يَنْتَقِي أبو تمَّام حبيب بن أوس الطائي في كتاب «الوحشيَّات» -المعروف أيضًا بـ«الحماسة الصُّغرى»- طائفةً من أشعار العرب، جمعها في أبوابٍ تتنوَّع أغراضها بين الحماسة والرِّثاء والحكمة والغزل والهجاء والوصف وغيرها من فنون الشِّعر. ويستهلُّها بباب الحماسة، الذي يضمُّ أشعارًا في الشَّجاعة والإقدام، والفخر بالبأس والمنعة، وتصوير وقائع الحروب ومشاهد الطِّعان، والذَّبِّ عن الجار والعشيرة، والمطالبة بالثَّأر، ورفض الضَّيم. ثمَّ ينتقل إلى المراثي، فيجمع ما قيل في التَّفجُّع على الموتى، واستحضار مناقبهم ومآثرهم، وتصوير لوعة الفَقْد وأثر المصائب في النُّفوس. ويُتبع ذلك بباب الأدب، بما يحويه من حِكَم الشُّعراء وتجاربهم في الحياة، وتأمُّلاتهم في تقلُّب الدَّهر، وما نظموه في الصَّبر على الشَّدائد، والوفاء بالعهد، وحفظ الأسرار، وصحبة الإخوان، والتَّعامل مع طبائع النَّاس.
ويُفرد للنَّسيب بابًا يجمع أشعار الحبِّ والشَّوق والحنين، ووصف المحبوب، ولواعج الفراق والهجر، وما يصحبهما من عتابٍ وتمنٍّ للوصال، ويُقابله بباب الهجاء، الذي تتناول أشعاره الخصوم والأفراد والقبائل بالتَّعيير والتَّقريع، وتُنسب إليهم فيه مثالب البخل والجبن واللُّؤم والغدر. ويَعرض في باب السَّماحة والأضياف أشعارًا في الجود والنَّدى، وإكرام الضَّيف، وإغاثة المحتاج، وحفظ حقِّ الجار، والإشادة بمناقب الكرماء وأهل المروءة. ثمَّ يُورد في باب الصِّفات مختاراتٍ من الوصف الشِّعري، تتناول السَّحاب والمطر والبرق والرَّعد، والسُّيوف والأسود وغيرها، بما تنطوي عليه من تشبيهاتٍ وصورٍ حسِّيَّة. ويَجمع في باب المشيب ما قيل في انقضاء الشَّباب، وظهور الشَّيب، وتبدُّل أحوال الإنسان مع تقدُّم العمر، والحسرة على ما ولَّى من أيَّام الصِّبا. ويعقب ذلك بباب المُلَح، الذي يشتمل على طرائف الشِّعر ونوادره، وما يتخلَّلها من فكاهةٍ وتندُّرٍ ومواقف ساخرة، ويختتم الكتاب بباب مذمَّة النِّساء، وفيه أبياتٌ تتضمَّن العتاب والتَّبرُّم من تقلُّب الهوى وتعدُّد الأهواء.