
نبذة عن الكتاب:
يجمع يعقوب بن سفيان الفسوي في «المعرفة والتَّاريخ» بين التَّأريخ ورواية الحديث ومعرفة الرِّجال، فيسوق الأخبار والأحداث والوفيات والتَّراجم بالأسانيد، ويضمُّ إليها أحكامًا على الرُّواة ومروياتهم، وأقوال أئمَّة النَّقد فيهم، ومسائل تتعلَّق بالعلل والاتصال والسَّماع. فالكتاب ليس سردًا للحوادث وحدها، ولا مصنَّفًا مستقلًّا في الجرح والتَّعديل، بل تتداخل فيه علوم الحديث والرِّجال والطَّبقات والتَّأريخ، مستفيدًا الفسوي من رحلاته الواسعة وسماعه من عدد كبير من شيوخ الأمصار؛ وقد ذكر عن نفسه أنَّه روى عن ألف شيخ كلُّهم ثقات.
ويبدأ أصل الكتاب -بحسب ما أمكن الوقوف عليه من النُّقول عن قسمه المفقود- بأخبار المبتدأ، وما يتَّصل بعمر الأرض وخلقها والمدد بين بعث الأنبياء عليهم السَّلام، ثمَّ ينتقل إلى السِّيرة النَّبويَّة. فيتناول مولد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ونسبه وأسماءه ونشأته وزواجه من خديجة رضي الله عنها، والسَّابقين إلى الإسلام والهجرة والعقبة، ثمَّ وقائع العهد المدني وما يتعلَّق بالغزوات والسَّرايا والحديبية وفتح مكَّة وحنين والوفود، إلى جانب صفته صلَّى الله عليه وسلَّم ودلائل نبوَّته وبعض معجزاته وأزواجه وبناته ومرضه ووفاته.
ويتَّصل بذلك تأريخ عصر الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم، فيورد أخبار أبي بكر رضي الله عنه وفضائله، وحروب الرِّدَّة، ووقائع اليمامة واليمن والبحرين، وتوجيه الجيوش إلى العراق والشَّام، وأخبار اليرموك ودمشق. ثمَّ يتناول خلافة عمر رضي الله عنه وما جرى فيها من الفتوح والوقائع، كأجنادين وفحل ودمشق والجابية وبيت المقدس، وأخبار عام الرَّمادة وطاعون عمواس ونهاوند وغيرها، مع تسجيل الوفيات والتَّغيُّرات السِّياسيَّة والعسكريَّة بحسب السِّنين.
ويروي في أخبار عثمان رضي الله عنه نسبه وفضائله وسابقته وبعض أحداث خلافته وحجِّه بالمسلمين وفتوح عصره، ثمَّ مقتلَه، وينتقل إلى خلافة علي رضي الله عنه والفتنة التي وقعت في زمانه، فيذكر الجمل وصفِّين والنَّهروان وأسماء عدد من القادة والقتلى وما ورد في تلك الوقائع، مع روايات في فضائل علي رضي الله عنه وزهده وأخباره وتاريخ مقتله. ولا يقتصر على الوقائع الكبرى، بل يضمُّ إلى التَّأريخ أخبار الأشخاص وأعمارهم وصفاتهم ووفياتهم وما يتَّصل بهم من روايات.
ويمتدُّ التَّأريخ إلى العصر الأموي، فيتابع أخبار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، والحسن بن علي رضي الله عنهما وتسليمه الأمر إليه، ثمَّ يزيد بن معاوية وما وقع في عهده من مقتل الحسين رضي الله عنه ووقعة الحرَّة، وما أعقب ذلك من انتقالات في الخلافة، ثمَّ أخبار مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان وغيرهما. ويظلُّ تأريخ السِّنين إطارًا حاضرًا في هذه الأخبار، فتجتمع الحوادث السِّياسيَّة والعسكريَّة مع الحجِّ والولايات والوفيات وأخبار أهل العلم وغيرهم.
ويولي الفسوي عنايةً ظاهرة بتراجم أهل العلم ورواة الحديث، فيذكر الشُّيوخ والتَّلاميذ وبلدانهم ورحلاتهم وسماعاتهم، ويثبت ما يتَّصل بمواليدهم ووفياتهم وأحوالهم في الرِّواية. وتدخل في ذلك معرفة طبقات الرُّواة وتمييز المتشابه من أسمائهم والنَّظر فيمن أدرك بعض الشُّيوخ وسمع منهم، وهي معلومات تؤثِّر مباشرةً في الحكم على اتصال الأسانيد وصحَّة المرويات.
وينقل في نقد الرِّجال أقوال أئمَّة الحديث، ويضيف إليها معرفته الخاصَّة بمن لقيهم أو وقف على حديثهم، فترد أحكام الثِّقة والضَّعف وما بينهما في أثناء التَّراجم والأسانيد. ولا يعزل هذه الأحكام عن المادَّة التَّاريخيَّة؛ لأنَّ معرفة الرَّاوي عنده مرتبطة بطبقته وبلده وشيوخه ومن روى عنه وزمن سماعه، ولهذا تخدم أخبار المواليد والوفيات والرحلات واللقاءات غرضًا حديثيًّا إلى جانب قيمتها التَّاريخيَّة.
ويكشف الكتاب عن عناية خاصة باختلاف الرِّوايات في التَّواريخ؛ فيجمع أكثر من قول في سنة الحادثة أو الوفاة أو عمر المترجَم له، وينقل ما بلغه من طرق مختلفة بدل الاقتصار دائمًا على خبر واحد. كما يسجِّل أسماء من شهدوا بعض الوقائع، وأسماء الأمراء والقادة، ويثبت تفاصيل قد تكون جزئيَّة في ظاهرها، لكنها تساعد على ضبط طبقات الأشخاص وصلاتهم الزَّمنيَّة والمكانيَّة.
وتقوم مادَّة كبيرة منه على الرِّواية المسندة؛ فالفسوي محدث قبل أن يكون مؤرِّخًا، وقد رحل طويلًا في طلب الحديث إلى مكَّة ومصر والشَّام والبصرة وبلخ وغيرها، وتلقَّى عن شيوخ كثيرين من أئمَّة عصره. ولهذا تتنوَّع موارد «المعرفة والتَّاريخ» بين ما سمعه مباشرةً من شيوخه، وما حمله من الكتب والنُّسخ والمرويات، وما أخذه عن أصحاب المعرفة بالتَّأريخ والرِّجال، فتظهر في الكتاب حصيلة رحلته واتصاله بمراكز الحديث المختلفة.
وتتجاور في التَّراجم أخبار العبادة والزُّهد والورع مع العلم والرِّواية؛ فيورد ما عُرف به بعض المحدِّثين والفقهاء والعبَّاد من خصال، وما نُقل من أقوالهم ومواعظهم، إلى جانب منزلتهم في الحديث. كما تحفظ هذه التَّراجم جانبًا من أخبار المدارس العلميَّة في الأمصار، وانتقال العلم بين الحجاز والعراق والشَّام ومصر وفارس وغيرها، وصلات الشُّيوخ بالتَّلاميذ وما دار بينهم من سؤال ومذاكرة ورواية.
ولا يقتصر اهتمام الفسوي على ناقلي الحديث من حيث عدالتهم، بل تتصل «المعرفة» عنده بمعرفة الحديث نفسه؛ فترد في الكتاب مسائل تتعلَّق بأوجه الرِّواية واختلاف النَّقلة، وتسمية الرُّواة، وبيان ما وقع في بعض الأسانيد، ونقل كلام النُّقَّاد في الحديث والرِّجال. ومن ثمَّ تتكامل مادَّة الكتاب في خدمة التَّوثيق: فالتَّاريخ يضبط الأزمنة واللقاءات، والتَّراجم تعرِّف بالرِّجال، والنَّقد يبيِّن مراتبهم، والأسانيد تحفظ طرق الأخبار والأحاديث.
وقد فُقد المجلَّد الأوَّل من «المعرفة والتَّاريخ»، ووصل المجلَّدان الثاني والثَّالث، ولذلك لا تمثِّل المادَّة الباقية جميع ما صنَّفه الفسوي في الكتاب. وتدلُّ النُّقول المحفوظة في مؤلَّفات المتقدِّمين على أنَّ القسم المفقود كان يشتمل على التَّأريخ على السِّنين، ويغطي السِّيرة النَّبويَّة وعصر الخلفاء الرَّاشدين والعصر الأموي وخلافة السَّفاح، وهو ما يفسِّر وجود قدر مهم من مادَّته اليوم منقولًا في كتب التَّأريخ والتَّراجم مع فقد أصله.
ويحفظ القسم الباقي من الكتاب قدرًا واسعًا من أخبار القرون الأولى وأعلامها، جامعًا بين الخبر التَّاريخي والمعرفة الحديثيَّة بالرُّواة. ولذلك تأتي التَّرجمة فيه محمَّلةً بما يتصل بصاحبها من سماع ورواية وشيوخ وتلاميذ ووفاة ومكانة في الحديث، وقد يلحق بها خبر أو أثر أو حكم نقدي يكشف منزلته عند أهل العلم؛ وهي المادة التي جعلت «المعرفة والتَّاريخ» موردًا لأصحاب كتب الرِّجال والتَّراجم والتَّواريخ في نقل أخبار الرُّواة وضبط أحوالهم وأزمانهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:












