تَبْحَث عائشةُ عبدِ الرَّحمن، المعروفةُ ببنت الشَّاطئ، في كتاب «الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق» أسرارَ البيان القرآنيِّ، وما يتجلَّى فيه من دقَّة اختيار الحروف والألفاظ والتَّراكيب، وتفرُّد كلِّ تعبيرٍ بدلالته وموضعه في النَّظم المعجز، معتمدةً على استقراء مواضع الألفاظ والظَّواهر الأسلوبيَّة في القرآن الكريم، والنَّظر في سياق الآية والسُّورة وصلتها بسائر الآيات. وتَتَبَّع تاريخ البحث في إعجاز القرآن منذ القرون الإسلاميَّة الأولى، وما دار بين المتكلِّمين والمفسِّرين والبلاغيِّين من خلافٍ في تحديد وجوه الإعجاز، مستعرضةً جهود الجاحظ والرُّمَّانِيِّ والخَطَّابِيِّ والبَاقِلَّانِيِّ وعبد القاهر الجُرْجَانِيِّ وغيرهم، وما أضافه المتأخِّرون والمحدَثون إلى دراسة النَّظم القرآنيِّ. وتُناقش آراءهم في الفصاحة والبلاغة والصَّرْفَة والتَّأليف، وما نشأ من جدلٍ مذهبيٍّ حول المعجزة القرآنيَّة، مبيِّنةً الفرق بين إدراك العرب لإعجاز القرآن بسليقتهم اللُّغويَّة وبين تحدِّي بلغائهم وشعرائهم أن يأتوا بسورةٍ من مثله. وتَعرض آيات التَّحدِّي ومراحل المعاجزة، وموقف مشركي قريش من القرآن الكريم، وما نُقل من أخبار تأثُّر العرب بسماعه، مع مناقشة المحاولات البلاغيَّة التي جعلت إعجازه في النَّظم والفصاحة، وما آل إليه الدَّرس البلاغيُّ من تقسيماتٍ اصطلاحيَّةٍ أبعدته عن التَّأمُّل المباشر في البيان القرآنيِّ.
وتَسْتَقْرِئ فواتح السُّور المبدوءة بالحروف المُقَطَّعَة، فتدرس مواضع ورودها، وصلتها بما يتبعها من الآيات التي تتحدَّث عن القرآن الكريم ونزوله، وتناقش أقوال المفسِّرين في معاني هذه الحروف وأسرارها، مستخلصةً ما تكشفه من صلةٍ بين حروف اللُّغة العربيَّة وإعجاز النَّظم الذي عجز العرب عن معارضته. وتَنتقل إلى دلالات الحروف في سياقاتها القرآنيَّة، فتبحث ما قيل في زيادتها وحذفها وتعاقب بعضها مكان بعض، وتُناقش أثر اختلافها في المعنى، مستشهدةً باستعمال الباء في أساليب النَّفي، والفروق بين حروف الجرِّ والعطف، وما يترتَّب على إبدال حرفٍ بآخر من تغيُّر الدَّلالة. وتُبيِّن أنَّ فهم الحرف لا يستقيم بمجرد قواعد الإعراب أو القول بزيادته، وإنَّما يتطلَّب النَّظر في وظيفته الخاصَّة داخل التَّركيب، ومقارنة نظائره في القرآن الكريم للكشف عن السِّرِّ البيانيِّ في اختياره.
وتُفَصِّل القول في دلالات الألفاظ القرآنيَّة، فتناقش قضيَّة التَّرادف واختلاف اللُّغويِّين في إثباته وإنكاره، وتبحث الفروق الدَّقيقة بين الكلمات التي تتقارب معانيها في المعاجم، مع بيان أثر السِّياق في تحديد دلالة كلِّ لفظ. وتَدرس من ذلك الفروق بين الحلف والقَسَم، والخوف والخشية، والخضوع والخشوع، والزَّوج والمرأة، والإنس والإنسان، وغيرها من الألفاظ التي يَكشف استقراء استعمالها القرآنيِّ عن خصوصيَّة دلالتها. وتَبحث أسرار الأسلوب والتَّعبير، وما يتَّصل بها من الاستغناء عن ذكر الفاعل، وصيغ القَسَم، والفواصل القرآنيَّة، وما قيل في مراعاتها عند الحذف والتَّقديم والتَّأخير واختيار الألفاظ. وتُناقش آراء البلاغيِّين والنُّحاة في هذه الظَّواهر، مستعينةً بالشَّواهد القرآنيَّة لإظهار الصِّلة بين البناء اللَّفظيِّ والمعنى، وما يُحدثه اختلاف الصِّياغة من أثرٍ في التَّعبير، ومن ذلك دراستها لأسلوب «لا أُقْسِمُ» وما ورد في تفسيره من وجوهٍ نحويَّةٍ وبلاغيَّة.
وتَخُصُّ مسائل نافع بن الأزرق مع عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما بدراسةٍ قرآنيَّةٍ لغويَّةٍ تطبيقيَّة، تتناول نحو مائتي مسألةٍ في تفسير غريب القرآن الكريم، طلب فيها نافعٌ بيان معاني الألفاظ والاستشهاد عليها من كلام العرب. وتَتَتَبَّع روايات هذه المسائل في كتب التَّفسير واللُّغة والأدب، وتُقابل ما ورد منها في المصادر المطبوعة بالنُّسخ المخطوطة، وتُبيِّن اختلاف طرق نقلها وأسانيدها وأعدادها وألفاظها وشواهدها الشِّعريَّة. وتَعرض نصوص المسائل وما نُسب إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما من أجوبة، ثمَّ تدرس كلَّ لفظةٍ في موضعها القرآنيِّ، وتستقرئ نظائرها وصيغها، وتوازن بين تفسيرها في الرِّوايات وأقوال أئمَّة اللُّغة والتَّفسير والمعاجم، مع فحص الشَّواهد الشِّعريَّة ومدى دلالتها على المعنى المقصود. وتَتناول من ذلك ألفاظًا مثل «عِزِينَ» و«الوَسِيلَة» و«شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» و«غَوْل» وغيرها، مبيِّنةً ما قد يُثيره تفسير اللفظة بمُرادفٍ من قصورٍ عن إدراك خصوصيَّتها في سياقها القرآنيِّ. وتُوضِّح منزلة الشِّعر العربيِّ في تفسير غريب القرآن، وما يُستفاد منه في معرفة دلالات الألفاظ وأساليب العرب، مع التَّنبيه إلى ما يعتري الشَّواهد من اختلاف الرِّواية والضَّرورة الشِّعريَّة، وما يستدعيه تفسير كلام الله تعالى من التَّثبُّت والتَّحرُّج من الجزم بغير علم. وتَخلُص إلى أنَّ الشَّرح اللُّغويَّ يُقرِّب المعنى ويكشف بعض وجوهه، ولكنَّه لا يُغني عن استقراء الاستعمال القرآنيِّ، ولا يستنفد أسرار الكلمة في موضعها من البيان المعجز.