
نبذة عن الكتاب:
يفصِّل عمر سليمان الأشقر في هذا الكتاب مسائل الإيمان بالله تعالى، ويجعلها أصل الأصول الاعتقاديَّة والعمليَّة وقاعدة الدِّين التي تتفرَّع عنها سائر مسائل الإيمان. ويبيِّن أنَّ القرآن الكريم كلَّه متَّصل بهذا الأصل؛ فهو إمَّا حديثٌ مباشر عن الله عزَّ وجلَّ وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو دعوةٌ إلى عبادته وحده، أو أمرٌ بطاعته ونهيٌ عن معصيته، أو بيانٌ لجزاء المؤمنين والكافرين. ويحدِّد المسائل الكبرى التي يقوم عليها الكتاب في إثبات وجود الله تعالى والرَّدِّ على الشُّبهات المتعلِّقة بذلك، والتَّعريف بالله من خلال مخلوقاته ونصوص الوحي، وتحقيق توحيده ونبذ ما يُعبد من دونه، ثمَّ النَّظر في تاريخ العقيدة الإلهيَّة وما طرأ عليها من انحراف.
ويبدأ بإثبات وجود الخالق جلَّ وعلا، فيقدِّم دليل الفطرة، مقرِّرًا أنَّ الفطرة السَّليمة تشهد بوجود الله تعالى وأنَّ أصل التَّوجُّه إليه مركوزٌ في الإنسان، وأنَّ ما يطرأ على هذه الفطرة من انحراف يرجع إلى المؤثِّرات التي تغيِّرها وتصدُّها عن وجهتها. ويستدلُّ بحديث ولادة كلِّ مولود على الفطرة، ويتناول أثر شياطين الإنس والجنِّ في إفسادها، ثمَّ يبيِّن أنَّ الشَّدائد قد تكشف ما تراكم عليها من حجب، فيرجع الإنسان عند انقطاع الأسباب إلى ربِّه. كما يوضِّح أنَّ مشركي العرب الذين بُعث فيهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكونوا ينكرون وجود الله تعالى ولا انفراده بأصل الخلق والرِّزق والتَّدبير، وإنَّما كان انحرافهم في إشراك غيره معه في العبادة.
وينتقل إلى الدَّليل العقلي القائم على أنَّ المخلوق لا بدَّ له من خالق، مستدلًّا بقوله تعالى: «أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون»، ومبيِّنًا امتناع أن يوجد الشَّيء من غير موجِد أو أن يخلق نفسه. ويشرح هذا المعنى من خلال مبدأ السَّببيَّة والأمثلة التي تقرِّب ضرورته العقليَّة، ثمَّ يقرِّر أنَّ سلسلة الموجودات الممكنة تفتقر في تفسير وجودها إلى موجودٍ ليس وجوده مستمدًّا من غيره. ويعرض بعد ذلك الشُّبهات التي استُعملت لتفسير نشأة الكون بعيدًا عن الخالق، فيناقش القول بالمصادفة، ويستدلُّ بالنِّظام والتَّقدير والتَّناسق في الكون على فساد إرجاع وجوده إلى عمليَّات عمياء غير مقصودة.
ويعالج القول بأنَّ الطَّبيعة هي الخالق، ويفصِّل الاحتمالات المقصودة بلفظ الطَّبيعة؛ فإن أُريد بها الموجودات نفسها عاد القول إلى دعوى أنَّ الشَّيء يخلق نفسه، وإن أُريد بها القوانين التي تنتظم بها الظَّواهر فإنَّ معرفة القانون تصف كيف تجري الظَّاهرة ولا تفسِّر مَن أوجد الكون وقوانينه، وإن أُريد بها قوَّة حيَّةً عالمةً حكيمةً قادرةً أوجدت الكون، فإنَّ هذه الصِّفات عنده ترجع إلى الإقرار بالخالق مع الخطأ في تسميته. ويربط بهذا مذهب الدَّهريِّين الذين نسبوا الحوادث إلى الدَّهر، فيجعل نسبة الإيجاد إلى الزَّمان أو إلى الطَّبيعة عجزًا عن تفسير أصل الموجودات.
ويناقش نظريَّة دارون كما كانت معروضةً في المصادر التي اعتمد عليها، فيشرح تصوُّرها لأصل الكائنات والنُّشوء والارتقاء والانتخاب الطَّبيعي والجنسي وانتقال الصِّفات، ثمَّ يعرض الاعتراضات التي يسوقها الكتاب على أدلَّتها من الحفريَّات وتشابه الأجنَّة والأعضاء التي عُدَّت آثارًا للتَّطوُّر. ويناقش كذلك تفسير الانتخاب الطَّبيعي لنشوء الأنواع وانتقال الصِّفات المكتسبة، ويستشهد بأقوال عدد من الباحثين المعارضين للنَّظريَّة، ثمَّ يقابل ذلك بما تقرِّره نصوص القرآن والسُّنَّة عن خلق آدم عليه السَّلام خلقًا مستقلًّا من تراب وطين، ونفخ الرُّوح فيه، وتعليمه، وكونه أصل البشر.
وينتقل إلى التَّعريف بالله عزَّ وجلَّ وربط القلوب به، ويجعل لهذا التَّعريف طريقين متكاملين: النَّظر في بديع صنع الله تعالى في مخلوقاته، وتلقِّي ما عرَّف الله به عباده عن نفسه في نصوص الوحي. ففي الطَّريق الأوَّل يتتبَّع منهج القرآن في توجيه الإنسان إلى آيات السَّماوات والأرض وما يقع فيهما من الخلق والتَّقدير والتَّدبير، فيعرض إنبات الحبِّ والنَّوى، وتعاقب اللَّيل والنَّهار، وحركة الشَّمس والقمر، وتكوين السَّحاب ونزول المطر، ومدَّ الظِّل، وإخراج الحيِّ من الميِّت والميِّت من الحيِّ، وغيرها من الظَّواهر التي يستدلُّ بها على قدرة الخالق وعلمه وحكمته.
ويبيِّن أنَّ القرآن لا يقف في عرضه للكون عند إثبات الخلق، بل يلفت إلى تسخير المخلوقات للإنسان وإلى النِّعم التي أحاطه الله تعالى بها في نفسه وفي العالم من حوله. ويجعل التَّذكير بالسَّمع والبصر والأفئدة، والأرض والماء والنَّبات والأنعام والفلك والأنهار والشَّمس والقمر واللَّيل والنَّهار، سبيلًا إلى معرفة المنعم وشكره وعبادته. كما يربط بين الخلق والرُّبوبيَّة والألوهيَّة، فيستدلُّ بانفراد الله تعالى بالخلق والتَّدبير على استحقاقه وحده للعبادة وبطلان عبادة ما لا يخلق ولا يرزق ولا يملك من أمر الكون شيئًا.
ويتوسَّع في عرض نماذج من المخلوقات وما فيها من الإحكام والهداية، فيتناول تكوين أجسام الأحياء والخلايا ووظائفها، ثمَّ عالم النَّحل وما يتَّصل بتكوينه ومعاشه ووسائل تعارف أفراده ودلالتها على الغذاء، وينتقل إلى النَّمل وما يظهر في سلوكه من جمع القوت وبناء المساكن وتدبير أسباب المعاش. كما ينقل أمثلةً كثيرةً من هداية الحيوانات والطيور والحشرات إلى ما يحفظ حياتها وتكاثرها وغذاءها ودفاعها عن نفسها، ويربط ذلك كلَّه بالهداية التي أودعها الله عزَّ وجلَّ في المخلوقات وبما يدلُّ عليه إحكام أعضائها ووظائفها من العلم والقدرة والحكمة.
وينتقل في الطَّريق الثَّاني إلى معرفة الله تعالى من خلال النُّصوص التي تتحدَّث عنه مباشرةً، فيبيِّن حدود إدراك العقل لصفات الله، ويميِّز بين ما يمكن للعقل أن يدرك معناه وما لا سبيل له إلى إدراك كيفيَّته. ثمَّ يعرض جملةً من الصِّفات التي جاءت بها نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويؤكِّد الجمع بين إثبات ما أثبته الله عزَّ وجلَّ لنفسه ونفي مماثلته للمخلوقين، مستندًا إلى قوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». ويتناول ما ورد في الذَّات والوجه واليدين والعين، وما يتَّصل بالرُّؤية والكلام والعلم والسَّمع والبصر والقدرة والإرادة والرَّحمة والمحبَّة والرِّضا والغضب والمجيء والنُّزول وغيرها من الصِّفات التي يناقشها الكتاب من خلال النُّصوص.
ويخصِّص للأسماء الحسنى مبحثًا يبيِّن فيه دلالتها على الله عزَّ وجلَّ وصفات كماله، ويتناول حديث الأسماء التِّسعة والتِّسعين وما قيل في معنى إحصائها، فلا يقصر الإحصاء على مجرَّد عدِّها، بل يعرض ما ذكره العلماء من حفظها ومعرفة معانيها والعمل بمقتضاها ودعاء الله تعالى بها. كما يسوق طائفةً من الأسماء ويشرح دلالاتها، ويعرض نماذج من ثناء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ربِّه ودعائه بأسمائه وصفاته، رابطًا العلم بالأسماء الحسنى بأثرها في عبادة الله تعالى وتعظيمه ودعائه والتَّوكُّل عليه.
ويفصِّل المنهج الذي تُفهم في ضوئه صفات الله تعالى، فيقوم عنده على إثبات ما أثبته الوحي، وتنزيه الله عزَّ وجلَّ عن مماثلة خلقه، وعدم الخوض في كيفيَّة صفاته. ويعرض صور الانحراف عن هذا المنهج، فيتحدَّث عن انحراف المشركين في الأسماء والصِّفات، وعن المشبِّهة الذين جعلوا صفات الخالق كصفات المخلوق، وعن النُّفاة الذين انتهوا إلى تعطيل بعض ما جاءت به النُّصوص أو كلِّه. ثمَّ يناقش المناهج الكلاميَّة في تقسيم الصِّفات وما ترتَّب عليها من إثبات بعضها ونفي بعضها الآخر، ويعرض صفات المعاني وصفات الأفعال وغيرها، محاكمًا هذه التَّقسيمات إلى نصوص الكتاب والسُّنَّة.
ويقرِّر مجموعةً من القواعد التي تضبط باب الأسماء والصِّفات، ومنها أنَّ القول في بعض الصِّفات كالقول في بعضها الآخر، وأنَّ القول في الصِّفات كالقول في الذَّات، وأنَّ الاشتراك في الأسماء لا يستلزم تماثل المسمَّيات، وأنَّ النَّفي المحض ليس مدحًا حتى يتضمَّن إثبات كمالٍ يقابله. كما يبحث الألفاظ المحتملة للحقِّ والباطل، وأصل التَّعطيل وعلاقته بتوهُّم التَّشبيه، ومسألة عدِّ آيات الصِّفات من المتشابه، ودعوى أنَّ ظاهرها يقتضي التَّشبيه، ثمَّ يتناول حقيقة التَّأويل واستعمالاته والفرق بين التَّفسير المقبول وصرف اللَّفظ عن ظاهره بغير دليل. وينتهي في هذا الباب إلى عرض مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الأسماء والصِّفات، كما ينقل عقيدة أبي الحسن الأشعري في هذا الموضوع.
وينتقل إلى توحيد الله عزَّ وجلَّ، فيبيِّن معناه وأقسامه، ويؤكِّد أنَّ الإقرار العلمي بربوبيَّة الله وأسمائه وصفاته لا يحقِّق التَّوحيد المطلوب ما لم ينضمَّ إليه توحيد عملي يقوم على إفراد الله تعالى بالعبادة. ومن هنا يناقش معنى كلمة التَّوحيد «لا إله إلا الله»، ويجعل معناها نفي استحقاق العبادة عمَّا سوى الله وإثباتها لله وحده، ثمَّ يبيِّن أنَّ النُّطق بها وحده لا يكفي، ويعرض شروطها من العلم واليقين والقبول والانقياد والصِّدق والإخلاص والمحبَّة، وما ورد عن السَّلف في التَّنبيه إلى بعض هذه الشُّروط.
ويفصِّل حقيقة العبادة باعتبارها الجانب العملي من التَّوحيد، فيجعل تحقيقها قائمًا على إفراد الله عزَّ وجلَّ بالقصد والإرادة مع الإقرار بوحدانيَّته، ويبيِّن أنَّ العابد يتقلَّب بين محبَّة الله تعالى والخوف منه ورجائه والتَّذلُّل له. ويحدِّد أركان العبادة في المحبَّة والخوف والرَّجاء، ثمَّ يصنِّف أنواع العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، فيذكر العبادات الاعتقاديَّة، وأعمال القلوب، والعبادات القوليَّة والبدنيَّة والماليَّة، ويدخل فيها الدُّعاء والتَّوكُّل والاستعانة والاستغاثة والصَّلاة والصِّيام والحجَّ والذَّبح والنَّذر والزَّكاة والصَّدقات وغيرها.
ويبحث ما يضادُّ التَّوحيد وينافيه، فيقسِّم الشِّرك إلى أكبر وأصغر. ويجعل الشِّرك الأكبر صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى، موضِّحًا أنَّه لا يشترط أن يعتقد المشرك مساواة معبوده بالله من جميع الوجوه حتى يتحقَّق الشِّرك، ثمَّ يبيِّن خطورته وما ورد في النُّصوص من كونه أعظم الظُّلم ومن عدم المغفرة لمن مات عليه. ويعرض الشِّرك الأصغر وما يدخل فيه من أقوال وأعمال لا تبلغ في أصلها حكم الشِّرك الأكبر، مع إمكان انتقال بعض صورها إلى الأكبر بحسب حقيقة اعتقاد صاحبها وقصده.
وينتقل بعد تقرير التَّوحيد إلى تاريخ العقيدة، ويناقش الفكرة القائلة إنَّ العقيدة الدِّينيَّة تطوَّرت عبر العصور من تصوُّرات بدائيَّة إلى التَّوحيد. ويجعل القرآن المصدر الذي يكشف البداية الحقيقيَّة لتاريخ العقيدة؛ لأنَّ جانبًا من هذا التَّاريخ يتعلَّق بخلق الإنسان وما سبقه من أحداث لا يمكن الوصول إليها بالتَّنقيب والتَّجربة. ويقرِّر أنَّ الجيل الأوَّل من البشريَّة كان على التَّوحيد، وأنَّ بين آدم ونوح عليهما السَّلام قرونًا كان النَّاس فيها على الإسلام، ثمَّ وقع الانحراف بعد ذلك، فكان نوح عليه السَّلام أوَّل رسول أُرسل إلى أهل الأرض بعد ظهور الشِّرك.
ويتتبَّع نشأة الشِّرك كما يعرضها القرآن والسُّنَّة، فيربط بدايته بالغلوِّ في الصَّالحين وما آل إليه تعظيمهم بعد ذهاب العلم من اتِّخاذ صورهم وتماثيلهم ثمَّ عبادتها. ويستعرض دعوات الرُّسل، مبيِّنًا وحدة أصل دعوتهم إلى عبادة الله وحده وترك ما يُعبد من دونه، وأنَّ التَّوحيد هو الأصل السابق والشِّرك طارئ عليه، لا مرحلةً بدائيَّةً تطوَّر الإنسان منها إلى التَّوحيد. ويستدلُّ بتكرار دعوة الأنبياء لأقوامهم إلى «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره» على ثبات أصل الرِّسالات مع اختلاف الشَّرائع والتَّفاصيل.
ويعرض في آخر الكتاب تصوُّرات عدد من الأمم المنحرفة للمعبود، فيبدأ بما نُقل عن الاعتقاد عند الرُّومان وما اشتمل عليه من تعدُّد الآلهة ونسبة خصائص البشر إليها، ثمَّ يتناول ما وقع في تصوُّرات اليهود من أوصاف ينقدها القرآن، وما نُسب إلى الله تعالى فيها ممَّا ينافي كماله. كما يناقش عقيدة النَّصارى في المسيح عليه السَّلام، وما انتهت إليه من القول بالتَّثليث والبنوَّة والألوهيَّة، ويقابل ذلك بما يقرِّره القرآن من عبوديَّة المسيح عليه السَّلام ورسالته ودعوته إلى عبادة الله وحده.
ويختم بعرض انحراف العرب عن توحيد إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام، فيتتبَّع دخول عبادة الأصنام وانتشارها بينهم، وما اتَّخذوه من أوثان وأصنام كودٍّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر واللَّات والعزَّى ومناة وهبل، وما صاحب ذلك من التَّلبية الشِّركيَّة والتَّعلُّق بالأحجار. ويصف الحال العقديَّة التي بلغتها الجزيرة عند بعثة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، مع بقاء أفراد نفروا من عبادة الأصنام وبحثوا عن دين إبراهيم عليه السَّلام، وبذلك ينتهي الكتاب إلى مقابلة التَّوحيد الذي جاءت به الرُّسل بما أحدثته الأمم من تصوُّرات وشركيَّات، بعد أن أقام مباحثه على إثبات الخالق، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وإفراده بالعبادة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














