يَشْرَح شهابُ الدِّين أحمد بن محمَّد بن عِماد القَرَافِيُّ المِصْرِيُّ، المعروف بابن الهائم، في كتاب «التِّبيان في تفسير غريب القرآن» الألفاظَ القرآنيَّة التي قد يَخْفَى معناها على القارئ، مُرتِّبًا تفسيرها بحسب سُوَر المصحف وآياتها، من سورة الفاتحة إلى سورة النَّاس. ويَعتمد على كتاب «غريب القرآن» لأبي بكر السِّجِسْتانيِّ -المعروف أيضًا بـ«نُزْهَة القلوب»-، فيُعيد ترتيب ألفاظه التي صنَّفها صاحبها على حروف المعجم، ويَضُمُّ ما تفرَّق من غريب كلِّ سورةٍ في موضعٍ مستقلٍّ، مع إضافة شروحٍ واستدراكاتٍ وتعقيباتٍ على بعض التَّفسيرات. ويُميِّز زياداته غالبًا بالرَّمز «زه»، ويَستدرك ألفاظًا لم يذكرها السِّجِسْتانيُّ، ويُوسِّع بيان بعض الكلمات التي اقتصر الأصل على تفسيرها بمرادفاتٍ موجزة، كما يختصر مواضع أخرى أو يتصرَّف في عباراتها دون الإخلال بمعناها. ويُراعي تكرار الألفاظ القرآنيَّة، فيكتفي غالبًا بتفسير اللفظ في أحد مواضعه إذا اتَّحد معناه، ويُفرِّق بين استعمالاته عند اختلاف الدَّلالة.
ويَتَنَاوَل معاني الأسماء والأفعال والحروف والتَّراكيب القرآنيَّة، فيكشف دلالاتها اللُّغويَّة، وأصولها الاشتقاقيَّة، وما يطرأ عليها من اختلافٍ بحسب السِّياق والاستعمال. ويُبَيِّن المعاني المتعدِّدة للفظ الواحد، وما بين الألفاظ المتقاربة من فروقٍ دقيقة، مستشهدًا بكلام العرب وأشعارهم وأقوال أئمَّة اللُّغة. ويَشرح في سورة الفاتحة ألفاظًا مثل «الرَّحْمَن» و«الرَّحِيم» و«الدِّين» و«الصِّرَاط المُسْتَقِيم»، فيعرض معانيها في اللُّغة وما قيل في تفسيرها، ثمَّ يتناول في سورة البقرة ألفاظًا مثل «الرَّيْب» و«الغَيْب» و«التَّقْوَى» و«الفَلَاح»، مبيِّنًا أصولها ودلالاتها، وما يُستفاد من صيغها وتراكيبها. ويَدرس ما يتعلَّق بالأبنية الصَّرفيَّة والإبدال والاشتقاق، ومن ذلك تفسير «أَحَد» في سورة الإخلاص، وبيان أصوله اللُّغويَّة، وتوجيه صيغة «ضِيزَى» في سورة النَّجم، وما دار حول وزنها الصَّرفيِّ من أقوال. ويَعرض ما ورد من لغات القبائل العربيَّة في تفسير بعض الكلمات، وما يُعين على فهم الغريب من معرفة اختلاف الاستعمالات اللُّغويَّة.
ويَبحث أثر القراءات القرآنيَّة في ضبط الألفاظ وتفسيرها، فيورد اختلاف القراءة عند الحاجة، ويُوضِّح ما يترتَّب عليه من فروقٍ في البنية الصَّرفيَّة أو المعنى، مستعينًا بأقوال القُرَّاء والنُّحاة. ويُعالج المسائل النَّحويَّة المتعلِّقة ببعض الألفاظ والتَّراكيب، وما يُحتمل فيها من أوجه الإعراب والتَّقدير، ويَستعين بالشَّواهد اللُّغويَّة لتوجيهها. كما يُفَصِّل المعاني المجازيَّة والكِنائيَّة لبعض التَّعبيرات، ومن ذلك تفسير «حَمَّالَةَ الْحَطَبِ» في سورة المَسَد، وما قيل في المراد بالحطب وحمله، ودلالة التَّعبير على النَّميمة وإيقاع العداوة بين النَّاس. ويَشرح ألفاظًا تتَّصل بأحوال الخلق والمعاد، والعبادات والأحكام، وأخبار الأنبياء عليهم السلام والأمم السَّابقة، وما يرد في أوصاف الجنَّة والنَّار من كلماتٍ تحتاج إلى بيان، مستعرضًا المعاني المأثورة والوجوه التَّفسيريَّة المختلفة.
ويَتَجَاوَز في مواضعَ تفسيرَ اللفظة المفردة إلى بيان ما يتَّصل بها من مسائل تفسيريَّةٍ وفقهيَّةٍ ولغويَّة، فيُناقش دلالة «ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» وما ورد في معنى القُرْء من اختلاف، ويَعرض المعاني المتعلِّقة ببعض الآيات التي يقتضي فهمها معرفة السِّياق أو سبب التَّسمية أو استعمال العرب للفظ. ويَستعين في ذلك بكتب التَّفسير ومعاني القرآن والمعاجم والحديث والفقه والنَّحو والصَّرف والبلاغة، ويَنقل أقوال العلماء ويُعقِّب على بعضها بالشَّرح أو التَّصحيح أو الاستدراك، مع إيراد الشَّواهد الشِّعريَّة والرِّوايات التي تُوَضِّح معاني الكلمات. وتتفاوت شروحه بين التَّفسير الموجز بلفظٍ مرادف، والبسط في المعاني والاشتقاق والقراءات وأقوال المفسِّرين، بحسب ما تستدعيه الكلمة من بيان. ويُحَقِّق بذلك غرضًا لغويًّا تفسيريًّا، هو تيسير الوقوف على معاني غريب القرآن الكريم، وإعانة القارئ على فهم ألفاظه وتراكيبه وتدبُّر آياته.