مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم إعداد أحمد بن عبد الفتاح ضليمي PDF

كتاب السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم إعداد أحمد بن عبد الفتاح ضليمي PDF

نبذة عن الكتاب:

يَسْتَخْلِص أحمد بن عبد الفتَّاح ضليمي في هذا الكتاب الأصولَ التَّربويَّة والتَّعليميَّة التي يَتَضَمَّنها الأسلوب الاستفهاميُّ في القرآن الكريم، مُبَيِّنًا مكانة السُّؤال في تحصيل العلم، وتنمية التَّفكير، وتوجيه السُّلوك، وترسيخ العقيدة، وما ينبغي للمُعَلِّم والمُتَعَلِّم مراعاتُه من آدابٍ وضوابطَ عند السُّؤال والإجابة. ويَسْتَقْرِئ الآيات التي ورد فيها الحثُّ على السُّؤال أو النَّهي عن بعض صُوَره، وما اشتملت عليه قصص الأنبياء عليهم السلام من حواراتٍ وأسئلةٍ تكشف عن طرائق التَّعلُّم والتَّوجيه، ثمَّ يُحَلِّل خصائص الأسئلة القرآنيَّة وأجوبتها، وما تحمله من معانٍ تتَّصل بحياة الإنسان ومعتقداته وحاجاته ومشكلاته. ويُوَازِن بين هذه التَّوجيهات وما قرَّره علماء التَّربية قديمًا وحديثًا بشأن أهمِّيَّة السُّؤال في تنشيط المتعلِّم وإثارة اهتمامه وتقويم فهمه، مُسْتَعِينًا بأقوال المفسِّرين والمُرَبِّين المسلمين، وبالأحاديث النَّبويَّة التي استُعْمِل فيها السُّؤال وسيلةً للتَّعليم والإرشاد. ويَجْعَل من هذه الدِّراسة أساسًا لتحديد كيفيَّة الانتفاع بالمنهج القرآنيِّ في المواقف التَّعليميَّة، وما يمكن أن يُقَدِّمه من توجيهاتٍ للمعلِّمين والمتعلِّمين في اختيار الأسئلة وصياغتها والإجابة عنها.

ويَسْتَعْرِض المؤلِّف أهمِّيَّة السُّؤال في تاريخ التَّربية، بوصفه من أقدم الوسائل التي استعان بها المعلِّمون والمُرَبُّون لنقل المعرفة وإثارة التَّفكير. ويُبَيِّن أنَّ السُّؤال يبدأ مع الإنسان منذ طفولته، حين يَكْثُر استفسارُه عمَّا يراه ويسمعه من الأشياء والظَّواهر المحيطة به، وتتكرَّر أسئلتُه عن أسبابها وصفاتها وأسمائها، فيكون ذلك طريقًا إلى اكتساب الخبرات وتوسيع مداركه. وأمَّا في المراحل الدِّراسيَّة، فيُسَاعِد السُّؤال على تحويل المتعلِّم من مُتَلَقٍّ يكتفي بالاستماع إلى مشاركٍ في بناء المعرفة، ويَدْفَعه إلى الملاحظة والموازنة والرَّبط والاستنتاج، ويُقَوِّي انتباهه وصلته بموضوع الدَّرس، ويُعِين على ثبات المعلومات التي يَتَوَصَّل إليها بجهده. كما يُنَمِّي مهارات الاستماع والتَّحدُّث والمناقشة وتقبُّل الملاحظات، ويُعَزِّز ثقة المتعلِّم بنفسه حين يُشَارِك في الوصول إلى الإجابة. وللمعلِّم فوائدُ تتَّصل بإعداد الدَّرس وتنظيمه، والكشف عن مستويات المتعلِّمين وقدراتهم واهتماماتهم، ومعرفة ما استوعبوه وما يحتاج إلى إعادة شرحٍ أو تصحيح. ويَتَطَرَّق إلى توظيف الأسئلة في مراحل الدَّرس المختلفة، من التَّمهيد والعَرْض إلى الرَّبْط والتَّطبيق والتَّقويم، وفي دروس القراءة والتَّعبير والمناقشة، مع بيان تفاوت الحاجة إليها بحسب أعمار المتعلِّمين ومستوياتهم، وأنَّ بعض المعارف لا يُمْكِن الوصول إليها بالاستنتاج والسُّؤال وحدهما، بل تحتاج إلى البيان المباشر من المعلِّم.

ويتَّصِل بذلك ما يُورِده من أقوال المُرَبِّين والعلماء المسلمين في فضل السُّؤال وأثره في تحصيل المعرفة؛ فيذكر عناية الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين بالمناقشة والاستفسار، وما نُقِل عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما من تشجيع طُلَّاب العلم على السُّؤال. ويَسْتَحْضِر أقوال المَاوَرْدِيِّ والخطيب البَغْدَادِيِّ وبدر الدِّين بن جَمَاعَة وابن قَيِّم الجَوْزِيَّة وابن خَلْدُون في حُسْن السُّؤال والمناظرة، وضرورة التَّلطُّف عند الاستفسار، وأثر الحوار في اكتساب المَلَكَة العلميَّة. ويُبَيِّن أنَّ هؤلاء العلماء لم يَعُدُّوا السُّؤال خروجًا عن أدب التَّعلُّم، بل جعلوه من مفاتيح العلم إذا توفَّرت فيه سلامةُ القصد وحُسْن الصِّياغة ومناسبةُ الموضوع. ثمَّ يَتَتَبَّع استعمال السُّؤال في السُّنَّة النَّبويَّة، ومن أبرز أمثلته حديث جبريل عليه السلام حين سأل النَّبيَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فكان الحوار وسيلةً لتعليم الصَّحابة رضي الله عنهم أصول دينهم. ويذكر كذلك أسئلة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه عن حقيقة الإفلاس، وعن الشَّجرة التي تشبه المسلم، وما فيها من إثارة الانتباه وإشراك السَّامعين في التَّفكير قبل بيان الجواب. كما يُوَضِّح أثر المناقشة والسُّؤال في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وغرس الفضائل، وبيان ما تقتضيه الأخوَّة الإسلاميَّة من نُصرة المظلوم ومنع الظَّالم من ظلمه.

وفي بيان مكانة السُّؤال في القرآن الكريم، يَسْتَدِلُّ المؤلِّف بالآيات التي تُرْشِد الإنسان إلى الرُّجوع لأهل العلم والخبرة فيما يَجْهَله، وفي مقدِّمتها قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، مُوَضِّحًا ما يتضمَّنه هذا التَّوجيه من إقرارٍ بأهمِّيَّة السُّؤال في الوصول إلى المعرفة الصَّحيحة، واختيار الجهة المؤهَّلة للإجابة. ويُخَصِّص عنايةً واسعةً لقصَّة موسى والخَضِر عليهما السلام، بوصفها نموذجًا قرآنيًّا تتجلَّى فيه منزلة السُّؤال في طلب العلم، وآداب العلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم. ويَتَتَبَّع ما بدأ به موسى عليه السلام من البحث عمَّن يَتَعَلَّم منه، وما تحمَّله في سبيل الوصول إليه من سفرٍ ومشقَّة، ثمَّ سؤاله الخَضِر عليه السلام أن يأذن له باتِّباعه والتَّعلُّم منه. ويُبْرِز ما اشتمل عليه هذا الطَّلب من تواضعٍ واستئذانٍ وحُسْن خطاب، مع ما لموسى عليه السلام من منزلة النُّبوَّة وفضل العلم. ثمَّ يُناقش الأسئلة التي وَجَّهها موسى عليه السلام عند خَرْق السَّفينة وقَتْل الغُلَام وإقامة الجدار، وما كان يَظْهَر له من مخالفة تلك الأفعال لما تقتضيه الأحكام الظَّاهرة، حتَّى بَيَّن الخَضِر عليه السلام أسبابها وحِكَمَها. ويَسْتَخْلِص من هذه القصَّة أثر السُّؤال في الكشف عن المعاني الخفيَّة وإزالة الإشكال، إلى جانب أهمِّيَّة الصَّبر والتَّأنِّي وعدم الاستعجال في الاعتراض قبل معرفة حقيقة الأمر، ومراعاة ما يَشْتَرِطه المعلِّم من تنظيمٍ لمراحل التَّعلُّم.

ويَسْتَنْبِط من الآيات القرآنيَّة جملةً من آداب السُّؤال التي ينبغي للمتعلِّم المحافظة عليها؛ فيأتي في مقدِّمتها الحرص على طلب العلم ولو استلزم السَّفر وتحمُّل المشقَّة، والتَّواضع لمَن يَحْمِل معرفةً يَحْتَاج إليها المتعلِّم، وإن كان أقلَّ منه منزلةً في غيرها. ويُؤَكِّد ضرورةَ التَّلطُّف في السُّؤال والاستئذان قبل المناقشة، وحُسْن اختيار الألفاظ، وتجنُّب ما يَدُلُّ على التَّعالي أو الاستخفاف بالمعلِّم. كما يدعو إلى توجيه الأسئلة نحو العلوم النَّافعة والقضايا التي تترتَّب على معرفتها مصلحةٌ دينيَّةٌ أو دنيويَّة، بدل الاشتغال بما لا فائدة فيه أو بما استأثر الله تعالى بعلمه، كالسُّؤال عن موعد السَّاعة. ويَسْتَدِلُّ بقوله تعالى: «لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» على النَّهي عن صُوَرٍ من السُّؤال التي تَتَّسِم بالتَّكلُّف أو التَّعَنُّت أو التَّشديد فيما لا حاجة إليه، ومنها الإكثار من تفريع المسائل الافتراضيَّة، والسُّؤال بقصد الاستهزاء أو إظهار عجز المسؤول. ويَتَطَرَّق كذلك إلى ضرورة التَّريُّث حتَّى يَحِين الوقت المناسب للسُّؤال، وعدم مقاطعة المعلِّم قبل اكتمال البيان، والاعتذار عند مخالفة ما وجَّه إليه من آدابٍ، وإقامة المناقشة على الأدلَّة والبراهين بدل الظُّنون والأوهام. ويَسْتَعِين بقصَّة نوحٍ عليه السلام وسؤاله ربَّه بشأن ابنه، وما جاء فيها من التَّوجيه إلى ترك السُّؤال عمَّا لا علم للسَّائل به، مُبَيِّنًا أنَّ حُسْن السُّؤال لا يقتصر على طريقة إلقائه، بل يشمل القصدَ منه، وموضوعَه، وتوقيته، وما يقوم عليه من معرفةٍ ودليل.

وأمَّا المعلِّم، فيُبَيِّن المؤلِّف أنَّ نجاحه في استعمال السُّؤال يتطلَّب إدراك قيمته التَّربويَّة، وإتاحة الفرصة للمتعلِّمين كي يَسْأَلوا ويُناقِشوا، وتلقِّي استفساراتهم برحابة صدرٍ وحُسْن معاملة. ويَدْعُوه إلى توجيههم نحو الأسئلة المتَّصلة بموضوع الدَّرس وحاجاتهم الفعليَّة، وتجنُّب إرهاقهم بالمسائل الصَّعبة التي تتجاوز قدراتهم، أو الإكثار من الأسئلة التي تُثِير الملل وتُعَطِّل المقصود من التَّعلُّم. ويَسْتَدِلُّ بما ورد في قصَّة موسى والخَضِر عليهما السلام على حقِّ المعلِّم في تنظيم الأسئلة وتأجيل بعضها إذا اقتضت المصلحة التَّعليميَّة ذلك، مع مراعاة أحوال المتعلِّمين وما يستطيعون إدراكه في كلِّ مرحلة. ويُناقش ما قد يَرِد على المعلِّم من أسئلةٍ لا يَعْرِف أجوبتها، مُؤَكِّدًا أنَّ عدم الإحاطة بجميع العلوم لا يَنْقُص من منزلته، وأنَّ من واجبه الاعتراف بحدود معرفته، ورَدَّ العلم فيما لا يعلم إلى الله تعالى، بدل التَّكلُّف في الإجابة أو الادِّعاء بغير دليل. ويَسْتَحْضِر ما نُقِل عن الأئمَّة من التَّوقُّف عن الجواب عند الجهل، وما في ذلك من أمانةٍ علميَّةٍ وتربيةٍ للمتعلِّمين على التَّثبُّت. ويُضيف إلى هذه الآداب ضرورةَ مواصلة المعلِّم تحصيل العلم وتجديد معارفه، مستدلًّا بقوله تعالى: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا»، وبما تَضَمَّنَتْه قصَّة موسى عليه السلام من أنَّ بلوغ الإنسان منزلةً رفيعةً في العلم لا يُسْقِط عنه الحاجةَ إلى الاستزادة والتَّعلُّم ممَّن اختصَّ بمعرفةٍ لا يَمْلِكها.

وفي دراسة خصائص السُّؤال القرآنيِّ، يُبْرِز المؤلِّف شمولَ الأسئلة وتنوُّعَ موضوعاتها، واتِّصالَها بمعتقدات النَّاس وأحوالهم وحاجاتهم العمليَّة. فقد ورد السُّؤال عن الغَيْب والسَّاعة والرُّوح، وعن الإنفاق والصَّدقات وأحوال اليتامى، وعن القتال في الأشهر الحُرُم، والخمر والمَيْسِر، والمَحِيض، والأَهِلَّة والجبال، وما يتعلَّق بأخبار السَّابقين كذِي القَرْنَيْن. ويَسْتَخْلِص من هذا التَّنوُّع أنَّ السُّؤال في المنهج القرآنيِّ لا يُقْصَر على تحصيل المعلومات النَّظريَّة، بل يَتَّصِل بحياة الإنسان وما يَعْرِض له من مشكلاتٍ وقضايا تحتاج إلى بيانٍ وتوجيه. ويُوَضِّح كيف استُعْمِل السُّؤال في تقرير العقيدة وإثبات وحدانيَّة الله تعالى؛ إذ يُوَجِّه القرآن المشركين إلى الإقرار بأنَّ الله تعالى هو خالق السَّماوات والأرض، ومُسَخِّر الشَّمس والقمر، ومُنَزِّل الماء ومُحْيِي الأرض بعد موتها، ثمَّ يُقِيم على إقرارهم حجَّةً في وجوب إفراده بالعبادة. ويتَّصل بذلك استعمال السُّؤال في التَّذكير بنِعَم الله تعالى على خلقه، وما فيها من رزقٍ وحفظٍ وتدبير، والجمع بين مخاطبة العقل واستمالة النَّفس إلى محبَّة المُنْعِم وشُكْره. كما يَتَناوَل تنوُّع السَّائلين في القرآن الكريم، فمنهم المؤمنون والمشركون وأهل الكتاب والمنافقون والأعراب، ولكلِّ فريقٍ دوافعُ وأغراضٌ تتعلَّق بطبيعة سؤاله؛ فمنهم مَن يَطْلُب العلم والاسترشاد، ومنهم مَن يَسْأَل على سبيل الاعتراض أو الاختبار أو التَّعَنُّت. ويُبَيِّن أنَّ معرفة دوافع السَّائلين وظروفهم تُعِين المعلِّم على اختيار الأسلوب الملائم في الإجابة والتَّوجيه.

ولخصائص الأجوبة القرآنيَّة بحثٌ يُوَضِّح فيه المؤلِّف كيف ترتبط الإجابة بحياة السَّائل، وتَجْمَع بين البيان والإقناع والتَّوجيه إلى ما ينفعه في دينه ودنياه. فيَسْتَدِلُّ بالسُّؤال عن الخمر والمَيْسِر على مراعاة الواقع العمليِّ، وبيان ما يَتَرَتَّب على الأفعال من منافعَ ومضارَّ، والتَّوجيه إلى الموازنة بينهما دون الاقتصار على ظاهر ما قد يُجْنَى من منفعةٍ عارضة. ويَجْعَل من ذلك مثالًا على الإقناع العقليِّ الذي يُبَيِّن أسباب الحكم وآثاره، ويُسَاعِد المتعلِّم على إدراك وجه المصلحة فيه. ويَتَتَبَّع ما في الأجوبة القرآنيَّة من اغتنام فرصة السُّؤال للإصلاح والتَّربية، كما في الجواب عن الأَهِلَّة، حيث بُيِّنَت منافعُها في تحديد المواقيت، واقترن ذلك بالتَّوجيه إلى التَّقوى وتصحيح بعض العادات المتعلِّقة بدخول البيوت. وفي السُّؤال عن القتال في الشَّهر الحرام يُبْرِز كيف يُقَرِّر الجواب حُرْمَة القتال فيه، ثمَّ يُنَبِّه إلى ما هو أعظم من ذلك من الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى وإخراج النَّاس من ديارهم وفتنتهم عن دينهم، فيَجْمَع بين تقرير الحكم وتصحيح الموازنة بين مراتب الأخطاء. كما يَسْتَحْضِر الأجوبة المتعلِّقة بالإنفاق على الوالدَيْن والأقربين واليتامى والمساكين، وإصلاح شؤون اليتامى وصيانة حقوقهم، لبيان عناية القرآن بالمصالح الفرديَّة والاجتماعيَّة، وتوجيه السَّائل إلى أعمال البِرِّ والإحسان والإصلاح.

ويُفَصِّل المؤلِّف كذلك أثر الأجوبة القرآنيَّة في حفظ الطَّاقة العقليَّة وتوجيهها إلى القضايا النَّافعة، فلا يُشْغَل الإنسان بطلب ما لا سبيل له إلى الإحاطة به، أو بما لا يترتَّب على معرفته عملٌ أو مصلحة. ويُمَثِّل لذلك بالجواب عن السُّؤال عن الرُّوح، الذي يُرْجِع علمَ حقيقتها إلى أمر الله تعالى، وبالسُّؤال عن وقت السَّاعة، الذي يُوَجِّه الإنسان إلى الاستعداد لها بدل الانشغال بما استأثر الله تعالى بعلمه. ويَتَطَرَّق إلى اختلاف مقدار الجواب بحسب حاجة السَّائل ومقتضى المقام؛ فقد تأتي الإجابة مساويةً للسُّؤال، وقد تتجاوزه إلى معنىً أعمَّ وأشمل، وقد تقتصر على بعض ما طُلِب إذا كان الجواب عنه كافيًا لبيان المقصود. ومن أمثلة التَّوسُّع قوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ»، حيث لم تقتصر الإجابة على النَّجاة من ظلمات البَرِّ والبحر، بل شَمِلَت النَّجاةَ من كلِّ كَرْب. ويُناقش كذلك ما يُعْرَف في البلاغة بأسلوب الحكيم، وهو العدول في الجواب عمَّا يَتَوَقَّعه السَّائل إلى ما هو أَوْلَى به وأنفع له، كما في بيان فوائد الأَهِلَّة ومواقيتها بدل الاقتصار على تفسير تغيُّر صورتها. ويَسْتَخْلِص من هذه الأمثلة أنَّ الإجابة التَّربويَّة النَّاجحة لا تقتصر على تقديم المعلومة المطلوبة، بل تُراعي حال السَّائل، ومدى حاجته، ومستوى فهمه، وما يُمْكِن أن يَتَرَتَّب على الجواب من إصلاحٍ لفكره وسلوكه.

وتَتَكَامَل هذه المباحث في بيان أنَّ السُّؤال وسيلةٌ أساسيَّةٌ من وسائل التَّربية الإسلاميَّة، يُعْتَمَد عليه في بناء المعرفة، وتنمية القدرات العقليَّة، وتثبيت الإيمان، وتوجيه السُّلوك، وتقويم نتائج التَّعلُّم. ويُؤَكِّد المؤلِّف أنَّ الانتفاع به لا يَتَحَقَّق بمجرَّد الإكثار من الأسئلة، بل يَتَوَقَّف على حُسْن اختيارها وصياغتها، ومراعاة آدابها، ومعرفة أغراض السَّائلين، وتقديم الإجابات التي تُقَرِّب المعاني وتُعِين على العمل بها. كما يُبْرِز مسؤوليَّة المعلِّم والمتعلِّم معًا عن نجاح هذه الطَّريقة؛ فالمعلِّم يُشَجِّع على الاستفسار ويُحْسِن التَّوجيه والجواب، والمتعلِّم يَسْأَل طلبًا للفهم، ويَتَأَدَّب مع معلِّمه، ويَتَثَبَّت ممَّا يسمع، ويَتَجَنَّب التَّعَنُّت والتَّكلُّف. ويدعو إلى العناية بالدِّراسات التَّربويَّة المستمدَّة من القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة، والإفادة من نتائجها في تطوير طرائق التَّدريس داخل المؤسَّسات التَّعليميَّة، بما يَجْعَل السُّؤال أداةً للتَّعليم والتَّفكير والإصلاح، لا مجرَّد وسيلةٍ لاسترجاع المعلومات واختبار الحفظ.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 5 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

أحمد بن عبد الفتاح ضليمي

أحمد بن عبد الفتاح ضليمي: أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. له: “السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم”.

عرض النبذة وكتب المؤلف