
نبذة عن الكتاب:
يرتِّب أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي في «تاريخه» أخبار السِّيرة والفتوح والخلفاء والرُّواة على طريقة المحدِّثين، فيجعل الإسناد أساسًا في نقل الخبر، ويقرن الحوادث بتواريخها، ويثبت اختلاف الأقوال في السَّنوات والوفيات والوقائع، ثمَّ يرجِّح أحيانًا ما يراه أصحَّ أو أشهر عملًا عند أهل العلم. ويبدأ بما يتعلَّق بمولد النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وإقامته بمكَّة والمدينة ووفاته وصفته ونسبه ومغازيه، قبل أن ينتقل إلى التَّأريخ بالهجرة وما أعقبها من أخبار الخلافة والفتوح.
ويظهر اهتمامه بضبط الزَّمن منذ قوله في باب «ذكر التَّاريخ» إنَّه تلقَّى عن أبي مسهر ما صحَّ من التَّاريخ وما جرى عليه العمل، ثمَّ يسوق مدَّة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وأخبار الرِّدَّة، ومسير خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني حنيفة، ويؤرِّخ أجنادين وفحل وفتح دمشق وغيرها من وقائع الشَّام. ولا يكتفي بإثبات سنة الحادثة، بل يجمع الطُّرق المختلفة فيها ليبيِّن موضع الاتِّفاق أو الاختلاف بين أهل العلم.
وتتَّسع أخبار خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه للفتوح الكبرى في الشَّام، فيذكر فتح دمشق واليرموك وبيت المقدس، وقدوم عمر إلى الجابية، وطاعون عمواس، ثمَّ يتابع جلولاء وفتح مصر والإسكندريَّة ونهاوند وغيرها. وتكشف هذه المواضع عنايته الخاصَّة بتاريخ الشَّام، إذ تتكرَّر روايات أبي مسهر والوليد بن مسلم والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وغيرهم من أعلامها في ضبط الحوادث والأعوام.
ولا يستمرُّ الكتاب بعد ذلك بوصفه حوليَّات سياسيَّة متَّصلة فحسب، بل ينتقل بين التَّاريخ والتَّراجم؛ فيثبت وفيات الصَّحابة رضي الله عنهم وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم والتَّابعين ومن جاء بعدهم، ويقرن تاريخ الوفاة بما عُرِفَ به الرَّجل من علم أو رواية أو منزلة عند أهل بلده. ويهتمُّ خصوصًا بأعلام الشَّام، مثل مكحول والأوزاعي وأصحابهما، وما نُقِلَ في فقههم وروايتهم وصلاتهم بمن قبلهم.
ويكشف الكتاب في مواضع كثيرة جانبًا من نقد الرُّواة نفسه، فلا يقتصر أبو زرعة على تسجيل المولد والوفاة، بل يسأل شيوخه عن الحفظ والسَّماع واللِّقاء، ويورد أحكامًا في الثِّقة والضَّعف ومقدار الإتقان، ويوازن بين الرُّواة في معرفتهم بشيخ معيَّن أو بطريق من طرق الحديث. وقد يعلِّق بكلمة موجزة تكشف حكمه، مثل قوله في بعض الرُّواة إنَّ ذكره أحسن من حديثه، أو نقله تضعيف خبر بعينه، فتتداخل صناعة التَّاريخ عنده مع الجرح والتَّعديل ونقد الأسانيد.
ويولي رجال الشَّام حيِّزًا واسعًا، فيذكر شيوخ دمشق وحمص والرَّملة والرَّقَّة وغيرها، ويبحث عمَّن أدرك الصَّحابة رضي الله عنهم ومن روى عن التَّابعين ومن لقي الأئمَّة، ويضبط طبقاتهم من خلال السَّماع والوفاة والرِّحلة. كما يحفظ أخبارًا عن مجالس العلم وصلات الشُّيوخ بعضهم ببعض، ومن كان مقدَّمًا في الفقه أو الحديث، ومن عُدَّ في ثقات أهل بلده، فتتكوَّن من هذه الأخبار صورة دقيقة لسلاسل التَّلقِّي في الشَّام.
ويعود في أقسام متأخِّرة إلى ترتيب وفيات من مات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتَّابعين والعلماء بالشَّام، رابطًا تراجمهم بالسَّنوات التي شهدت الفتوح والطَّواعين وتغيُّر الدُّول. ومن هنا لا يكون ذكر الوفاة رقمًا مستقلًّا، بل وسيلةً لضبط طبقة الرَّاوي وإمكان لقائه بمن روى عنه ومعرفة موقعه في تسلسل رجال الحديث.
ويمتزج في «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» لذلك أكثر من لون من ألوان التَّصنيف؛ فالسِّيرة والفتوح والخلافة تمنح الكتاب إطاره الزَّمني، وتراجم الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين والمحدِّثين تبني طبقاته، وأحكام الرِّجال تضبط قيمة الرِّواية واتِّصالها. ويظلُّ تاريخ الشَّام ورجاله أبرز خيط يجمع هذه الأخبار، من فتح دمشق واليرموك إلى وفيات شيوخ القرن 3هـ الذين أدركهم أبو زرعة أو سمع أخبارهم من شيوخه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














