نتيجة تغيُّر أحوال المعيشة أو ابتعاد المتكلِّمين عن بيئاتها الأولى. ويُوضِّح أنَّ هجر المعاصرين أسماء الإبل والنَّبات وأدوات البادية وغيرها لا يجعلها بالضَّرورة ألفاظًا مماتة بالمعنى الذي يدرسه. ويعتمد على ما أثبته الخليل بن أحمد وسيبويه وابن دريد والأزهريّ وابن فارس وغيرهم من أئمَّة اللُّغة في معاجمهم ومؤلَّفاتهم من إشارات إلى الألفاظ المتروكة، ويستعين بالشَّواهد الشِّعريَّة والأخبار اللُّغويَّة والمناقشات الصَّرفيَّة لتحديد وجوه استعمالها وما طرأ عليها من تغيير. ويُنبِّه إلى صعوبة القطع بموت لفظ لمجرَّد غيابه عن المصادر، لأنَّ ما دُوِّن من كلام العرب لا يُمثِّل جميع ما نطقوا به، ولأنَّ بعض الألفاظ قد يكون معروفًا في بيئة أو قبيلة ومهجورًا في أخرى. وقد رتَّب البحث في تمهيد و4 أبواب تتناول مصطلحات الممات، والأسماء والأفعال التي انقطعت عن الاستعمال، والعوامل التي أدَّت إلى إماتتها، وإمكان إحيائها والإفادة منها في تنمية العربيَّة.

ويبدأ الصَّاعدي بتمهيد يُحرِّر فيه المصطلحات التي استعملها اللُّغويُّون للدَّلالة على اندثار الكلمات، فيشرح الممات والمتروك والعُقميّ والاستغناء، وما استعمله المحدثون من ألفاظ الانقراض والبقايا الأثريَّة والكلمات التَّاريخيَّة. ويُوضِّح أنَّ الممات هو ما كان مستعملًا ثمَّ هُجر حتى استغنت عنه اللُّغة، وأنَّ المتروك يقاربه في المعنى، بينما يُطلق العُقميّ على الكلام القديم الذي درس استعماله أو خفي معناه على المتكلِّمين. ويتناول الاستغناء بوصفه ترك صيغة أو كلمة لاكتفاء العرب بأخرى تؤدِّي معناها، ويستشهد بما أورده سيبويه من استغنائهم بألفاظ مستعملة عن صيغ أخرى متروكة. ثمَّ يُفرِّق بين الممات والمهمل، فيُبيِّن أنَّ المهمل هو ما لم يُستعمل أصلًا من التَّراكيب التي تحتملها حروف العربيَّة، بخلاف الممات الذي يُفترض سبق استعماله قبل هجره. ويشرح ما بينهما من اختلاف في الحكم اللُّغويّ، ويستعرض أمثلة من تقاليب الحروف التي لم تنطق بها العرب لما فيها من ثقل أو لمخالفتها ما اعتادته من تأليف الأصوات. كما يتناول الألفاظ الضَّعيفة والمنكرة والغريبة والحوشيَّة والنَّادرة والشَّاردة وما وُصف من اللُّغات بالرَّديء والقبيح والمذموم والمرغوب عنه. ويُبيِّن أنَّ هذه الأوصاف لا تتَّحد جميعها مع معنى الممات، وإنَّما قد تدلُّ على قلَّة الاستعمال أو غرابة اللفظ أو عدم استحسانه، وهي أحوال قد تسبق الهجر أو تُسهم في وقوعه.

ويُخصِّص الباب الأوَّل للأسماء المماتة، فيبدأ بأسماء أيَّام الأسبوع عند العرب في الجاهليَّة، فيذكر أوَّل للأحد وأَهْوَن وأَوْهَد للاثنين وجُبار للثُّلاثاء ودُبار للأربعاء ومؤنس للخميس والعَروبة للجمعة وشِيار للسَّبت. ويُورِد الشَّواهد الشِّعريَّة التي أثبتت هذه الأسماء ثمَّ يشرح ما ذكره اللُّغويُّون في اشتقاقها وأسباب تسميتها، ويُبيِّن كيف حلَّت الأسماء المعروفة للأيَّام محلَّها حتى انقطع استعمالها في الدَّلالة الزَّمنيَّة القديمة. ثمَّ ينتقل إلى أسماء الشُّهور العربيَّة قبل استقرار التَّسمية المعروفة، فيذكر المؤتَمِر وناجر وخَوَّان ووُبصان والحَنين ورُنَّى والأصمّ وعاذل وناتق ووَعِل ووَرْنة وبُرَك، وما ورد لبعضها من صيغ وأسماء أخرى. ويُناقش اختلاف روايات العلماء في هذه الأسماء، فيُقابل ما ذكره أصحاب المعاجم والمؤلَّفات المختصَّة بالأزمنة بما أورده البيرونيّ والمسعوديّ وغيرهما، ويُشير إلى احتمال وقوع التَّصحيف والتَّحريف في بعضها نتيجة قِدمها وانقطاع استعمالها. ويبحث في دلالاتها الاشتقاقيَّة وصلتها بأحوال المناخ والحروب والحجِّ وتغيُّر الفصول، ويستدلُّ من اختلاف الأسماء القديمة والحديثة على تعاقب مراحل في تسمية الشُّهور وتطوُّر الاستعمال اللُّغويّ المرتبط بها.

ويعرض بعد ذلك أسماء متفرِّقة زالت من استعمال العرب بزوال ما كانت تدلُّ عليه من نظم وعادات وأحوال اجتماعيَّة، فيذكر المِرْباع الذي كان يُخصَّص لرئيس القوم من الغنيمة في الجاهليَّة، والنَّشيطة والصَّفايا والفُضُول وما ارتبط بها من تقسيم الغنائم، والإتاوة والمَكْس والحُلوان وما كانت تدلُّ عليه من أنواع الجباية والأموال المأخوذة بغير حقّ. ويشرح الصَّرورة وما نُقل في معناها من التَّبتُّل وترك النِّكاح أو الاحتماء بالحرم، والنَّوافج وما اتَّصل بها من أخذ الأموال بسبب تزويج البنات، والرَّتيمة التي ارتبطت بعادة جاهليَّة في معرفة ما يُظنُّ من وفاء الأهل عند الغياب. ويذكر ألفاظًا مثل غُلامة في تأنيث الغلام، وعَدَوْلاة اسم الموضع الذي نُسبت إليه السُّفن العَدَوْليَّة، والجَدَف الذي نُقل عن أبي عمرو بن العلاء أنَّ معرفة معناه ذهبت بذهاب أهله، والأرداف الذين كانوا يقومون مقام بعض الملوك في الجاهليَّة. كما يورد أسماء وصفات من كلام العرب القديم لم تعد مألوفة عند المتأخِّرين، مثل عُبسور وعَيْسَجور في أوصاف النُّوق وضِناك في وصف المرأة وخِبَقّ في وصف الفرس أو النَّاقة. ويُوضِّح كيف حفظت المعاجم هذه الألفاظ على الرَّغم من انقطاع استعمال بعضها، وكيف بقيت أحيانًا أسماء مشتقَّة أو ألفاظ منسوبة شاهدة على أصولها القديمة.

ويبحث الصَّاعدي في الأسماء التي أُميت مفردها وبقي جمعها أو مثنَّاها مستعملًا، فيذكر جموعًا مثل الخَلابيس وسَمادير وتباشير وتعاشيب وتضاعيف وتعاجيب ومحاسن وملامح، وما نُقل عن العلماء من عدم معرفة مفرد مسموع لبعضها أو الاختلاف في تقديره. ويشرح أنَّ وجود الجمع في الاستعمال قد يدلُّ عنده على سبق استعمال مفرده ثمَّ الاستغناء عنه، مع بيان ما أورده النُّحاة من تقديرات لبعض هذه المفردات وما وقع بينهم من خلاف في صحَّتها. ويتناول من المثنَّيات التي لا يُعرف لها مفرد مستعمل من لفظها ألفاظًا مثل المِذْروان وهجاجان ودَوَاليك، ويناقش ما يمكن تقديره لها من أصول وفق القياس الصَّرفيّ. ثمَّ ينتقل إلى الأسماء التي استقرَّ استعمالها على صيغة التَّصغير مع انقطاع استعمال مكبَّرها، ومنها كُعَيت وجُمَيل في أسماء الطُّيور وكُمَيت في الألوان والثُّريَّا والقَصَيرى وبعض أسماء الأعلام والمواضع. ويعرض خلاف العلماء في هذه الصِّيغ، فمنهم من يرى أنَّ العرب وضعتها مصغَّرة ابتداءً ولم تنطق بمكبَّراتها، ومنهم من يرى أنَّ المكبَّرات كانت مستعملة ثمَّ أُميتت واستُغني عنها بالمصغَّرات. ويُناقش المؤلِّف المسألة على أساس العلاقة بين الأصل والفرع في التَّصريف، ويستدلُّ بأوزان التَّصغير المعروفة وما تقتضيه من معرفة بنية المكبَّر، مع التَّنبيه إلى أنَّ تقدير الصِّيغة المماتة لا يعني بالضَّرورة ثبوتها نصًّا في كلام العرب المنقول.

ويُفرد الباب الثَّاني للأفعال المماتة وصورها الصَّرفيَّة المختلفة، فيبدأ بالأفعال التي أُميتت صيغها وتصريفاتها جميعًا وبقي ما يدلُّ عليها من أسماء أو مصادر أو مشتقَّات. ويستخرج أمثلة من المعاجم القديمة، ولا سيَّما «جمهرة اللُّغة» لابن دريد، فيعرض أفعالًا مثل بَحِنَ الذي بقي منه البَحْوَن، وتارَ الذي بقي منه التَّيَّار، وما ورد من أفعال مماتة في أصول أسماء مثل جُعْتُب وغيرها. ويُقدِّر صيغ الماضي والمضارع لهذه الأفعال بحسب الأوزان الصَّرفيَّة، مع التَّصريح بأنَّ ضبط عين الفعل قد يبقى محتملًا لأنَّ السَّماع هو الأصل في تعيين حركة بعض الأفعال. ويُقدِّم لهذا البحث بمناقشة الخلاف بين البصريِّين والكوفيِّين في أصل الاشتقاق، وهل المصدر أصل الفعل أم الفعل أصل المصدر، ويُوضِّح أثر هذا الخلاف في إمكان الاستدلال بالمصدر أو المشتقِّ الباقي على وجود فعل قديم انقطع استعماله. كما يُناقش الأفعال التي اختلف العلماء في الحكم بموتها، فيُورِد ما نُقل في الفعلين المشتقَّين من الأب والأمّ، وما ورد في بعض المعاجم من صيغ تدلُّ على الأبُوَّة والأمومة رغم تصريح بعض اللُّغويِّين بإماتة أفعالهما. ويحتمل في تفسير هذا الاختلاف أن تكون الصِّيغة قد قُدِّرت على القياس أو أُحييت بعد إماتتها أو بقي استعمالها في بيئة دون أخرى، فلا يجعل اختلاف النُّقول دليلًا قاطعًا على بقاء الفعل أو اندثاره.

ويتناول بعد ذلك الأفعال التي أُميت مجرَّدها واستُعمل المزيد منها، فيشرح ما وقع من الاستغناء بصيغة أَفْعَلَ أو فَعَّلَ أو غيرهما من الأبنية المزيدة عن الفعل الثُّلاثيّ الأصليّ. ويذكر من ذلك ما نقله اللُّغويُّون في الاستغناء بأمضَّني عن مضَّني، وأغاث عن غاث، وأحبَّ عن حَبَّ، وما بقي من شواهد على الأصول المتروكة في المصادر وأسماء الفاعلين والمفعولين. ويتناول ما ورد في أفعال مثل أَيْفَعَ وأَبْقَلَ وأَوْرَسَ وما استُعمل معها من صفات قد تدلُّ على أفعال مجرَّدة أُميتت أو قلَّ استعمالها. ثمَّ ينتقل إلى الأفعال التي أُميتت بعض تصريفاتها دون بعض، فيعرض صور انقطاع الماضي أو المضارع أو الأمر منفردًا أو اجتماع صيغتين متروكتين مع بقاء الثَّالثة. ويُفصِّل مسألة الفعلين وَدَعَ ووَذَرَ وما اشتهر عند النُّحاة من القول بإماتة ماضيهما واستعمال مضارعيهما وأمريهما، مع مناقشة الشَّواهد التي ورد فيها الفعل وَدَعَ في الشِّعر وبعض القراءات والأحاديث. ويُورِد أقوال من رأى أنَّ ورود هذه الشَّواهد يقتضي الحكم بقلَّة الاستعمال لا بالإماتة المطلقة، ويُفرِّق بين غياب صيغة عن الاستعمال المعتاد وثبوت استعمالها في مواضع محدودة. كما يبحث الأفعال التي لزمت البناء للمجهول واستُغني فيها عن البناء للمعلوم، ومنها جُنَّ وسُلَّ وزُكِمَ ودُهِشَ وأُولِعَ به، ويشرح ما ذكره سيبويه ومن جاء بعده من أنَّ بعض الصِّيغ المبنيَّة للمجهول بقيت مستعملة مع إماتة أصولها المبنيَّة للمعلوم. ويُميِّز بينها وبين الأفعال التي ورد فيها الوجهان وإن كان استعمال المبنيِّ للمجهول أكثر شيوعًا.

ويُخصِّص الباب الثَّالث لتفسير الأسباب التي تؤدِّي إلى إماتة الألفاظ، فيردُّها إلى عاملين رئيسين هما العامل الصَّوتيّ والعامل الدَّلاليّ. ويبحث في العامل الصَّوتيّ أثر تأليف الحروف ومخارجها في قبول الكلمة وسهولة تداولها، فيُوضِّح أنَّ اجتماع الأصوات المتباعدة في المخارج أخفُّ في النُّطق من اجتماع بعض الأصوات المتقاربة، وأنَّ الكلمات الثَّقيلة قد تكون أكثر تعرُّضًا للهجر. ويستشهد بما ذكره علماء العربيَّة من استثقال توالي بعض حروف الحلق وتقارب بعض الحروف في الأبنية، ويعرض أمثلة لأفعال مماتة أو نادرة ربطها بثقل التَّأليف الصَّوتيّ. كما يشرح ما قرَّره الخليل في شأن حروف الذَّلاقة وأثرها في تخفيف الأبنية الرُّباعيَّة والخُماسيَّة، وما ذكره من التَّراكيب التي تخلو منها وتُعدُّ عنده مولَّدة أو خارجة عن مألوف كلام العرب. ويُورِد ألفاظًا مثل العُهْعُخ والقُداحِس وتَخْطَع، ويناقش ما في بعضها من غرابة وثقل واحتمال أن تكون من بقايا الاستعمال القديم. ولا يجعل كلَّ لفظ ثقيل مماتًا بالضَّرورة، بل يعرض هذه الظَّواهر بوصفها قرائن يمكن الاستئناس بها عند البحث في أسباب الاندثار.

ويُفصِّل العامل الدَّلاليّ في 4 أسباب هي زوال المعنى والاستغناء والعامل الدِّينيّ والعامل الاجتماعيّ. ففي زوال المعنى يشرح كيف تختفي الكلمة عندما تزول العادة أو الوظيفة أو المؤسَّسة التي كانت تدلُّ عليها ولا يبقى لها استعمال آخر، ويستشهد بالأسماء الجاهليَّة المرتبطة بتقسيم الغنائم أو أنواع الجباية وبعض التَّقاليد الاجتماعيَّة. وفي الاستغناء يُبيِّن أثر التَّرادف في هجر لفظ والاكتفاء بآخر يؤدِّي معناه، وما قد يحدث من إحلال صيغة مزيدة محلَّ أصلها المجرَّد أو استعمال تركيب بدلًا من مصدر أو فعل. أمَّا العامل الدِّينيّ فيتناول ما تغيَّر من الألفاظ والعادات بعد ظهور الإسلام وما نُهي المسلمون عن استعماله لما ارتبط به من دلالات غير مرغوبة، فيذكر النَّهي عن قول «راعنا» واستعمال «انظرنا» بدلًا منها، وما ورد في ألفاظ مثل العَتيرة والصَّرورة وغيرها ممَّا اتَّصل بأحوال الجاهليَّة. ويبحث في العامل الاجتماعيّ أثر الحياء واللِّياقة ونفور المجتمع من بعض الدَّلالات في هجر الألفاظ الصَّريحة واستبدال ألفاظ ألطف بها أو اللُّجوء إلى الكناية والتَّعريض. ويُوضِّح أنَّ تغيُّر النَّظرة إلى معنى الكلمة قد يؤدِّي إلى العدول عنها حتى لو بقي الشَّيء الذي تدلُّ عليه معروفًا، ويذكر ما ورد في تغيير بعض الأسماء ذات الدَّلالات المكروهة. ويُقرِّر أنَّ العامل الدَّلاليّ أوسع أثرًا في إماتة الألفاظ من العامل الصَّوتيّ، لأنَّه يتَّصل بتغيُّر حياة المتكلِّمين وقيمهم وحاجاتهم وطرائق تعبيرهم.

ويبحث الباب الرَّابع إمكان إحياء الألفاظ المماتة والإفادة منها في تنمية اللُّغة العربيَّة ومواجهة الحاجة المستمرَّة إلى تسمية المخترعات والمفاهيم الجديدة. ويعرض وسائل تنمية العربيَّة المعروفة، ومنها القياس والاشتقاق والوضع والنَّحت والقلب والإبدال ونقل الدَّلالة والتَّعريب، ثمَّ يقترح إدراج إحياء الممات ضمن هذه الوسائل. ويُبيِّن أنَّ اللفظ الذي خرج من الاستعمال لا يلزم أن يكون اندثاره نهائيًّا، فقد يعود إلى التَّداول بمعناه القديم أو يُستعمل للدَّلالة على معنى جديد يناسب الحياة المعاصرة. ويذكر من الألفاظ التي عادت إلى الاستعمال الإتاوة، والفعل غاث الذي ظهر في بعض التَّعبيرات الحديثة المتعلِّقة بإغاثة المحتاجين، والفعل قَلَطَ الذي استعملته العامَّة في بعض مناطق الجزيرة العربيَّة في التَّرحيب بالضَّيف والدُّعوة إلى الدُّخول. كما يتناول الاشتقاق من الأصول المماتة وما يتيحه من توليد ألفاظ جديدة ذات صلة ببنية العربيَّة، ويستشهد بما ورد في اشتقاق هَرْوَلَ من هَرَلَ وكَنْهَفَ من كَهَفَ وما نُقل في أصول أسماء أخرى. ويُفضِّل المؤلِّف الإفادة من اللفظ العربيّ القديم عند الحاجة إذا كان مستساغًا في نطقه ومقبولًا في تركيبه، ويرى أنَّ إحياء لفظ استعملته العرب من قبل أولى من اختراع تركيب مهمل لم يجرِ به لسانها. كما يوضِّح أنَّ الإماتة نفسها قد تكون وجهًا من وجوه نموِّ اللُّغة، لأنَّ خروج بعض الكلمات من الاستعمال يفسح المجال لظهور ألفاظ أخرى تؤدِّي حاجات المتكلِّمين الجديدة.

ويناقش الصَّاعدي اختلاف العلماء في جواز إحياء الممات، فيعرض موقف من منع استعمال الصِّيغ التي تركتها العرب، ومنهم ثعلب وأبو عليّ الفارسيّ وابن جنِّي، وما احتجُّوا به من وجوب التَّقيُّد بالمسموع وعدم إحياء ما رفضه الاستعمال القديم. ويقابل ذلك بموقف من أجاز الإفادة من الألفاظ المتروكة، ومن أبرزهم ابن درستويه، وما استند إليه أصحاب هذا الاتجاه من إمكان استعمال بعض الصِّيغ التي عُدَّت مماتة إذا ثبت لها أصل في العربيَّة. ويبحث كذلك مواقف بعض المعاصرين من الألفاظ القديمة والمهجورة، فيعرض الدَّعوة إلى استبعاد الحوشيّ والغريب من المعاجم الحديثة في مقابل الاتجاه الذي يرى الاحتفاظ بالتُّراث اللُّغويّ والإفادة منه في التَّعبير عن المستحدثات. ثمَّ يتناول دور مجامع اللُّغة العربيَّة في إحياء الممات وما دار فيها من خلاف بين المحافظين والمجدِّدين حول مقدار الاعتماد على الألفاظ القديمة أو اللُّجوء إلى التَّعريب والتَّرجمة. ويذكر قرار مجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرة في دورته 30 سنة 1964 بعدم استبعاد الألفاظ من المعاجم لمجرَّد وصفها بالحوشيَّة، وما ترتَّب على ذلك من إقرار قيمة التُّراث اللُّغويّ وإمكان استثماره في المصطلحات العلميَّة. ويُورِد أمثلة من الألفاظ القديمة التي استُعملت للدَّلالة على معانٍ حديثة، مثل الزُّلَّخة والوَشيعة والمَثْعَب والسَّحْسَاح والشِّمراخ والصَّفْنة والمَثْبَنة، مع بيان معانيها القديمة وما اختير لها من مقابلات اصطلاحيَّة. ويُشير إلى أنَّ إحياء الألفاظ لا يتحقَّق بمجرد إثباتها في المعاجم، بل يحتاج إلى قبول المتكلِّمين واستعمال الكُتَّاب والعلماء لها فيما يجدُّ من شؤون الحياة.

ويختتم المؤلِّف بحثه بعرض نتائجه فيؤكِّد أنَّ موت الألفاظ ظاهرة من ظواهر التَّطوُّر اللُّغويّ لا تعني بالضَّرورة ضعف اللُّغة أو نقص قدرتها على التَّعبير، وأنَّ الألفاظ تختلف في قابليَّتها للبقاء بحسب خصائصها الصَّوتيَّة والدَّلاليَّة وما يحفظها من عوامل خارجيَّة. ويُقرِّر أنَّ الحكم القطعيَّ بموت كلمة يقتضي الإحاطة بجميع ما استعمله العرب، وهو أمر يتعذَّر تحقيقه، ولذلك ينبغي الاستئناس بنصوص اللُّغويِّين المتقدِّمين والقرائن الصَّرفيَّة دون التَّوسُّع في إطلاق الأحكام. ويُوضِّح أنَّ وجود صيغة فرعيَّة مستعملة قد يكون دليلًا على أصل مهجور، بينما لا يلزم من وجود الأصل أنَّ جميع فروعه استُعملت ثمَّ ماتت. ويذكر أنَّ الممات الذي وقف عليه ظهر في الأسماء والأفعال، ولم يجد ما يثبت وقوعه في الحروف. ويعيد تأكيد دور العاملين الصَّوتيّ والدَّلاليّ في هجر الكلمات، مع ترجيح أثر التَّغيُّر الدَّلاليّ وما يرتبط به من أسباب دينيَّة واجتماعيَّة. وينتهي إلى إمكان الاستفادة من الألفاظ المماتة في تنمية العربيَّة وإغناء رصيدها المعجميّ، مع المحافظة على ما أثبته القدماء منها وإخضاع إحيائه للحاجة وسلامة الاستعمال. ويُلحق بالبحث فهارس للألفاظ والمصادر والمراجع والموضوعات، لتيسير الرُّجوع إلى الأصول التي ناقشها والشَّواهد التي استند إليها في تحديد الألفاظ المماتة وصورها وأسباب اندثارها.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 3 مرة حُمِّل 78 مرة

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

عبد الرزاق بن فراج بن دخيل الترجمي الصاعدي العوفي الحربي: عالم لغة عربية سعودي، وُلد سنة 1959م، وتخصص في اللغويات، ولا سيما التصريف وفقه اللغة والمعاجم، مع عناية بعلم الدلالة والعروض واللهجات العربية.

درس في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، ثم واصل دراساته العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فنال فيها درجتي الماجستير والدكتوراه، وأتم الدكتوراه سنة 1414هـ. وتدرج في العمل الأكاديمي حتى بلغ رتبة الأستاذ، وعمل أستاذًا في قسم اللغويات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كما تولى عددًا من المناصب الأكاديمية، منها عمادة كلية اللغة العربية وعمادة الدراسات العليا ووكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي.

تركزت بحوثه في التصريف والمعاجم وفقه اللغة والدلالة، وله عناية خاصة باستقراء الألفاظ العربية ودراسة أصولها وتطور دلالاتها وما فات المعاجم من ألفاظ. كما اهتم باللهجات العربية وعلاقتها بالفصحى، وبقضايا العروض، وشارك بمقالات لغوية وأدبية في عدد من الصحف والمجلات السعودية.

أسس «مجمع اللغة العربية الافتراضي» وترأسه، وهو مجمع لغوي تفاعلي يقوم نشاطه عبر الوسائط الإلكترونية، ويهدف إلى نشر الوعي اللغوي وتقريب الفصحى، ودراسة اللهجات العربية، والبحث في أصول الألفاظ، ورصد الفوائت المعجمية، وتعريب المصطلحات الحديثة، ومناقشة القضايا اللغوية المعاصرة.

من أبرز مؤلفاته وبحوثه «شهاب الدين الخفاجي وجهوده في اللغة»، و«تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم العربي» في مجلدين، و«أصول علم العربية في المدينة»، و«تعميم الدلالة في ألفاظ الإبل»، و«موت الألفاظ في العربية»، و«المثنى التغليبي وتراث العربية فيه»، و«أبو تراب اللغوي وكتابه الاعتقاب»، و«الرباعي المضاعف في العربية»، و«خلل الأصول في الجمهرة لابن دريد»، و«فك التضعيف بالإبدال».

وله كذلك «ألفاظ الجن في العربية»، و«فوائت المعاجم: الفوائت القطعية والفوائت الظنية» في مجلدين، و«شبهة الوضع في شواهد ابن مالك الشعرية»، و«معجم اللغويين السعوديين ونتاجهم البحثي 1319-1445هـ»، إلى جانب «سر الزجاجة» في المقالات الأدبية واللغوية، وعدد من الدراسات والتحقيقات التراثية.

وعُني بتحقيق النصوص اللغوية، فمن أعماله تحقيق «المنهل المأهول بالبناء للمجهول» لابن ظهيرة، و«معجم الروحة» للجرباذقاني، و«كشف الغمة والبرحاء بما صح من الضبط في بئر حاء» لأبي الخير الشماخي، كما جمع ودرس كتاب «الاعتقاب» لأبي تراب اللغوي.

وبرز في عدد من القضايا اللغوية المعاصرة، ولا سيما قضية الفوائت المعجمية ودراسة الألفاظ المستعملة في اللهجات وربطها بأصول العربية، كما ناقش مسألة التفاضل بين اللغات والعلاقة بين الفصحى والعاميات. وقد أثارت بعض آرائه نقاشًا بين الباحثين واللسانيين، فكان له حضور واضح في السجالات المتعلقة بالمعجم واللغة واللهجات.

واصل نشاطه العلمي والثقافي من خلال المحاضرات والندوات والمقالات ووسائل التواصل، كما شارك في التعريف بقضايا العربية وتقريبها إلى الجمهور، وأعلن تقاعده من العمل الجامعي سنة 2023م، مع استمرار نشاطه في البحث والتأليف وخدمة اللغة العربية.

عرض النبذة وكتب المؤلف