يُناقِش عبد العظيم إبراهيم مُحَمَّد المُطْعَنِيُّ في هذا الكتاب مواقفَ ابن تَيْمِيَّة وتلميذه ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة من المجاز في اللُّغة العربيَّة والقرآن الكريم، مُوَازِنًا بين ما صَرَّحا به من إنكاره وما وَرَد في مُصَنَّفاتهما الأخرى من تفسيراتٍ وتوجيهاتٍ لغويَّةٍ يَعُدُّها من قبيل المجاز، وما استعملاه من ألفاظ الحقيقة والمجاز في تقرير المسائل والاحتجاج لها. ويَبْحَث كذلك موقفَ مُحَمَّد الأمين الشَّنْقِيطِيِّ، مُناقِشًا أدلَّتَه على منع المجاز، ومُقَارِنًا إيَّاها بتفسيراته للآيات القرآنيَّة في «أضواء البيان». ويَنْطَلِق من التَّمييز بين إنكار المجاز بوصفه تقسيمًا اصطلاحيًّا للكلام إلى حقيقةٍ ومجازٍ، وبين استعمال التَّوجيهات البيانيَّة التي يُدْرِجُها البلاغيُّون في هذا الباب، ساعيًا إلى إثبات أنَّ هؤلاء الأئمَّة لم يَلْتَزِمُوا في تطبيقاتهم التَّفسيريَّة بما قَرَّرُوه في إنكار المجاز.
ويُحَلِّل موقفَ ابن تَيْمِيَّة من المجاز، مُبَيِّنًا ارتباطَ إنكاره بما وَقَع من التَّوسُّع في تأويل نصوص الصِّفات الإلهيَّة، وما رآه من استعمال بعض الفرق الكلاميَّة للمجاز في صَرْف النُّصوص عن معانيها. ويُوَضِّح أنَّ ابن تَيْمِيَّة بَسَط إنكارَه للمجاز في كتاب «الإيمان»، مُعْتَمِدًا على عدم استعمال السَّلَف لهذا المصطلح، وإنكار وجود وضعٍ لغويٍّ أوَّلَ تُنْقَل عنه الألفاظ إلى معانٍ مجازيَّةٍ، والتَّأكيد على أنَّ الكلام لا يُفْهَم مُجَرَّدًا من قرائنه وسياقه، إلى جانب رَبْط نشأة المجاز ببعض المذاهب الكلاميَّة ومناقشة الشَّواهد التي احتجَّ بها القائلون به. ثمَّ يَتَتَبَّع ما وَرَد في مُؤَلَّفات ابن تَيْمِيَّة الأخرى من تفسيراتٍ يَحْمِلُها المُطْعَنِيُّ على المجاز، ومنها تفسيرُ المعيَّة الإلهيَّة بالعلم أو النَّصر والتَّأييد بحسب السِّياق، وتوجيهُ الأحاديث الواردة في مجيء سُورَتَي البقرة وآل عمران يوم القيامة، وبيانُ صِلَة الضَّرر المنسوب إلى الأصنام بأفعال عابديها، وتفسيرُ النُّور بالإيمان والهداية، والظُّلمات بالكفر والضَّلال. ويُحَلِّل هذه الأمثلة في ضوء المجاز العقليِّ والمجاز المُرْسَل والاستعارة، مُقَرِّرًا أنَّ اختلاف التَّسمية لا يَنْفِي اتِّفاق التَّوجيه اللُّغويِّ في بعض المواضع.
ويَسْتَدِلُّ على ما يَعُدُّه إقرارًا من ابن تَيْمِيَّة بالمجاز بنصوصٍ ذَكَر فيها الحقيقةَ والمجاز صراحةً، ومنها كلامُه في أثر القرائن في تحديد المعنى، وانتقالُ بعض الاستعمالات المجازيَّة إلى الحقيقة بشيوعها، وتفريقُه بين دلالات الألفاظ في النُّصوص الشَّرعيَّة. ويَتَوَقَّف عند رسالة «رفع الملام عن الأئمَّة الأعلام»، مُبَيِّنًا استنادَ ابن تَيْمِيَّة إلى احتمال اللَّفظ للحقيقة والمجاز، واختلافِ الفقهاء في تعيين المراد منه، في تفسير أسباب اختلافهم في فَهْم الأحاديث والأحكام. ويَخْلُص المُطْعَنِيُّ من هذه النُّصوص إلى أنَّ لابن تَيْمِيَّة موقفًا نظريًّا يَتَمَثَّل في إنكار المجاز، وآخرَ تطبيقيًّا يَتَمَثَّل في استعمال ما يَعُدُّه المؤلِّف توجيهًا مجازيًّا، ويَرْبِط هذا الاختلافَ بمقاومة التَّأويلات التي رأى ابن تَيْمِيَّة أنَّها تُخَالِف دلالات النُّصوص. كما يُناقِش احتمالَ تغيُّر اجتهاده في المسألة، مع الإقرار بعدم توافر ما يَحْسِم التَّرتيبَ الزَّمنيَّ بين الأقوال التي استند إليها.
ويَتَنَاوَل موقفَ ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة، مُوَضِّحًا إنكارَه الشَّديد للمجاز في كتاب «الصَّواعق المُرْسَلَة على الجَهْمِيَّة والمُعَطِّلَة»، وما ساقه فيه من وجوهٍ كثيرةٍ لإبطال تقسيم الكلام إلى حقيقةٍ ومجازٍ. ثمَّ يُقَابِل ذلك بما وَرَد في مُؤَلَّفاته الأخرى من تفسيراتٍ يَجْعَلُها المُطْعَنِيُّ شواهدَ على إقراره بالمجاز واستعماله. ويُحَلِّل توجيهَ ابن القَيِّم لاختلاف إسناد تزيين الأعمال إلى الله تعالى والشَّيطان والإنسان، وإسناد التَّوفِّي إلى الله تعالى ومَلَك الموت والملائكة، وما يَتَّصِل بذلك من المجاز العقليِّ وعلاقات السَّببيَّة والمباشرة. ويَبْحَث تفسيرَه لخروج الاستفهام عن طلب الفَهْم إلى الإنكار والنَّفي، ومجيءَ الخبر بمعنى الأمر في آيات الأحكام، مُوَضِّحًا ما يَرَاه من صِلَة هذه التَّوجيهات بالمجاز المُرْسَل. كما يَسْتَعْرِض أمثلةً من التَّشبيه والاستعارة في تفسير قوله تعالى: «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ»، و«فَانْسَلَخَ مِنْهَا»، و«وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ»، وغيرها من النُّصوص التي يُوَضِّح فيها ابن القَيِّم المعانيَ بذكر الصُّوَر والتَّشبيهات.
ويُعَزِّز هذا الاستدلالَ بنصوصٍ صَرَّح فيها ابن القَيِّم بلفظ المجاز، ومنها تفريقُه بين النَّصِّ الذي لا يَحْتَمِل التَّأويلَ والظَّاهر الذي يَحْتَمِلُه، وبيانُه الشُّروطَ اللَّازمة لصَرْف اللَّفظ عن ظاهره إلى معنًى مجازيٍّ. ويَتَتَبَّع كلامَه في المعاني الشَّرعيَّة واللُّغويَّة لألفاظ الصَّلاة ونحوها، وما نَقَلَه عن السُّهَيْلِيِّ من مباحثَ في الحقيقة والمجاز، إلى جانب تقريراته في كتاب «إعلام المُوَقِّعِين» عن ضرورة فَهْم مراد المتكلِّم وعدم الاقتصار على ظواهر الألفاظ. ويَسْتَخْلِص أنَّ إنكار المجاز في «الصَّواعق المُرْسَلَة» لا يَسْتَوْعِب موقفَ ابن القَيِّم في سائر كتبه، مُرَجِّحًا أنَّ إنكارَه كان مرتبطًا بمواجهة التَّأويلات الكلاميَّة التي رآها مُتَعَسِّفَةً، وأنَّ تطبيقاتِه اللُّغويَّة والتَّفسيريَّة تُوَافِق في مواضعَ كثيرةٍ ما يَقُولُه علماء البيان في المجاز وأقسامه.
ويُخَصِّص بحثًا لموقف مُحَمَّد الأمين الشَّنْقِيطِيِّ، مُنَاقِشًا رسالتَه «منع جواز المجاز في المُنَزَّل للتَّعَبُّد والإعجاز»، وما استند إليه فيها من أدلَّةٍ على نَفْي المجاز عن القرآن الكريم واللُّغة العربيَّة. ويَنْقُد استدلالَه بأنَّ كلَّ مجازٍ يجوز نفيُه، وأنَّه لا يجوز نفيُ شيءٍ من القرآن، مُبَيِّنًا الفَرْقَ بين نَفْي المعنى الحقيقيِّ غير المراد ونَفْي المعنى الذي أُرِيد بالتَّعبير المجازيِّ. كما يُناقِش اعتراضَه على الاستدلال بقاعدة «كلُّ ما جاز في اللُّغة جاز في القرآن»، وموقفَه من الآيات التي احتجَّ بها مُثْبِتُو المجاز، ومنها قوله تعالى: «جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ»، و«وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ»، و«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ»، مُحَلِّلًا ما يُمْكِن أن تَدُلَّ عليه هذه التَّراكيب من استعارةٍ أو مجازٍ عقليٍّ أو حَذْفٍ أو كنايةٍ، ومُعْتَرِضًا على اعتبار جميع استعمالاتها حقائقَ لغويَّةً لا مجازَ فيها.
ويُقَابِل إنكارَ الشَّنْقِيطِيِّ للمجاز بتفسيراته في «أضواء البيان»، مُسْتَشْهِدًا بتوجيهه لاختلاف إسناد التَّوفِّي، وتفسيره «حِجَابًا مَسْتُورًا» و«جَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً» و«اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ»، وما وَرَد في كلامه من استعمال أسماء الفاعلين والمفعولين وإرادة بعضها ببعضٍ. ويَبْحَث كذلك توجيهاتِه للألفاظ المنقولة من معانيها الأصليَّة إلى معانٍ أخرى، وخروجِ الاستفهام والأمر والخبر عن دلالاتها المعتادة، وتفسيرِه قوله تعالى: «فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ»، وما يَتَعَلَّق باستعمال صيغة الماضي للتَّعبير عن المستقبل المُحَقَّق الوقوع. ويَخْلُص إلى أنَّ هذه التَّفسيرات تَتَّفِق، في تقديره، مع طرائق البلاغيِّين في تحليل المجاز، وإن امتنع الشَّنْقِيطِيُّ عن إطلاق اسمه عليها في الغالب. ويَنْتَهِي إلى الدِّفاع عن ثبوت المجاز في اللُّغة العربيَّة والقرآن الكريم، مُقَرِّرًا أنَّ إنكارَه لا يَسْتَقِيم مع التَّطبيقات البيانيَّة التي استعملها المنكرون أنفسُهم في فَهْم النُّصوص، وأنَّ الخلافَ في بعض هذه المواضع يَرْجِع إلى التَّسمية والاصطلاح، دون أن يَسْتَلْزِم ذلك إقرارَ التَّأويلات المُتَعَسِّفَة أو نَفْيَ ما ثَبَت من صِفات الله تعالى.