
نبذة عن الكتاب:
يقرِّر محمَّد بن علي الشَّوكاني في هذه الرسالة تحريم رفع القبور والبناء عليها، واتِّخاذ المساجد والقباب والمشاهد فوقها، ويستدلُّ لذلك بالكتاب والسُّنَّة، ويردُّ القول بجواز بناء القباب والمشاهد على قبور الفضلاء. ويجعل هذه المسألة تطبيقًا لأصلٍ يقرِّره في اختلاف العلماء، وهو وجوب ردِّ ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم تقديم قول عالم أو إمام على الدَّليل. ويبيِّن أنَّ العالم، مهما بلغت منزلته في العلم والاجتهاد، غير معصوم من الخطأ، وأنَّ إصابته أو خطأه لا يُعرفان بمكانته أو كثرة أتباعه، وإنَّما بموافقة قوله للكتاب والسُّنَّة، مع إثبات أجر المجتهد إذا أخطأ بعد استفراغ وسعه، ومنع غيره من متابعته في الخطأ بعد ظهور الدَّليل المخالف له.
ويمهِّد لذلك ببيان أنَّ العلماء داخلون في التَّكاليف الشَّرعيَّة كسائر المكلَّفين، بل تزداد مسؤوليَّتهم بما أوجب الله تعالى عليهم من بيان الحقِّ وعدم كتمانه، وأنَّ كثرة العلم وبلوغ رتبة الاجتهاد لا تجعل قول صاحبه حجَّةً مستقلَّةً عن الوحي. ومن هنا يرفض التَّعصُّب للأشخاص عند وقوع النِّزاع، ويؤكِّد أنَّ الحقَّ لا يُعرف بالرِّجال، بل يُعرف الرِّجال بالحقِّ، وأنَّ الواجب عند اختلاف المجتهدين هو النَّظر في أدلَّتهم وردُّ أقوالهم إلى الكتاب والسُّنَّة؛ فمن وافقهما أصاب، ومن خالفهما أخطأ، ولو كان المخالف إمامًا كبيرًا أو وافقه عدد كثير من النَّاس.
ويتَّخذ مسألة رفع القبور والبناء عليها مثالًا لهذا الأصل، فيعرض القول المنسوب إلى الإمام يحيى بن حمزة في جواز بناء القباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك، ويذكر أنَّ حجَّته في ذلك استعمال المسلمين لهذا الفعل وعدم إنكاره. ثمَّ يقابل هذا القول بما ينقله عن سائر العلماء وما يستدلُّ به من النُّصوص، ليبيِّن أنَّ مجرَّد صدور القول عن إمام مجتهد لا يمنع من ردِّه إذا خالف الدَّليل، وأنَّ الاقتداء بالعالم لا يقتضي متابعته في خطئه.
ويستدلُّ بالآيات الآمرة بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتِّباعه والانتهاء عمَّا نهى عنه، ثمَّ يسوق الأحاديث الواردة في النَّهي عن اتِّخاذ القبور مساجد، وفي لعن اليهود والنَّصارى لاتِّخاذهم قبور أنبيائهم عليهم السَّلام مساجد، وفي الأمر بتسوية القبر المشرف، والنَّهي عن تجصيص القبر والبناء عليه والوطء عليه والكتابة عليه. ويستخلص من ذلك وجوب إزالة ما ارتفع من القبور فوق القدر المشروع، ودخول القباب والمساجد والمشاهد المبنيَّة عليها في النَّهي، سواء وقع البناء ملاصقًا لموضع القبر أو أُقيم حوله بحيث صار القبر في وسطه أو في جانب منه.
ويربط الشَّوكاني النَّهي عن تشييد القبور بما يترتَّب عليه من تعظيمها واتِّخاذها مواضع للعبادة، ويستشهد بما وقع في الأمم السَّابقة، ولا سيَّما قوم نوح عليه السَّلام، حين بدأ الأمر بتعظيم الصَّالحين بعد موتهم ثمَّ انتهى بعد تعاقب الأجيال إلى عبادتهم. كما يستشهد بالأحاديث الواردة في تحذير هذه الأمَّة من اتِّخاذ قبور الأنبياء والصَّالحين مساجد، ويجعل ذلك أصلًا في سدِّ الطُّرق المفضية إلى الغلوِّ في أصحاب القبور وصرف أنواع من العبادة لهم.
ويفصِّل ما ينشأ عن تشييد القبور وتجصيصها وتزيينها ووضع السُّتور والسُّرج عليها من تعظيمٍ لصاحب القبر في نفوس العامَّة، وما قد يجرُّ إليه ذلك من اعتقاد قدرته على جلب النَّفع أو دفع الضُّر، ثمَّ طلب الحاجات منه والتَّعلُّق به. كما ينتقد ما يُروَّج حول بعض القبور من حكايات وكرامات تُنسب إلى أصحابها، وما يقوم به بعض القائمين عليها من تهويل شأنها في نفوس الزَّائرين، وما يتبع ذلك من انتشار النُّذور والأموال والأوقاف المخصَّصة لتلك القبور.
ويتناول النُّذور التي تُصرف لأصحاب القبور، فيعدُّها من النُّذور الواقعة في المعصية إذا بُنيت على التَّقرُّب إلى الميِّت وتعظيمه، وينتقد ما يُحبس من الأموال والأملاك على القبور طلبًا للنَّفع من أصحابها. ثمَّ ينتقل إلى الذَّبح عند القبور والتَّقرُّب به إليها، فيقرِّر أنَّ النَّحر من أنواع العبادة التي لا تُصرف إلا لله تعالى، وأنَّ من ذبح عند القبر متقرِّبًا إلى صاحبه، راجيًا منه جلب الخير أو دفع الشَّر، فقد صرف عبادةً لغير الله تعالى، ولا يغيِّر من حقيقة الفعل اختلاف الأسماء أو الأماكن.
ويردُّ بعد ذلك صراحةً على قول الإمام يحيى بن حمزة في جواز القباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ويعدُّه خطأً من أخطاء المجتهدين لا يمنع من حفظ قدر صاحبه العلمي، لأنَّ المجتهد قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز لغيره أن يتَّبعه في الخطأ بعد قيام الدَّليل على خلافه. ويؤكِّد أنَّ الأحاديث التي ساقها تدلُّ عنده على النَّهي عن رفع القبور والبناء عليها، وعلى إزالة ما ارتفع منها فوق القدر المشروع، وأنَّ صلاح المدفون وفضله لا يغيِّران حكم البناء على قبره.
ويناقش استدلال الإمام يحيى باستعمال المسلمين لبناء القباب والمشاهد وعدم إنكار ذلك، فيردُّ بأنَّ علماء المسلمين ظلُّوا يروون أحاديث النَّهي عن البناء على القبور واتِّخاذها مساجد، ويذكرونها في كتب الحديث والتَّفسير والفقه والسِّيَر، وينكرون هذه الأفعال، فلا يصحُّ جعل استمرار وقوعها دليلًا على جوازها. وينقل تقريرات عن أهل العلم في النَّهي عن بناء المساجد على القبور، والتَّصريح بتحريمه عند طوائف من الفقهاء، ويحمل ما أُطلق عند بعضهم من لفظ الكراهة على كراهة التَّحريم في ضوء ما ساقه من النُّصوص.
ويؤكِّد أنَّ استثناء قبور الفضلاء من هذا الحكم لا يستقيم؛ لأنَّ الأحاديث التي استدلَّ بها تعلَّقت أصلًا بقبور الأنبياء والصَّالحين، ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتِّخاذ قبره مسجدًا أو وثنًا أو عيدًا، وهو أولى النَّاس بالتَّعظيم والاتِّباع. ومن ثمَّ يجعل الشَّوكاني فضل الميِّت وصلاحه سببًا أشدَّ للاحتراز من الغلوِّ فيه، لا مسوِّغًا لبناء القباب والمشاهد على قبره، ويعيد المسألة إلى الأصل الذي بدأ به: أنَّ أقوال العلماء تُعرض على كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافقهما قُبل، وما خالفهما رُدَّ مع حفظ منزلة المجتهد وعدم اتِّباعه فيما أخطأ فيه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














