يَنتقي جلالُ الدِّين السُّيوطي في هذا الكتاب ما تفرَّق في مَظانِّ الأدب والتاريخ من أشعار النساء المتأخِّرات وأخبارهنَّ، فيُعرِّف بالشاعرات، ويُثبِتُ مختاراتٍ من نظمهنَّ، ويَصلُ الأبياتَ بمناسباتها وما أحاط بها من أخبار ومُطارحات أدبيَّة. ويُحدِّد في مقدِّمته نطاقَ تصنيفه، فيستثني شاعرات الجاهليَّة والصحابيَّات والمُخضرَمات، لكثرتهنَّ وسَبْقِ التأليف في أخبارهنَّ، ويشير إلى كتاب ابن الطرَّاح في شواعر العرب، الذي امتدَّ إلى مجلَّدات عديدة. ويترجم لشاعراتٍ من المشرق والأندلس، تنوَّعت أحوالهنَّ بين بنات الخلفاء والأمراء، والأديبات والراويات والجواري، ذاكرًا أسماءهنَّ وأنسابهنَّ وبلدانهنَّ، وما تيسَّر من أخبارهنَّ وتواريخ وفياتهنَّ. ويستمدُّ تراجمهنَّ وأشعارهنَّ من مصنَّفات ابن سعيد المغربي وابن النجَّار وابن دحية وابن الأبَّار والثعالبي والصَّفدي وغيرهم، مُبقيًا على الأخبار التي تكشف مناسبة القول، أو تُبيِّن ما دار حوله من مراسلات ومُساجلات.وتَتنوَّع الأشعار التي أثبتها السُّيوطي بين الغزل والحنين والعتاب والرِّثاء والمديح والهجاء والوصف والحكمة، وتتجلَّى فيها براعة الشاعرات في ارتجال الأبيات، وإجازة أنصافها، وسرعة الجواب، ودقَّة التعريض والمُفاكهة. فمن شاعرات المشرق يورد شعر عُلَيَّة بنت المهدي، وما اتَّصل به من أخبار حبِّها ومراسلاتها ومجالسها، ورثاء بوران بنت الحسن بن سهل للخليفة المأمون، ورثاء لُبابة بنت علي المهدي للأمين. ويذكر تقيَّة أمَّ علي الصُّوريَّة، وما نُقل من براعتها في نظم قصيدة خمريَّة وأخرى حربيَّة، وشُهدة الكاتبة، وما عُرفت به من رواية الحديث وإتقان الخطِّ، مع إيراد شعرٍ نُسب إليها. ومن شاعرات الأندلس يتناول ولَّادة بنت المستكفي، وما جرى بينها وبين ابن زيدون من غزل وعتاب وهجاء، وحفصة بنت الحاج الرَّكونيَّة، وما اشتهرت به من رِقَّة النظم والمطارحات، وحمدة بنت زياد الوادي آشيَّة، بما حفظته المصادر من وصفها للرياض والجداول ومشاهد الطبيعة. ويورد كذلك شعر عائشة بنت أحمد القرطبيَّة في المديح والفخر والجواب، ومريم بنت أبي يعقوب الشَّلبيَّة التي كانت تُعلِّم النساء الأدب، ونُزهون الغرناطيَّة التي عُرفت بحدَّة البديهة وطرافة المُساجلة، وقَسمونة بنت إسماعيل وما أظهرته من مقدرة على إجازة شعر أبيها.ويَعتني المؤلِّف بما يكشف عن حضور الشاعرات في مجالس الأدب ومُكاتبات الشعراء، فيروي الأخبار التي نشأت عنها القصائد، ويُثبِت الأجوبة المُرتجَلة والمُناقضات التي تَبارَت فيها القرائح، وما تضمَّنته من ملاطفة أو سخرية أو مفاخرة. ولا يُغفِل ما وقع من اختلاف في نسبة بعض الأشعار، فينقل الخلاف في أبيات حمدة بنت زياد التي نُسبت إلى غيرها، ويورد استبعاد الصَّفدي نسبة قصيدة إلى شُهدة الكاتبة، على الرغم من وجودها منسوبةً إليها في مجموع قديم. كما يُضمِّن التراجم أخبارًا عن حياة الشاعرات وصلاتهنَّ بالخلفاء والملوك والأدباء، وما عُرف عن بعضهنَّ من العلم والرواية وحسن الخطِّ، أو المشاركة في المجالس والمراسلات الأدبيَّة. ويُلحق بتراجم الشاعرات طائفةً من الحكايات والنوادر، منها خبر امرأة استعانت بالشعر عند مفارقة زوجها، وقصَّة المعتمد بن عبَّاد مع الرُّميكيَّة حين أتمَّت شطرًا أعجز ابن عمَّار، وما رُوي عن الإمام الشافعي في محاورة شعريَّة حول المحبَّة والصُّدود. ويختم بهذه الأخبار ما اختاره من أشعار النساء ومواقفهنَّ الأدبيَّة، وقد جمع فيها بين الترجمة والرواية والشاهد الشعري، مع إبراز اختلاف أغراض الشاعرات وأساليبهنَّ وما امتازت به كلٌّ منهنَّ من بديهةٍ أو بيان.