يَتَتَبَّعُ أحمدُ بنُ يوسفَ المعروفُ بابن الدَّايَة في كتاب «المكافأة وحُسْن العُقْبَى» ما يَلْقَاه أصحابُ الإحسان والإساءة من جزاء أعمالهم، وما تَنْتَهِي إليه أحوالُ أناسٍ وقعوا في الشَّدائد ثمَّ نَجَوْا منها، من خلال حكاياتٍ وأخبارٍ عن الخلفاء والملوك والوزراء والقُضاة والكُتَّاب وغيرهم. ويُقَسِّم الكتابَ إلى ثلاثة أقسامٍ، خَصَّ أوَّلها بالمكافأة على الحَسَن، وثانيها بالمكافأة على القبيح، وثالثها بحُسْن العُقْبَى، فتدور أخبارُه على مقابلة الصَّنيع بمثله، وما يَنْشَأ عن تصرُّفات النَّاس وعلاقاتهم من وفاءٍ أو خصومةٍ أو تقلُّبٍ في الأحوال.
ويَسُوقُ في قسم «المكافأة على الحَسَن» أخبارَ مَن قابَلوا المعروفَ بالمعروف، وحَفِظوا لأصحاب الإحسان صنيعَهم، ثمَّ رَدُّوا إليهم الجميلَ بمثله. وتتناول حكاياتُه ما جرى بين أصحاب المناصب والسُّلطان ومَن اتَّصل بهم من رجال الدَّولة وغيرهم، وما وقع بينهم من إحسانٍ ومكافأةٍ عليه. ويَرِدُ في هذا القسم ذكرُ مَسْلَمَةَ بن عبد الملك، وأبي يوسف القاضي، ويوسفَ بن إبراهيم والد المؤلِّف، وغيرهم من الأشخاص الذين تتَّصل أخبارُهم بمعاني الوفاء وحُسْن الجزاء. ويُلْحِقُ المؤلِّف بهذه الحكايات أقوالًا لبعض الفلاسفة في حُسْن المكافأة، فيتَّصل ما ترويه الأخبار من أفعال الأشخاص بما قيل في مقابلة الإحسان وحِفْظ المعروف.
ويَتَنَاوَلُ في قسم «المكافأة على القبيح» أخبارَ مقابلة الإساءة بالإساءة، وما يترتَّب على الأفعال القبيحة من ردودٍ وأفعالٍ مماثلة. وتَرِدُ فيه حكاياتٌ عن الملوك والوزراء والكُتَّاب والأمراء وسائر مَن جرت بينهم خصوماتٌ أو وقعت منهم إساءاتٌ عادت عليهم بمثلها. ومن الأشخاص المذكورين في هذا القسم محمَّد بن عبد الملك الزَّيَّات، والمتوكِّل العبَّاسيُّ، وبعض رجال الدَّولة من بني العبَّاس وبني بُوَيْه، وغيرهم. ويُبْرِزُ هذا القسم وجهًا مُقابِلًا لأخبار المكافأة على الحَسَن، إذ يتعلَّق بما يَجْلِبُه سوءُ الصَّنيع من مقابلةٍ ومُجازاة، وما تُفْضِي إليه العداواتُ والمخاصماتُ بين النَّاس.
ويَخْتَصُّ قسم «حُسْن العُقْبَى» بحكاياتٍ عن أشخاصٍ وَقَعُوا في شرٍّ أو بلاءٍ، ثمَّ تَخَلَّصُوا منه وانتهت أحوالُهم إلى النَّجاة. وتتنوع أخبارُ هذا القسم بين رجالٍ من أهل السُّلطة والعلم والتِّجارة وغيرهم، ومنهم أبو يوسف القاضي، ومَعْن بن زائدة، والفضل بن يحيى البَرْمَكِيُّ، وجِبْرِيل بن بَخْتِيشُوع، وغيرهم ممَّن ذُكِرَت أخبارُهم مع الملوك والأمراء أو في حوادثَ تعرَّضوا لها. ويختلف هذا القسم عن سابقَيْه في أنَّ مدارَه ليس على مقابلة الإحسان أو الإساءة بمثلهما، وإنَّما على العاقبة التي آل إليها أمرُ أصحاب الشَّدائد بعد ما أصابهم من البلاء.
ويعتمد الكتابُ على الحكايات القصيرة والأخبار المتَّصلة بأشخاصٍ مُعَيَّنِين، وتكثر فيه أسماءُ الخلفاء والملوك والوزراء والكُتَّاب والقُضاة، إلى جانب أشخاصٍ من غير أصحاب المناصب. وتتوزَّع أخبارُه بحسب المعنى الذي تَنْدَرِج تحته كلُّ حكاية، لا بحسب تسلسل السِّنين أو طبقات الأشخاص، فيلتقي في أقسامه الثلاثة الحديثُ عن صنيع الإنسان بالحديث عن جزائه وعاقبته، مع التَّمييز بين مكافأة الجميل بالجميل، ومقابلة القبيح بالقبيح، والنَّجاة من الشَّدائد بعد الوقوع فيها.