يُسَجِّلُ أبو الحسن محمَّد بن هلال بن المُحَسِّن الصَّابِئ في كتاب «الهَفَوَات النَّادِرَة» زَلَّاتِ الألسنة وسَقَطَاتِ الكلام التي تَقَعُ من الفُصَحاء والأُدباء وأهل التَّحَفُّظ، فيَنْطِقُ أحدُهم بعبارةٍ لم يَقْصِدْ معناها، أو يُنْشِدُ شِعْرًا لا يُناسِبُ مَقَامَه، أو يَتَفَوَّهُ بكلمةٍ تَحْتَمِلُ إهانةَ مَن يُخاطِبُه، فيُوقِعُه ذلك في الحَرَج، وقد يُعَرِّضُه للغَضَب أو العقوبة. ويبدأ بحكاية هَفْوَةٍ وَقَعَتْ له شخصيًّا حين شَبَّهَ رجلًا ثَقِيلًا بآخرَ كان جالسًا إلى جانبه، ثمَّ تَدَارَكَ ما بَدَرَ منه بتفسيرٍ صَرَفَ به المعنى عن صاحبه. ويُتْبِعُ ذلك بأخبارٍ مماثلةٍ عن رجالٍ أَفْلَتَتْ منهم كلماتٌ أو أشعارٌ على غير رَوِيَّةٍ، فحاولوا الاعتذار عنها أو تَدارُكها، فأَفْلَحَ بعضُهم في الخلاص من وَرْطَتِه، وزاد بعضُهم خطأً إلى خَطَئِه.
ويُكْثِرُ من أخبار الشُّعراء والمُغَنِّين والنُّدَماء الذين أَنْشَدُوا بين يَدَي الخلفاء والملوك والأمراء أبياتًا تَضَمَّنَتْ ذكرَ الموت أو زوال المُلك أو الهزيمة أو الفِراق، أو وَقَعَ فيها مَدْحٌ لخصوم مَن يَسْمَعُها، من غير أن يَتَنَبَّهَ قائلوها إلى ما تُوحِي به في ذلك المَجْلِس. ويذكر ما أَثَارَتْه هذه الهَفَوَات من غَضَبٍ وخَوْفٍ وتَطَيُّر، وما أَعْقَبَها من عَفْوٍ أو عِقَاب، وما صادَفَ بعضَ أصحابها من نَكَباتٍ أو حوادثَ رَبَطَتْها الرِّواياتُ بما سَبَقَ على ألسنتهم. ويتناول كذلك ما يَقَعُ في مجالس المُؤَانَسَة والمُسَامَرَة من سُوء اختيار الألفاظ، والغَفْلَة عن أسماء الحاضرين وأحوالهم، والتَّمَثُّل بأشعارٍ تَتَحَوَّلُ دلالتُها بتغيُّر المَقام، وما يَنْشَأُ عن ذلك من ظُنُونٍ وخُصوماتٍ ومواقفَ مُضْحِكَةٍ أو مُحْرِجَة.
ويَحْكِي هَفَوَاتِ الكُتَّاب والوزراء والقُضاة والعُمَّال وأهل المَجَالِس، وما يَقَعُ في كلامهم ومُكاتَبَاتِهم من أَغْلَاطٍ تُفْسِدُ المَقْصُود أو تَكْشِفُ أمرًا أَرادُوا كِتْمانَه، وما يُجْرِيه سُوء الفَهْم أو التَّسَرُّع من كلماتٍ تَنْقَلِبُ على أصحابها. ويُورِدُ أمثلةً على الاعتذار الذي يَزِيدُ الإساءة، وعلى التَّعْرِيض الذي يَصِلُ إلى مَن لم يَقْصِدْه المُتَكَلِّم، وعلى ما يَنْشَأُ من اشْتِراك الأسماء والكُنَى والألقاب أو تَشابُه الألفاظ من التباس. وتَرِدُ في هذه الأخبار مواقفُ تُظْهِرُ حِذْقَ بعض الحاضرين في تَدارُك الهَفْوَة، وفِطْنَةَ بعض الملوك في فَهْم الخطأ والعَفْو عنه، كما تَظْهَرُ فيها عواقبُ الغَضَب والتَّسَرُّع وسُوء التَّقْدِير.
ويُلْحِقُ بهذه الأخبار حكاياتٍ عن المُغَفَّلِين المَحْظُوظِين والجُهَّال المَرْزُوقِين، فيذكر أشخاصًا بَلَغُوا مناصبَ رفيعةً أو نالوا أموالًا وحُظْوَةً مع ما اشْتَهَرُوا به من حُمْقٍ وقِلَّة فَهْم. ويَسُوقُ ما صَدَرَ عن بعضهم من أَجْوِبَةٍ فاسدةٍ وتَصَرُّفَاتٍ مُسْتَغْرَبَة، وما وَقَعُوا فيه من تَحْرِيف الألفاظ، والخَلْط بين الأسماء والمعاني، وسُوء فَهْم الكلام والأمثال، والجَهْل بأمورٍ يَفْتَرِضُها النَّاسُ في أهل مَناصِبِهم. وتَرِدُ إلى جانب ذلك نوادرُ الأَعْرَاب والشُّعراء والمُتَصَدِّرِين للكلام، وما بَدَرَ منهم من لَحْنٍ أو خَطَأٍ في النَّسَب أو عَجْزٍ عن إِدْرَاك مَقْصُود المُخَاطَب. ويَسْتَمِدُّ الصَّابِئ أخبارَه ممَّا سَمِعَه من والده وجَدِّه وغيرهما من الرُّواة، وممَّا نُقِلَ عن أصحاب المَجَالِس في عُصُورٍ مُخْتَلِفَة، فتَتَداخَلُ في الكتاب أخبارُ خلفاء بني أُمَيَّة وبني العبَّاس، وملوك بني بُوَيْه، والوزراء والشُّعراء وسائر أهل المَجَالِس، ويَجْمَعُها ما يَكْشِفُه سُقُوط الكلمة في غير مَوْضِعِها من مَفَارَقَاتٍ وعَواقِبَ غير مُتَوَقَّعَة.