
نبذة عن الكتاب:
يسجِّل أبو بكر الصُّولي في هذا الجزء من كتابه «الأوراق» تاريخ مرحلة كانت الخلافة العبَّاسيَّة فيها تفقد جانبًا كبيرًا من سلطانها الفعلي أمام قادة الجند وأمراء الأمراء، وهو يسجِّلها من موقع القريب من البلاط، لا من موقع جامع أخبار بعيد عنها. تبدأ روايته بخلع القاهر بالله وبيعة الرَّاضي سنة 322هـ، وتستمرُّ في أخبار الدَّولة إلى عهد المتَّقي لله، فتجمع بين الوقائع السِّياسيَّة والعسكريَّة وأحوال الوزارة والمال والجند، وبين ما شهده الصُّولي بنفسه في مجالس الخلفاء وما دار فيها من حديث وشعر ومواقف.
وتكشف أخبار الرَّاضي منذ البيعة مقدار الاضطراب الذي أحاط ببداية عهده؛ فقد جاءت خلافته بعد تحرُّك الحجرية والسَّاجية على القاهر، ثمَّ برزت منذ الأيَّام الأولى مشكلة المال وإرضاء الجند واختيار الوزير وضبط النَّواحي. ويروي الصُّولي هذه الوقائع مقرونةً بتفاصيل من داخل القصر، حتى إنَّه يذكر طلب الرَّاضي منه أسماءً يتسمَّى بها الخليفة، واقتراحه «المرتضى بالله»، ثمَّ اختيار الخليفة اسم «الرَّاضي بالله».
ولا ينفصل عنده التَّاريخ السِّياسي عن معرفته الشَّخصيَّة بالرَّاضي؛ فقد كان من جلسائه ومؤدِّبيه قبل الخلافة، ويذكر كيف حبَّب إليه العلم وجمع له كتب الفقه والشِّعر واللُّغة والأخبار، وما جرى بينهما من مذاكرات في الأدب والحديث. كما ينقل جانبًا من مجالس الخليفة بعد تولِّيه، وترتيب جلسائه، وما كان يدور فيها من إنشاد ومناقشة ونقد للشِّعر، فيحفظ بذلك صورةً للرَّاضي لا تقتصر على أعمال الحكم، بل تشمل ثقافته وميوله وصلته بأهل الأدب.
ويصرِّح الصُّولي بأنَّه لا يلتزم دائمًا ألفاظ الرَّاضي بحروفها، لكنَّه يحفظ معناها أو ما يقاربه، وهو تنبيه يكشف طبيعة شهادته ومقدار قربها من المجالس التي يصفها. ومن خلال هذه الأحاديث تظهر معرفة الرَّاضي بالشِّعر ونقده له، وحسن محاورته لجلسائه، إلى جانب حديثه الصَّريح عن قِلَّة الأموال، وشغب الجند، وصعوبة حمل أعباء الخلافة في زمان اضطربت فيه موارد الدَّولة وتغيَّرت موازين القوَّة.
ويتَّسع السَّرد لتقلُّب الوزراء والقادة وتنازعهم على التَّدبير، مع بروز منصب أمير الأمراء بوصفه مركز القوَّة الحقيقيَّة في الدَّولة. فيتابع ابن رائق وبجكم وما بينهما من صراع، وهزيمة ابن رائق ووصول بجكم إلى بغداد وعقد اللِّواء له، ثمَّ انتقال جانب متزايد من إدارة الجيش والمال والأقاليم إلى يد القائد الذي يحمل هذا المنصب. وتُظهِر هذه الأخبار أنَّ ضعف الخليفة لم يقع دفعةً واحدة، بل تكوَّن من خلال عجز بيت المال واعتماد السُّلطة على قادة يملكون الجند والموارد.
كما تسجِّل الأخبار ما كان يرافق هذا الصِّراع من اضطراب بغداد وغلاء الأسعار ومطالب الجند والمصادرات والقبض على الكتَّاب والتُّجَّار وأصحاب الأموال. ولا يقف الصُّولي عند أسماء أصحاب المناصب، بل يذكر أثر قراراتهم في النَّاس والأسواق، وما ينشأ عن حاجتهم إلى الأموال من ضغوط على أهل المدينة، فتتَّضح الصِّلة بين الصِّراع على الحكم وبين الأزمة الماليَّة والاجتماعيَّة التي كانت تعيشها العاصمة.
ثمَّ ينتقل إلى المتَّقي لله بعد وفاة الرَّاضي سنة 329هـ، فيصف بيعة خليفة وجد الدَّولة وقد استقرَّ فيها نفوذ أمير الأمراء. ويظهر بجكم في مطلع العهد محتفظًا بمكانته، ثمَّ تتتابع الصِّراعات بعد مقتله، وتتداخل فيها قوى بغداد وواسط والبصرة والموصل، ويبرز البريديُّون والحمدانيُّون وتوزون، بينما يصبح الخليفة نفسه مضطرًّا إلى الانتقال والاحتماء بهذه القوَّة أو تلك.
ويتتبَّع الصُّولي صعود توزون حتى دخوله بغداد وتولِّيه إمرة الأمراء، وما أعقب ذلك من مواجهات مع البريديِّين ونزاعات مع الحمدانيِّين. كما يسجِّل انتقال المتَّقي إلى الموصل واتِّصاله بناصر الدَّولة وسيف الدَّولة، والمفاوضات التي دارت بين الحمدانيِّين وتوزون، في وقت بدأت فيه قوى أخرى، ومنها البويهيُّون، تقترب من العراق وتضغط على توازناته.
وتبرز في أواخر هذه الأخبار عزلة الخليفة أكثر فأكثر؛ فالمتَّقي يتنقَّل بين القوى المتنافسة ولا يملك من أدوات السُّلطة ما يمكِّنه من الاستقلال بها، بينما يتولَّى القادة التَّفاوض والقتال وجمع المال وعقد الصُّلح. ويصف الصُّولي حالة بغداد في ظلِّ المرض الذي أصاب توزون، وقِلَّة الأموال، ومطالب القرامطة، وانقطاع الموارد، وابتعاد الخليفة عن العاصمة، وهي صورة تجمع عناصر التَّفكُّك السِّياسي والمالي التي أحاطت بالخلافة في هذه السِّنين.
ويحفظ هذا الجزء من «الأوراق» تاريخ السَّنوات من 322هـ إلى 333هـ من زاوية شاهد اتَّصل بالخلفاء والكتَّاب وأهل الدَّولة، فجمع الوقائع العامَّة إلى تفاصيل المجالس والرَّسائل والمحادثات والشِّعر وأحوال الجند والوزراء. ومن خلال هذا القرب تتَّضح صورة الرَّاضي والمتَّقي، وفي الوقت نفسه يظهر انتقال القوَّة من دار الخلافة إلى أمراء الجند، وما صاحبه من اضطراب المال وتعدُّد مراكز السُّلطة في العراق.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














