
نبذة عن الكتاب:
يفصِّل عبد الرَّحمن بن يحيى المُعلِّمي اليماني في كتاب «القائد إلى تصحيح العقائد» المنهج الذي يقود طالب الحق إلى تمييز العقيدة المستندة إلى الفطرة والكتاب والسُّنَّة من المقولات التي نشأت عن الهوى والتَّعصُّب والتَّعمُّق في المناهج الكلاميَّة والفلسفيَّة. ويؤسِّس معالجته على أنَّ الله عزَّ وجلَّ غنيٌّ عن العالمين، وأنَّ أوامره ونواهيه راجعة إلى مصلحة العباد وابتلائهم، وأنَّ كمال الإنسان يرتبط باختياره الحقَّ مع وجود ما يدعوه إلى خلافه من الشَّهوات والشُّبهات؛ فلو كان الحقُّ قاهرًا للنُّفوس بحيث يستحيل عليها دفعه، أو كانت الطَّاعة خاليةً من كلِّ مشقَّة ومنازعة، لم يظهر في الاختيار من معنى المجاهدة والابتلاء ما يظهر مع إمكان اتِّباع الهوى.
ويجعل حبَّ الحقِّ وكراهية الباطل من مقتضيات الفطرة، ثمَّ يتتبَّع العوامل التي تصرف الإنسان عن مقتضى هذه الفطرة. فالإنسان لا يختار الباطل لمجرَّد كونه باطلًا، وإنَّما قد يؤثره لما يوافق شهوته أو يحفظ له جاهًا أو مالًا أو مكانةً أو انتسابًا اعتاد تعظيمه. ويشرح أثر الهوى في مراتب الدِّين من العمل والاعتراف والاعتقاد والعلم، فيصعب على المرء أحيانًا الاعتراف بخطئه لأنَّ ذلك يستلزم عنده الإقرار بخطأ آبائه أو شيوخه أو مذهبه، أو لأنَّ رجوعه يهدِّد منزلته ومصالحه، أو لأنَّ الكبر يمنعه من الاعتراف بفضل من نبَّهه إلى الصَّواب، أو لأنَّ الحسد يدفعه إلى تخطئة غيره. وقد يبلغ الهوى بالمنتسب إلى العلم أن يتشدَّد فيما يخالف مذهبه ويتسامح فيما يوافقه، أو أن يختار من الأقوال ما يلائم أصحاب الجاه والعامَّة.
ويبيِّن أنَّ الابتلاء لا يقتصر على الشَّدائد؛ فالنِّعمة والرَّخاء امتحان كذلك، لما قد يحملان عليه من التَّوسُّع في الشَّهوات والتَّكاسل عن الطَّاعات والاغترار بالدُّنيا. وينقد جعل النِّعمة الدُّنيويَّة دليلًا على رضا الله تعالى، أو جعل البلاء دليلًا على سخطه، ويستدلُّ بما أصاب الأنبياء عليهم السَّلام والصَّالحين من المحن. ومن هنا يدعو الإنسان إلى موازنة لذَّات الدُّنيا ومشاقِّها بما يترتَّب على اتِّباع الحقِّ أو الباطل في الآخرة، وإلى تفتيش نيَّته في الطَّاعات؛ إذ قد تختلط العبادة بطلب الجاه أو ثناء النَّاس أو المنافع الدُّنيويَّة أو مجرَّد العادة، كما قد يتسلَّل الهوى إلى اختيار المذهب أو المفتي أو القول الفقهي.
ويعالج بعد ذلك حكمة عدم كون جميع حجج الحقِّ على صورةٍ قاهرة لا يستطيع عاقلٌ أن يجحد دلالتها، فيقرِّر أنَّ هذا لا يعني خفاء الحقِّ أو فقدان البيِّنات، وإنَّما يعني أنَّ إدراكها قد يحتاج إلى نظرٍ وتجريد للنَّفس من الهوى، وأنَّ من استجاب للفطرة وأحبَّ الهدى وآثره على رغباته تتجلَّى له البيِّنات وتتضاءل أمامه الشُّبهات. كما أنَّ الحكمة تقتضي ألَّا تكون الشُّبهات غالبةً بحيث تستولي على النَّاس جميعًا، وبذلك يبقى مجال الابتلاء والاختيار قائمًا بين حجج الحقِّ ودواعي الهوى.
ويفرِّق في هذا السِّياق بين ثلاثة أنواع من المطالب: العقائد التي يجب الجزم بها ولا يسع جهلها، وبقيَّة مسائل الاعتقاد، والأحكام العمليَّة. ويؤكِّد أنَّ أصول الاعتقاد التي لا يسع جهلها يمكن الوصول إليها بالنَّظر الفطري الشَّرعي، ولا تحتاج إلى التَّعمُّق الكلامي الذي يجعله من منابع الشُّبهات، أمَّا ما وراء ذلك من مسائل الاعتقاد فلا ينبغي القول فيه بلا حجَّة، والجهل به خيرٌ من اعتقاد قولٍ بغير دليل ولو صادف الحقَّ. وأمَّا مسائل الأحكام الاجتهاديَّة، فالمطلوب فيها بذل الوسع لمعرفة الرَّاجح أو الأرجح أو الأحوط، وتظهر آفة الهوى فيها عند التَّقصير في النَّظر، أو التَّمسُّك بما ليس بحجَّة، أو ترجيح ما تميل إليه النَّفس، أو الامتناع عن الرُّجوع عند ظهور قوَّة قول المخالف.
وينتقل المُعلِّمي إلى بيان مصادر العقائد، فيقيم تفريقه على ما يعدُّه «معدن الحقِّ» وما يعدُّه «معدن الشُّبهات». ويجعل الأصل في معرفة العقائد الفطرة التي فطر الله تعالى النَّاس عليها، وما جاء به القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة، مع فهم ذلك على طريقة الصَّحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم. وفي المقابل يناقش التَّعمُّق في المباحث الفلسفيَّة والكلاميَّة، وما ينشأ عنه من مقدِّمات وقواعد قد تتحوَّل عند أصحابها إلى أصولٍ حاكمة على النُّصوص، فيُقبل من النَّص ما وافقها ويُصرف عن ظاهره ما خالفها.
ويشرح طبيعة المعرفة الفطريَّة، ويبيِّن أنَّ العقل الفطري لا يعني ترك الاستدلال والنَّظر، وإنَّما يعني استعمال المدارك التي يشترك فيها العقلاء من غير بناء العقيدة على اصطلاحاتٍ ومقدِّماتٍ متكلَّفة. ويعرض في مقابل ذلك طرائق المتكلِّمين والفلاسفة وما يدخلها من طول المقدمات ودقَّة الحدود والاصطلاحات، وينبِّه إلى أنَّ الإنسان قد يثق بالبرهان المركَّب لأنَّه لا يتبيَّن موضع الخلل فيه، في حين تكون القضيَّة التي خالفها من مقتضيات الفطرة أو من مدلولات النَّصوص الواضحة.
ويخصِّص بابًا لتنزيه الله عزَّ وجلَّ ورسله عليهم السَّلام عن الكذب، ويجعل هذه القضيَّة أساسًا في مناقشة تأويل النُّصوص العقديَّة. فيقرِّر أنَّ الأصل حمل كلام الله تعالى وكلام رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم على المعنى الذي يفهمه المخاطَب بحسب اللُّغة والسِّياق والقرائن، وأنَّ نسبة معنى إلى النَّص مع القول بأنَّ ظاهره غير مراد تحتاج إلى دليل. ويناقش ما يُذكر من التَّورية والمعاريض في كلام الأنبياء عليهم السَّلام، وما ورد في شأن إبراهيم عليه السَّلام، ويفرِّق بين الكلام الذي تدلُّ قرائنه على المراد وبين افتراض خطابٍ متكرِّر في أصول الدِّين يفهم منه المخاطبون معنى ثمَّ يكون المقصود عند المتكلِّم معنى آخر بعيدًا من غير بيان.
ويتوسَّع في الباب المتعلِّق بالاحتجاج بالنُّصوص الشَّرعيَّة في العقائد، ويناقش دعوى تقديم الدَّليل العقلي عند توهُّم التَّعارض بين العقل والنَّقل. ويعرض مقاصد مناهج المتكلِّمين في تقسيم الأخبار بحسب موافقتها للعقل أو مخالفتها له أو عدم ظهور أحد الأمرين، ثمَّ يتعقَّب القول بجواز صرف نصوص الصِّفات عن معانيها التي فهمها المخاطبون الأوَّلون بناءً على حكمٍ عقلي ظهر للمتأخِّرين. ويحتجُّ بأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا المخاطبين بهذه النُّصوص، وأنَّ حملها على معانٍ لم تدلَّ عليها لغتهم ولا قرائن الخطاب يثير إشكالًا في وظيفة البيان نفسها.
ويفرِّق كذلك بين النُّصوص المتعلِّقة بالأحكام العمليَّة وبين النُّصوص المتعلِّقة بأصول الاعتقاد في مسألة تأخير البيان؛ إذ يمكن في بعض الأحكام أن يتأخَّر وقت الحاجة، أمَّا الاعتقاد الذي يُطلب من المخاطب عقب سماع الخبر فوقت الحاجة إلى بيانه متَّصل بالخطاب. ويضيف أنَّ النُّصوص العقديَّة التي يناقشها كثيرةٌ ومتكرِّرة، ومنها الصَّريح والمؤكَّد، فلا يستقيم عنده افتراض أنَّ ظواهرها جميعًا غير مرادة مع عدم ورود بيانٍ صريح يقرِّر المعاني البديلة التي يثبتها المتعمِّقون.
ويبحث دلالة قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» ونظائرها، فيجعلها دالَّةً على نفي المماثلة لا على نفي ما أثبته الله عزَّ وجلَّ لنفسه من الصِّفات، ويناقش الاستدلال بالتَّنزيه على تعطيل مدلولات النُّصوص. كما يتناول معنى الوحدانيَّة والصَّمديَّة وما يتَّصل بهما، ويربط ذلك بقاعدة الجمع بين إثبات ما أثبته الوحي ونفي مماثلة الخالق للمخلوق، بدل جعل التَّنزيه طريقًا إلى ردِّ أصل الإثبات.
وينتقل في الباب الأخير إلى عقيدة السَّلف في عددٍ من المسائل التي اشتدَّ فيها الخلاف الكلامي، ويبدأ بمناقشة الاحتجاج بمكانة المتكلِّمين المتقدِّمين وصلاحهم وعلمهم. فيؤكِّد أنَّ فضل العالم لا يجعله معصومًا، وأنَّ تعظيم الشُّيوخ والأسلاف لا يسوِّغ تقديم أقوالهم على الحجَّة، ويستشهد باختلاف كبار النُّظَّار أنفسهم وما نُقل عن بعضهم من رجوعٍ أو اضطراب في أواخر حياتهم، داعيًا إلى الفصل بين الاعتراف بفضل الأشخاص وبين تقليدهم في الخطأ.
ويعرض مسألة الأينيَّة والفوقيَّة وما يسمِّيه المتكلِّمون «الجهة»، مستندًا إلى النُّصوص التي يثبت بها علوَّ الله تعالى وفوقيَّته، ومناقشًا الاعتراضات العقليَّة التي أُقيمت على ذلك. ويستشهد بكلام أبي الحسن الأشعري في «الإبانة» في الاستواء على العرش، ويقابل بين دلالة الفطرة والنُّصوص وبين المقدمات التي بُني عليها نفي الفوقيَّة. ويؤكِّد أنَّ الخوض في كيفيَّة الصِّفات ليس مطلوبًا، وأنَّ الواجب الوقوف عند ما ثبت بالنُّصوص من غير انتقال إلى البحث في كيفيَّات الغيب.
ويعالج مسألة كلام الله تعالى، فيقرِّر أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنَّ الله تعالى يتكلَّم حقيقةً بما شاء، ويربط ذلك بما ورد في الكتاب والسُّنَّة من أفعال الكلام والقول والنِّداء والتَّكليم. وينقد حمل هذه النُّصوص على مجرَّد «الكلام النَّفسي» الذي لا عبارة فيه ولا حرف ولا صوت، كما يناقش بعض التَّفسيرات المتأثِّرة بالمناهج الصُّوفيَّة، ويجعل البحث في كيفيَّة كلام الله تعالى من التَّعمُّق الذي لا يحتاج إليه الإيمان بما أخبرت به النُّصوص.
ويتناول بعد ذلك حقيقة الإيمان، فيناقش القول بأنَّ العمل ليس من الإيمان وأنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ويعرض الخلاف بين أهل السُّنَّة والخوارج والمعتزلة والمرجئة في مرتكب الكبيرة. ويقرِّر أنَّ الأعمال تدخل في مسمَّى الإيمان، وأنَّ الإيمان يزيد وينقص، مستدلًّا بالنُّصوص التي تتحدَّث عن تفاضل الإيمان وما يكون في القلوب منه. كما يبيِّن أنَّ التَّصديق القلبي نفسه يتفاوت قوَّةً وضعفًا بحسب وضوح الأدلَّة وكثرة النَّظر وحال القلب، وأنَّ تفاوت المؤمنين في اليقين والتَّوكُّل والإخلاص والتَّقوى أمر تدلُّ عليه النُّصوص وتجربة الإنسان لنفسه.
ويفصِّل في أثر الأعمال والمعاصي في الإيمان، فيرفض طرفي الخوارج والمرجئة: فلا يجعل كلَّ كبيرةٍ مخرجةً من الإيمان، ولا يجعل الإيمان شيئًا لا تضرُّ معه المعصية. ويبيِّن أنَّ المؤمن قد يجتمع فيه العمل الصَّالح والعمل السَّيِّئ، وأنَّ حبوط الأعمال على الإطلاق مرتبط بالكفر، مع إمكان فساد العمل المعيَّن بما يداخله من رياء أو غيره. ويتناول كذلك مسألة الاستثناء في الإيمان، فيفرِّق بين الجزم بأصول الاعتقاد وبين شهادة الإنسان لنفسه بأنَّه استوفى حقيقة الإيمان وما يلزمها عند الله تعالى، وبذلك يفسِّر قول من يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله» أو يرجو أن يكون مؤمنًا من غير أن يكون شاكًّا في أصل ما يعتقده.
ويختم الكتاب بمعالجة التَّفرُّق المذموم وسبيل الاجتماع على الحقِّ، فيقرِّر أنَّ ذمَّ التَّفرُّق لا يلحق من ثبت على الصِّراط المستقيم لمجرَّد أنَّ غيره خالفه، وإنَّما تقع التَّبعة على الخروج عن الحقِّ والتَّحزُّب والتَّعصُّب. ويجعل سبيل السَّلامة في العقائد لزوم المآخذ التي قرَّرها من الفطرة والكتاب والسُّنَّة وطريقة السَّلف، مع تجنُّب الشُّبهات الكلاميَّة التي تناقضها، ويدعو في البدع العمليَّة إلى الاحتياط للدِّين وترك ما يخشى دخوله في الشِّرك أو الضَّلال، وفي الفقهيَّات إلى اعتبار الخلاف اجتهادًا داخل الدِّين لا سببًا لتحويل المسلمين إلى فرقٍ متعادية، مع تحرِّي الأرجح والرُّجوع إليه عند ظهور دليله. ويجعل من واجب أهل العلم أن يبدؤوا بمحاسبة أنفسهم وتحريرها من التَّعصُّب لآبائهم وشيوخهم ومذاهبهم، ثمَّ يتعاونوا على الدَّعوة إلى الحقِّ والرُّجوع بالمسلمين إلى سواء الصِّراط.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














