
نبذة عن الكتاب:
يواصل يحيى بن سعيد الأنطاكي في هذا الكتاب ما انتهى إليه سعيد بن البطريق في تاريخه، مبتدئًا من خلافة الرَّاضي العبَّاسي سنة 326هـ، ومتابعًا الحوادث إلى سنة 425هـ. ويصرِّح في مقدِّمته بأنَّه قصد إلى جمع ما انتهى إليه وصحَّ عنده من الأخبار، مع ذكر الخلفاء والملوك ومدد حكمهم وأخبارهم وسيرهم والحوادث الواقعة في أيَّامهم، واختيار طريق وسط بين الإطالة المفرطة والاختصار المخلّ.
ويضمُّ إلى أخبار الخلفاء والملوك أسماء الوزراء والكتَّاب والأمراء والقادة، كما يتابع بطاركة الإسكندريَّة وبيت المقدس وأنطاكية والقسطنطينيَّة ومدد رئاستهم. وقد أعاد المؤلِّف تأليف كتابه أكثر من مرَّة، ثمَّ راجعه بعد انتقاله إلى أنطاكية سنة 405هـ حين وقف على تواريخ وأخبار لم تكن قد وصلت إليه من قبل، فزاد وحذف وعدَّل حتى استقرَّ على النُّسخة التي ارتضاها.
ويجري في أكثر الكتاب على ترتيب قريب من الحوليَّات، فيجمع تحت السَّنة الواحدة أخبارًا متباعدة جغرافيًّا، وينتقل بين العراق ومصر والشَّام والمغرب وبلاد الرُّوم والبلغار والرُّوس والأرمن والكرج وغيرها. ولا يفرد كلَّ دولة بتاريخ مستقلٍّ، بل يلاحق ما يقع في العالم الذي يؤرِّخ له سنةً بعد سنة، وقد يعود أحيانًا إلى سنة سابقة إذا اقتضى اتصال الحوادث ذلك، ثمَّ يستأنف التَّسلسل الزَّمني.
ويتتبَّع اضطراب الخلافة العبَّاسيَّة في القرن 4هـ، وما آل إليه نفوذ الخلفاء مع صعود أمراء الأمراء والقادة العسكريِّين، فيسجِّل استيلاء ابن رائق ثمَّ بجكم على تدبير الدَّولة، وتراجع دور الوزراء، وتحوُّل الأموال والسُّلطة الفعليَّة إلى أيدي القادة. كما يذكر تنازع هؤلاء على بغداد والأقاليم، وتبدُّل الوزارة والإمارة، ووفيات الخلفاء والوزراء وأصحاب النُّفوذ.
ويولي مصر والشَّام عنايةً كبيرة، فيعرض أخبار الإخشيديِّين ثمَّ انتقال السُّلطة إلى الفاطميِّين، ويتابع نشأة الدَّولة الفاطميَّة وتوسُّعها وأحوال خلفائها، ولا سيَّما العزيز بالله والحاكم بأمر الله والظَّاهر لإعزاز دين الله. ويستغرق عهد الحاكم حيِّزًا واسعًا من الكتاب، فيورد قراراته وتقلبات سياسته وصلاته برجال دولته والطَّوائف التي عاشت في سلطانه، ويقف طويلًا عند ما وقع في أيَّامه من أحداث داخليَّة ودينيَّة وسياسيَّة.
ويمتدُّ اهتمامه إلى بني حمدان وأخبار سيف الدَّولة وصراعه مع البيزنطيِّين، ثمَّ ما أعقب ذلك من تنازع على حلب والشَّام وصعود أمراء القبائل والقوى المحليَّة. ويعنى بتحرُّكات الأباطرة والقادة البيزنطيِّين وغزواتهم وحدود الصِّراع مع المسلمين، كما يتابع أخبار الرُّوم وعلاقاتهم بالبلغار والرُّوس والكرج والأرمن، فتتَّسع روايته إلى ما وراء المجال الإسلامي المباشر.
ويحفظ الكتاب أخبار العلاقات بين المسلمين والنَّصارى واليهود، وما وقع داخل الجماعات المسيحيَّة نفسها من نزاعات بين الملكيَّة واليعقوبيَّة والنَّساطرة وغيرها. ويورد تفاصيل عن البطاركة والأساقفة والكنائس والأوقاف والخلافات الدِّينيَّة وتدخُّل السُّلطة فيها، ومن ذلك ما يرويه عن انقسام نصارى تنِّيس والخلاف حول بطريرك الإسكندريَّة وما ترتَّب عليه من مصادرات وتدخُّل الإخشيد في شؤون الكنيسة.
ولا يقتصر السَّرد على الحروب والسِّياسة، بل يثبت الزَّلازل والسُّيول والأوبئة والغلاء وسائر النَّكبات، إلى جانب أخبار المجتمع والعادات والاحتفالات الدِّينيَّة. كما ينقل نصوصًا من مراسلات وسجلَّات رسميَّة وقف عليها، فيحفظ بذلك وثائق تتَّصل بعلاقات الدُّول والملوك والبطاركة، ويجمع بين الخبر المنقول والمشاهدة والمعاصرة وما استخرجه من كتب ووثائق وصلت إليه.
ويظهر حرص الأنطاكي على تصحيح ما يبلغه من الأخبار في مراجعته المتكرِّرة للكتاب، إذ يذكر أنَّه أعاد نظمَه حين ظهرت له تواريخ جديدة، ثمَّ غيَّر أجزاءً منه وأضاف ما استجدَّ لديه. كما نبَّه إلى اختلاف النُّسخ السابقة عن النُّسخة الأخيرة التي اعتمدها، وهو ما يكشف أنَّ الكتاب ظلَّ عنده عملًا قابلًا للمراجعة والتنقيح لا سجلًّا أُنجِز دفعةً واحدة.
وينتهي النَّصُّ الواصل إلينا عند حوادث سنة 425هـ، مع أنَّ المؤلِّف أشار قبيل نهايته إلى أخبار كان ينوي إيرادها بعد ذلك، ومنها ما يتعلَّق بالمفاوضات بين الفاطميِّين والبيزنطيِّين، ممَّا يدلُّ على أنَّ آخر الكتاب لم يصل كاملًا. وبذلك تمثِّل «صلة تاريخ أوتيخا» سجلًّا واسعًا لقرابة قرن من تاريخ المشرق الإسلامي والبيزنطي، تتجاور فيه أخبار الخلافات والدُّول والحروب والكنائس والطَّوائف والكوارث والوثائق ضمن تسلسل تاريخي واحد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














