يتتبَّع أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ابن السِّكِّيت في كتاب «القَلْب والإبدال» ما ورد في كلام العرب من ألفاظ تختلف في بعض حروفها وتتقارب في النُّطق أو تتَّفق في المعنى، وما يقع فيها من إبدال حرف بآخر بحسب لغات القبائل واستعمالات أهل الفصاحة. ويرتِّب الكتاب على أبواب تحمل أسماء الحروف التي يقع بينها الإبدال، فيبدأ بباب النُّون واللَّام، ثمّ الباء والميم، والميم والنُّون، والعين والهمزة، والعين والحاء، والهاء والهمزة، وغيرها من الحروف، ويُورِد تحت كلّ باب الألفاظ التي سُمعت بالوجهين أو بأكثر من وجه مع بيان معانيها وما يتَّصل بها من اختلاف في الاستعمال. ولا يقتصر على إثبات الصِّيغ المتقاربة، بل يشرح دلالاتها ويذكر ما ورد منها في الشِّعر وكلام الأعراب، وما نُقل عن أئمَّة اللُّغة من أقوال في صحَّة تلك الألفاظ أو اختلاف معانيها. ويعتمد في ذلك على روايات الأصمعيّ وأبي عُبيدة وأبي عمرو الشَّيبانيّ والفرّاء والكِسائيّ وأبي زيد الأنصاريّ واللِّحيانيّ وغيرهم، ويُضيف إليهم ما سمعه بنفسه من بعض الأعراب وأهل البادية.
ويبدأ ابن السِّكِّيت ببيان الألفاظ التي تتعاقب فيها النُّون واللَّام، فيذكر قول العرب هتنت السَّماء وهتلت إذا نزل مطرها، والسُّدول والسُّدون لما يُرخى على الهودج من الثِّياب، والغَرِين والغَرِيل لما يبقى من الماء والطِّين، وما ورد من اختلاف في صيغ بعض الأسماء والأفعال. ويُورِد في هذا الباب ألفاظًا مثل أصيلان وأصيلال، وما نُقل في تفسيرهما وتصغيرهما، وما وقع من إبدال اللَّام نونًا في أسماء كإسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين وإسرائيل وإسرائين. ثمّ ينتقل إلى الباء والميم، فيذكر من أمثلتهما بنات بخر وبنات مخر للسَّحائب التي تظهر قبل الصَّيف، وما قيل في أربد وأرمد من أوصاف الألوان، وفي الرَّجبة والرَّجمة عند الحديث عن تدعيم النَّخلة بالحجارة. ويُورِد كذلك أمثلة من الأفعال المتقاربة مثل أومأت وأوبأت، ويبيِّن ما ذكره بعض اللُّغويِّين من اختلاف بينهما في هيئة الإشارة، ثمّ يتناول الميم والنُّون في ألفاظ مثل الغيم والغين، والماء الآجن والآجم، والحَلّان والحَلّام، مع شرح ما تدلّ عليه هذه الكلمات في أحوال السَّماء والماء والحيوان وغيرها.
ويستعرض الكتاب وجوه الإبدال بين الحروف المتقاربة في المخارج أو الصِّفات، فيذكر ما يقع بين العين والهمزة في بعض الألفاظ وما يُسمع من إبدال إحداهما بالأخرى في لغات العرب، ثمّ ما يقع بين العين والحاء في كلمات مثل بعثروا وبحثروا، وبين الهاء والهمزة في نحو أرقت الماء وهرقته، وإيّاك وهيّاك، وبين الهاء والحاء في المدح والمده والكدح والكده. ويُورِد أمثلة أخرى من إبدال الخاء والحاء، والعين والغين، والفاء والثَّاء، والقاف والكاف، والسِّين والشِّين، والسِّين والصَّاد، والسِّين والزَّاي، والتَّاء والطَّاء، والصَّاد والضَّاد، واللَّام والرَّاء، والدَّال والتَّاء، والدَّال والذَّال. ومن ذلك قوله إنّ العرب تقول قشطت وكشطت، وإنّ قريشًا تستعمل الكاف بينما تستعمل قيس وتميم وأسد القاف، وما رُوي من قول بعض العرب صوق وصاق بدل سوق وساق. ويذكر أيضًا اختلاف العرب في لفظ الطَّست، وما نُقل عن طيِّئ في قولهم اللَّصوت بدل اللُّصوص، وفي النُّطق ببعض الأفعال والأسماء على غير ما اشتهر في سائر القبائل.
ويُعنى ابن السِّكِّيت ببيان الفروق الدَّلاليَّة بين الألفاظ التي تتشابه أصواتها، فلا يجعل كلّ اختلاف في الحروف دليلًا على اتِّفاق الكلمتين في المعنى. ومن ذلك ما أورده في وصف الظَّليم بالأربد والأرمد، مع نقل قول من فرَّق بين اللَّون الذي يشبه الرَّماد واللَّون المائل إلى الغُبرة، وما ذكره في اللِّثام واللِّفام من اختلاف موضع كلّ منهما على الوجه. كما يذكر اختلاف العلماء في تفسير بعض الكلمات، فينقل القول وما يقابله ثمّ يورد ما يؤيِّد أحد الوجهين من الاستعمال. ويشرح الألفاظ الغريبة التي تقع في الشَّواهد الشِّعريَّة، ويتوسَّع أحيانًا في وصف ما تدلّ عليه من أعضاء الحيوان وهيئاته وأصواته، أو أحوال المطر والرِّياح والنَّبات والأرض، أو صفات الإنسان وأفعاله. وتتخلّل هذه الشُّروح أخبار قصيرة عن الأعراب وما سُمع من كلامهم في البادية، وملاحظات تتعلّق باستعمال اللَّفظ في لغة قبيلة دون أخرى، مع الإشارة أحيانًا إلى ما لم يسمعه بعض اللُّغويِّين أو ما أنكره من الصِّيغ.
ويستشهد المؤلِّف بأشعار امرئ القيس والنّابغة الذُّبيانيّ وزهير بن أبي سُلمى ولبيد والفرزدق وجرير وذي الرُّمَّة والعجّاج ورؤبة وغيرهم من الشُّعراء والرُّجّاز، فيُورِد البيت الذي وردت فيه الكلمة ثمّ يشرح معناها أو يذكر اختلاف الرِّواية في لفظها. وقد يُورِد للبيت الواحد أكثر من رواية تتغيَّر فيها الكلمة بحسب الحرف المُبدَل، مع بيان ما يقتضيه الوزن الشِّعريّ أو المعنى من استعمال إحدى الصِّيغتين. ويستعين كذلك ببعض الآيات القرآنيَّة والقراءات المَرْويَّة في بيان وجوه الإبدال، ومنها ما أورده عند تفسير قوله تعالى «أو يأخذهم على تخوُّف» وبيان معنى التَّنقُّص في كلام العرب، وما ذكره من اختلاف القراءة في قوله تعالى «إنّ لك في النَّهار سبحًا طويلًا»، وما ورد في لفظ «فومها» وقراءة «ثومها». ويُناقش بعض التَّوجيهات اللُّغويَّة التي ترتبط بألفاظ القرآن، ويُورِد أقوال أهل اللُّغة في أصل الكلمة وما وقع فيها من تغيير.
ويُخصِّص ابن السِّكِّيت في الأبواب الأخيرة مباحث لصُوَر مخصوصة من الإبدال والزِّيادة، منها باب الحروف المُضاعَفة التي تُقلَب إلى الياء، فيذكر ألفاظًا من نحو تظنَّيت وتظنَّنت، ويشرح ما يقع من تخفيف التَّضعيف بإبدال أحد الحروف المُتماثلة ياءً، وما نُقل عن أبي عمرو الشَّيبانيّ وغيره في تفسير بعض الألفاظ التي تتَّصل بهذه الظَّاهرة. ثمّ يتناول ما تُزاد فيه الميم في آخر الكلمة وما تُزاد فيه النُّون، فيُورِد الصِّيغ التي سُمعت بهذه الزِّيادات ويستشهد لها بكلام العرب وأشعارهم. ويعقد بابًا لما تُقلَب فيه الواو تاءً في أوّل الكلمة، فيذكر التُّكلان وأصله من الوكالة، والتُّخمة من الوخامة، والتَّقوى من الوقاية، والتُّراث من الوراثة، والتُّجاه من الوجه، وما ورد من أمثلة على هذه الصِّيغة. ويُتبع ذلك بباب الإبدال من حروف مختلفة، فيُورِد ألفاظًا تتعدَّد فيها الحروف المُبدَلة أو تتجاوز صورتين متقابلتين، ومنها عباديد وعبابيد للتَّفرُّق، وما نُقل في تقدير المسافة بقولهم قاب رمح وقيد رمح ونحوهما، ثمّ يستمرّ في إيراد الألفاظ وأوجه استعمالها إلى خاتمة الكتاب.