
نبذة عن الكتاب:
يستدرك سليمان بن صالح الخراشي في هذا الكتاب على ما جمعه بكر أبو زيد في «معجم المناهي اللَّفظيَّة»، فيضمُّ ألفاظًا وعباراتٍ ومصطلحاتٍ وقف عليها في مطالعاته ولم يجدها في المعجم، ويضيف أحيانًا إلى بعض ما أورده بكر أبو زيد مختصرًا نقولًا وفوائد أوسع ممَّا ذكره. ويعتمد الكتاب في معظم مادَّته على نقل كلام العلماء والباحثين من مصادر متنوِّعة مع التَّعليق عليه، ويجعل محور الاستدراك بيان ما تتضمَّنه الألفاظ من معانٍ عقديَّة أو شرعيَّة أو اصطلاحيَّة تحتاج إلى تصحيحٍ أو تقييدٍ أو اجتناب.
يمهِّد الكتاب بمقالٍ عن مسؤوليَّة الكلمة ومكانتها في الدِّين، فيقرِّر أنَّ كلام الإنسان داخلٌ في عمله الذي يُحاسب عليه، وأنَّ سلامة النِّيَّة لا تُغني عن تصحيح اللَّفظ إذا كان متضمِّنًا معنًى محرَّمًا أو مخالفًا للشَّريعة. ويستدلُّ لذلك بالقرآن الكريم والسُّنَّة وأقوال السَّلف والعلماء في حفظ اللِّسان، ويؤكِّد أنَّ الألفاظ ليست قوالب مجرَّدةً من المعاني والآثار، بل قد يترتَّب على الكلمة ثوابٌ أو عقابٌ، ومن ثمَّ يقوم الكتاب على ضرورة الجمع بين صلاح القصد وسلامة التَّعبير.
يجمع الخراشي طائفةً واسعةً من المصطلحات المعاصرة والتَّعبيرات الفكريَّة والدِّينيَّة، فيناقش مدلولاتها وما قد يترتَّب على استعمالها من إجمالٍ أو إيهامٍ أو معنى مرفوض. ومن ذلك «تجديد الخطاب الدِّيني»، و«أهل القبلة»، و«الإصلاح»، و«الحياد»، و«روح الإسلام»، و«الإسلام السِّياسي»، و«الشَّرعيَّة الدَّوليَّة». ولا يقتصر في معالجة هذه المصطلحات على الحكم على ألفاظها، بل يتتبَّع المعنى المراد بها والسِّياق الذي تُستعمل فيه؛ فيفرِّق مثلًا في «الإصلاح» بين المعنى الموافق للشَّريعة وبين إطلاقه على ما يعدُّه إفسادًا، ويشرح المقصود بـ«أهل القبلة» وصلته بمسائل التَّكفير والبدعة، كما يناقش استعمال «الحياد» في البحث العلميِّ ويفضِّل عليه مفهوم العدل في إصدار الأحكام.
ويتناول ألفاظًا تمسُّ باب العقيدة وما يتعلَّق بالله تعالى وأسمائه وصفاته، فينبِّه على العبارات التي تتضمَّن وصفًا لله تعالى بما لم يثبت، أو نداء صفةٍ من صفاته، أو إسناد فعلٍ إلى القدر على وجهٍ يعدُّه غير صحيح. ومن أمثلة ذلك مناقشته وصف «نديم الباري»، وعبارة «حكم القدر»، ونداء الله تعالى بقول «يا أنت»، وعبارة «يا رضا الله ورضا الوالدين». ويعتمد في بيان هذه المواضع على دلالة اللَّفظ ومعناه، وعلى النُّصوص الشَّرعيَّة ونقول أهل العلم، وقد يذكر البديل الذي يعدُّه أسلم في التَّعبير.
ويعرض كذلك عباراتٍ متعلِّقة بالنَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وبمقام النُّبوَّة، فيناقش ما يشتمل منها على غلوٍّ في الوصف أو نسبة خصائص لا يثبتها الدَّليل، ومن ذلك وصف الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّه «منبع الرَّحمات والتَّجلِّيات»، كما يتناول عباراتٍ شائعةً تتعلَّق بأسماء الأنبياء ومقاماتهم، وما يجري على الألسنة من صيغٍ قد يُقصد بها التَّعظيم ولكنَّها تشتمل، بحسب النُّقول التي يجمعها، على معنى يحتاج إلى تصحيح.
ويمتدُّ الاستدراك إلى الأدعية والأذكار والصِّيغ المتداولة، فيعرض ما نُقل في إنكار أدعية لا أصل لها أو ألفاظٍ غير مأثورة، مثل «اللَّهمَّ بأسرار الفاتحة ارحمنا أو فرِّج عنَّا»، ويبيِّن البدائل المأثورة أو الصِّيغ التي لا تتضمَّن المحذور. ويدخل في ذلك أيضًا نقد بعض العبارات التي تُقال في الخطب والمواعظ، كالدُّعاء بأن يُذلَّ أهل المعصية، إذ ينقل اقتراح استبدال «يُذل» بـ«يُهدي»؛ لأنَّ المعصية لا يسلم منها المسلمون جميعًا.
ويضمُّ الكتاب ألفاظًا اجتماعيَّةً وأمثالًا وعباراتٍ دارجةً شاع استعمالها حتى ظُنَّ لبعضها أصلٌ شرعيٌّ أو دلالةٌ صحيحة، فيبحث معناها أو نسبتها أو الحكم المستفاد منها. ومن ذلك «حشا، والحشا عن ألف يمين»، و«التَّقوى هاهنا» حين تُستعمل للاعتذار عن ترك بعض الأحكام الظَّاهرة، و«الهديَّة لا تُهدى ولا تباع» التي ينبِّه إلى أنَّها ليست حديثًا ولا حكمًا شرعيًّا مانعًا من تصرُّف مالك الهديَّة فيها. وتظهر في هذه المعالجات عنايةٌ بالتَّفريق بين أصل العبارة الصَّحيح وبين توظيفها في معنى لا تدلُّ عليه.
ويعتني الخراشي في مواضع متعدِّدة بالألفاظ المجملة التي قد يكون معناها صحيحًا من وجهٍ وباطلًا من وجهٍ آخر، فلا يجعل الحكم دائمًا متعلِّقًا بمجرَّد المبنى اللَّفظيِّ، بل يفصِّل بحسب المراد. ويظهر ذلك في مناقشة عددٍ من المصطلحات الصُّوفيَّة، كالغوث والأوتاد والأبدال والنُّقباء والنُّجباء؛ إذ يفرِّق بين المعاني الاصطلاحيَّة التي تنسب إليهم تصرُّفاتٍ أو خصائص غيبيَّةً وبين المعاني اللُّغويَّة التي قد تدلُّ على الصَّلاح أو الفضل أو الوكالة ونحوها، فيقبل المعنى الذي تثبته اللُّغة والشَّرع ويردُّ ما يتضمَّن دعوىً لا دليل عليها.
ويكشف هذا التَّفصيل عن المنهج الغالب في الكتاب؛ إذ لا يقف عند إعداد قائمةٍ بالألفاظ الممنوعة، وإنَّما يجمع تحت كلِّ لفظٍ ما يوضِّح منشأ الإشكال فيه، فيرجع إلى القرآن الكريم والأحاديث وأقوال العلماء وكتب اللُّغة والعقيدة والفتاوى والمصنَّفات المعاصرة، وينقل أحيانًا أجوبةً كاملةً لأهل العلم في العبارة محلِّ البحث. وقد ينتهي إلى المنع من اللَّفظ، أو بيان خطئه، أو استبداله بما هو أسلم، أو التَّفصيل فيه بحسب المعنى المقصود؛ وبذلك يأتي «المستدرك» توسعةً لمادَّة «معجم المناهي اللَّفظيَّة» بجملةٍ أخرى من الألفاظ والمصطلحات التي رأى المؤلِّف حاجتها إلى التَّنبيه والتَّصحيح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














