يُوَثِّق أحمد مختار عمر في هذا الكتاب ألفاظَ القرآن الكريم وصِيَغَها ومعانيَها ووجوهَ قراءاتها، مُحَلِّلًا بِنْيَتَها اللُّغويَّة ودلالاتِها في سياقاتها المختلفة، وجامعًا بين الشَّرْح المُعْجَمِيِّ والفَهْرَسَة والتَّخْرِيج اللُّغويِّ للقراءات. ويَعْتَمِد في إعداد المعجم على الرُّجوع إلى أُمَّهَات كتب التَّفسير واللُّغة والقراءات، ومراجعة ما ورد فيها من أقوالٍ وتوجيهاتٍ، مع تَمْحِيص المعاني والرِّوايات واستبعاد ما لم يَثْبُت أو لم يَسْتَقِم على أصول العربيَّة. ويُعْنَى بإيضاح المعنى القرآنيِّ من خلال جذر الكلمة وصيغتها الصَّرفيَّة ووظيفتها النَّحويَّة وسياقها، مع الإشارة إلى ما يتَّصل بالأعلام والأماكن والأحداث المذكورة في القرآن الكريم من معلوماتٍ تُعِين على فَهْم الألفاظ الواردة فيها.
ويَبْنِي قسمَ ألفاظ القرآن الكريم على ترتيبٍ اشتقاقيٍّ يَرُدُّ الكلمات إلى جذورها، ثمَّ يُفَرِّع عن كلِّ جذرٍ جذوعَه أو صِيَغَه الاشتقاقيَّة، ويُرَتِّب تحتها الصُّوَرَ التَّصريفيَّة التي تَنْتَمِي إليها الكلمات القرآنيَّة. ويُحَدِّد لكلِّ صورةٍ وزنَها الصَّرفيَّ ونوعَها اللُّغويَّ، وما تدلُّ عليه من معنًى، مع الاستشهاد بالآيات التي وردت فيها، وبيان المجال الدَّلاليِّ الذي تَنْدَرِج تحته. ويُفَرِّق بين الألفاظ المُتَّفِقَة في الصُّورة والمُخْتَلِفَة في الجذر أو الصِّيغَة أو المعنى، ويُعَالِج الأسماء والأفعال والأدوات والضَّمائر، مُوَضِّحًا ما يَتَّصِل بكلِّ نوعٍ من خصائصَ صَرْفيَّةٍ ونَحْويَّةٍ. كما يَرْصُد الصُّوَرَ التي وردت بها الكلمات في القرآن الكريم، وما لَحِقَها من علاماتٍ وضَمَائِرَ، ويُحَدِّد مواضعَها في السُّوَر والآيات، مع العناية بالتَّمييز بين المُشْتَقَّات والتَّصْرِيفَات المُتَقَارِبَة.
ويُدَقِّق في تحرير معاني الألفاظ القرآنيَّة، فلا يَقْتَصِر على المعنى المُعْجَمِيِّ العامِّ، بل يُمَيِّز بين دلالات اللَّفظ الواحد عند اختلاف سياقاته، ويَذْكُر ما ورد في تفسيره من أوجهٍ متعدِّدةٍ، مُسْتَشْهِدًا لكلِّ معنًى بما يُوَافِقُه من الآيات. ويُناقِش بعضَ التَّفسيرات الشَّائعة في المعاجم وكتب التَّفسير، مُرَاجِعًا مدى ملاءمتها للاستعمال القرآنيِّ، ومُرَجِّحًا ما يَتَّفِق مع دلالة اللَّفظ وسياقه. ويَرْبِط الألفاظَ بمجالاتها الدَّلاليَّة، بما يُتِيح تَتَبُّع الكلمات التي تَشْتَرِك في موضوعٍ أو معنًى، ويُظْهِر الصِّلَات بين الدَّلالات المُتَقَارِبَة، والفروقَ بين الاستعمالات التي قد تَتَّحِد في الصُّورة وتَخْتَلِف في المعنى.
ويَخُصُّ القراءاتِ القرآنيَّة بقسمٍ يَرْبِط وجوهَ القراءة بالألفاظ الواردة في المصحف، ويُوَثِّق مصادرَها، ويُوَضِّح معانيَها وتوجيهاتِها اللُّغويَّة، مع بيان ما يَنْشَأ عن اختلافها من فروقٍ صَوْتِيَّةٍ أو صَرْفيَّةٍ أو دَلالِيَّةٍ تُؤَثِّر في صورة اللَّفظ. ويَشْمَل ذلك ما ورد في مصادر القراءات السَّبْع والعَشْر والأربعَ عَشْرَة، وما نُقِل من القراءات الشَّاذَّة، مُفَرِّقًا بين مراتب المصادر دون التَّسوية بين القراءات من جهة ثبوتها أو جواز التَّعَبُّد بها. ويُرَكِّز على القراءات التي يَنْشَأ عنها اختلافٌ لَفْظِيٌّ في الضَّبْط أو الحروف أو الصِّيَغ والتَّصْرِيف، دون الاختلافات التي تَقْتَصِر على طرائق الأداء ولا تُغَيِّر صورة الكلمة. كما يَتَحَرَّى صِحَّةَ ما نُقِل من هذه القراءات بمُقَابَلَة المصادر، والكَشْف عن التَّصْحِيف والتَّحْرِيف والخطأ في الضَّبْط أو النَّقْل، مع بيان الأوجه اللُّغويَّة التي يَسْتَقِيم عليها كلُّ لفظٍ.
ويُبْرِز ما للقراءات القرآنيَّة من قيمةٍ في توثيق الاستعمالات العربيَّة، وإثبات بعض الأوجه اللُّغويَّة التي لم تَذْكُرْها المعاجم، وتفسير الألفاظ القرآنيَّة بعضها ببعض، وإيضاح الفروق بين المعاني، وما قد يَتَرَتَّب عليها من اختلافٍ في استنباط الأحكام الفقهيَّة. ويُفَرِّق في ذلك بين شروط قَبُول القراءة للتَّعَبُّد بها، وصحَّة الاستشهاد بها في الدِّراسات اللُّغويَّة، مُبَيِّنًا أنَّ الاحتجاج اللُّغويَّ قد يَتَحَقَّق بالقراءة الموثوقة وإن لم تَصْلُح للتِّلاوة في الصَّلاة. وتَتَكَامَل هذه المباحثُ مع ما يَضَعُه المعجم من إحالاتٍ بين الألفاظ والجذور والصِّيَغ والمجالات الدَّلاليَّة، بحيث يَرْبِط تحليلَ الكلمة القرآنيَّة بوجوه قراءتها ومعانيها ومواضع استعمالها، في إطارٍ معجميٍّ يجمع بين الدَّرْس اللُّغويِّ والتَّوثيق والفَهْرَسَة.