يُحَرِّر مساعد بن سليمان بن ناصر الطَّيَّار في كتاب «التَّفسير اللُّغوي للقرآن الكريم» أصولَ الاعتماد على لغة العرب في بيان معاني القرآن الكريم، مُتَتَبِّعًا نشأة هذا اللون من التَّفسير، ومصادره، وأثره في اختلاف المفسِّرين، وما ينبغي مراعاته من قواعدَ وضوابطَ عند الاستدلال بالدَّلالات اللُّغويَّة على معاني الآيات. ويُحَدِّد مفهوم التَّفسير اللُّغويِّ بأنَّه بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب، من ألفاظٍ وأساليبَ نزل بها القرآن الكريم، ويُوضِّح منزلته بين مصادر التَّفسير، وضرورة معرفة المفسِّر دلالات الألفاظ في عصر الاحتجاج، والتَّمييز بين معانيها العربيَّة الأصيلة والدَّلالات المولَّدة والمصطلحات الحادثة. ويُناقش حدود ما يدخل في علم التَّفسير من مباحث اللُّغة والنَّحو والصَّرف والبلاغة والقراءات، مُفَرِّقًا بين ما يُعين على بيان معنى الآية وما يخرج عن مقصود التَّفسير إلى علومٍ أخرى، ومُؤَكِّدًا أنَّ الإحاطة بالعربيَّة، على ضرورتها، لا تُغني عن بقيَّة مصادر البيان القرآنيِّ.
ويَتَتَبَّع نشأة التَّفسير اللُّغويِّ عند الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم رضي الله عن الصَّحابة، مُبَيِّنًا سبقهم إلى تفسير ألفاظ القرآن الكريم وأساليبه، واعتمادهم على ما عرفوه من لسان العرب، إلى جانب السُّنَّة النَّبويَّة وأسباب النُّزول وأحوال المخاطَبين. ويَكشف خصائص طريقتهم في بيان الألفاظ، وما يظهر فيها من العناية بالمعنى السِّياقيِّ، والتَّفسير بالمثال، وذكر بعض أفراد المعنى العامِّ، أو بيان المراد من غير التزامٍ بمرادفٍ لغويٍّ مطابق. ويَدرس صلة هذه الطَّريقة بعلم الوجوه والنَّظائر، وما يُعرف بكُلِّيَّات الألفاظ القرآنيَّة، مع الاستشهاد بتفسيرات عبد الله بن عبَّاس وعبد الله بن مسعود ومجاهد وقتادة وغيرهم. ثمَّ يتَّجه إلى مشاركة اللُّغويِّين في تفسير القرآن الكريم، فيُميِّز بين مشاركتهم غير المباشرة من خلال جمع لغة العرب وتدوين معانيها، ومشاركتهم المباشرة بالتَّصنيف في معاني القرآن وغريبه. ويَستعرض ما أضافوه من مباحث الاشتقاق والتَّصريف والإعراب وتوجيه القراءات والاستشهاد بالشِّعر وأساليب الخطاب العربيِّ، وما اتَّسمت به مصنَّفاتهم من عنايةٍ بالمعاني المفردة والقضايا النَّحويَّة. وفي سياق المقارنة بين المدرستَيْن، يُناقش سبق السَّلف إلى تدوين التَّفسير، ومدى استفادة اللُّغويِّين من أقوالهم، وحُجِّيَّة الشَّاهد الشِّعريِّ، والفروق بين منهجَي البصريِّين والكوفيِّين، وما يترتَّب على تقديم أقوال المتأخِّرين في اللُّغة على تفسير السَّلف من إشكالاتٍ علميَّة.
وتتَّسع الدِّراسة إلى مصادر التَّفسير اللُّغويِّ، فتَستقصي وجوه حضوره في كتب التَّفسير العامَّة، وكتب معاني القرآن وغريبه، والمعاجم اللُّغويَّة، وما يتَّصل بها من مصنَّفاتٍ في غريب الحديث والاحتجاج للقراءات وشروح الشِّعر والأدب. ويَختار المؤلِّف نماذجَ من هذه المصادر للكشف عن مناهج أصحابها في بيان المعاني والاستدلال عليها؛ فيدرس «جامع البيان» للطَّبَرِيِّ، و«الجامع لعلم القرآن» للرُّمَّانِيِّ، و«المحرَّر الوجيز» لابن عطيَّة، مُوَضِّحًا طرائقهم في شرح الألفاظ، وإيراد الشَّواهد، ومناقشة الاحتمالات اللُّغويَّة والتَّرجيح بينها. ويُقابل ذلك بما اشتملت عليه كتب «معاني القرآن» للفَرَّاء والأَخْفَش والزَّجَّاج من بحوثٍ في الإعراب والتَّصريف والقراءات والأساليب العربيَّة، وما يظهر فيها من أثر المذاهب النَّحويَّة. كما يدرس «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و«تفسير غريب القرآن» لابن قُتَيْبَة، و«غريب القرآن» لابن عُزَيْز السِّجِسْتانيِّ، مُبَيِّنًا طبيعة التَّفسير بالمفردات والشَّواهد، والفروق بين هذه المصنَّفات في طريقة العرض والتَّوسُّع في البيان. ويَبحث ما تضمَّنته معاجم «العين» للخليل، و«جمهرة اللُّغة» لابن دُرَيْد، و«تهذيب اللُّغة» للأزهريِّ من تفسيرٍ للألفاظ القرآنيَّة، وتوجيهٍ للقراءات، واستشهادٍ بالشِّعر، وما يُمكن الإفادة منه في تحقيق المعاني ومعرفة استعمالات العرب.
ويَتَجَلَّى الأثر المباشر للُّغة في التَّفسير عند اختلاف المفسِّرين في دلالات الألفاظ؛ إذ يُصَنِّف المؤلِّف أسباب الاختلاف إلى الاشتراك اللَّفظيِّ، والتَّضادِّ في المعنى، ومخالفة الدَّلالة الأشهر، واختلاف الأصل الاشتقاقيِّ، والتَّردُّد بين المعنى القريب المتبادر والمعنى البعيد. ويَفْصِل بين اختلاف المعنى النَّاشئ عن تعدُّد دلالات اللفظ الواحد، واختلاف التَّفسير النَّاشئ عن اختلاف القراءات في ألفاظها. ويَستعرض نماذجَ قرآنيَّةً توضِّح هذه الأسباب، منها اختلاف معنى «تَتْلُو» بين القراءة والاتِّباع، وما قيل في «عَسْعَسَ» من إقبال اللَّيل وإدباره، وفي «سُجِّرَتْ» من معانٍ متضادَّة، وما وقع من خلافٍ في تفسير «ضَحِكَتْ» في قصَّة سارة عليها السلام بين الضَّحك المعروف والحيض. ويُناقش أثر الاشتقاق في توجيه لفظ «عِضِينَ»، واختلاف المراد بالثِّياب في قوله تعالى: «وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ»، بين الثِّياب الملبوسة وما يُكنَّى به عن النَّفس والعمل. ومن خلال هذه الشَّواهد يَكشف كيف تتَّسع الدَّلالة القرآنيَّة لمعانٍ متعدِّدةٍ في بعض المواضع، بينما تقتضي القرائن والسِّياق ترجيح أحد الأقوال في مواضعَ أخرى.
غير أنَّ اتِّساع العربيَّة وتعدُّد مدلولات ألفاظها قد يكون، كما يُوضِّح المؤلِّف، سببًا في الخطأ والانحراف عند إخضاع النُّصوص القرآنيَّة لمذاهبَ عقديَّةٍ أو تصوُّراتٍ سابقةٍ على التَّفسير. ويَتَتَبَّع أثر المعتقد في اختيار بعض المعاني اللُّغويَّة دون غيرها، والاعتماد على التأويلات البعيدة أو المجازات المتكلَّفة، بل وإحداث دلالاتٍ لا يعرفها لسان العرب، مُناقشًا مناهج بعض الفرق الكلاميَّة والباطنيَّة وغيرها في توجيه النُّصوص. ويَعرض نماذجَ من تفسير آيات الصِّفات والقدر والإيمان، ومنها تفسير الاستواء بالاستيلاء، وما يتعلَّق بتأويل بعض الصِّفات الإلهيَّة، مع موازنة هذه التَّوجيهات باستعمالات العرب وأقوال السَّلف. ويُناقش كذلك أثر الاقتصار على المعنى اللُّغويِّ في تفسير الألفاظ ذات الدَّلالة الشَّرعيَّة، كالإيمان والصَّلاة، مُبَيِّنًا أنَّ المعنى الشَّرعيَّ قد يكون أوسع من الأصل اللُّغويِّ، وأنَّ قصر الإيمان على مجرَّد التَّصديق يُفضي إلى إغفال ما دلَّت عليه النُّصوص من دخول الأقوال والأعمال في حقيقته. ويمتدُّ نقده إلى بعض التَّفسيرات المعاصرة التي تحمل ألفاظ القرآن الكريم على مصطلحاتٍ حديثة، فيناقش تفسير «الذَّرَّة» بالمعنى المستعمل في الفيزياء، وبعض التَّأويلات الحادثة للفظ «الجُيُوب» في آية الخُمُر، مُقَرِّرًا ضرورة الاحتكام إلى المعنى العربيِّ المعروف زمن نزول القرآن الكريم قبل قبول أيِّ تفسيرٍ جديد.
وعلى ضوء هذه المباحث يُقَرِّر الطَّيَّار أربع قواعدَ تضبط التَّفسير اللُّغويَّ: أُولاها أنَّ التَّفسير اللُّغويَّ الثَّابت عن السَّلف يُحْكَم بعربيَّته، ويُقَدَّم على أقوال اللُّغويِّين المتأخِّرين؛ لما للسَّلف من معرفةٍ بلسان العرب وقربٍ من عصر الاحتجاج. وثانيتها جواز تفسير الآية بأكثر من معنى لغويٍّ صحيحٍ إذا احتملته دلالتها، ولم يمنع من الجمع بينها دليلٌ أو قرينة، مع التَّمييز بين الاختلاف الذي يرجع إلى معنى واحدٍ، والاختلاف الذي يرجع إلى معانٍ متعدِّدةٍ متوافقةٍ أو متضادَّة. وثالثتها عدم جواز الاكتفاء باللُّغة وحدها في التَّفسير دون مراعاة أسباب النُّزول والمعاني الشَّرعيَّة والسُّنَّة النَّبويَّة وتفسير السَّلف، مع بيان أنَّه ليس كلُّ معنى ثابتٍ في لغة العرب يصحُّ حمل الآية عليه. أمَّا القاعدة الرَّابعة فتُوَضِّح عدم التَّعارض بين التَّفسير اللُّغويِّ والتَّفسير على المعنى، وتُبَيِّن أنَّ بعض أقوال السَّلف قد تقصد بيان لازم اللفظ، أو بعض أفراده، أو المراد منه في السِّياق، لا تفسيره بمرادفٍ مطابق. ويَستشهد لذلك بأمثلةٍ من تفسير «النَّعِيم» و«المَحْرُوم» و«الحَشْر» وغيرها، مُفَرِّقًا بين بيان المعنى الأصليِّ للفظ وما يُستفاد منه بطريق اللُّزوم أو التَّمثيل أو السِّياق. وتُفضي هذه القواعد إلى منهجٍ يقوم على إحكام لغة العرب، وتقديم النَّقل الثَّابت، ومراعاة السِّياق، والتَّمييز بين دلالات الألفاظ والاحتمالات التَّفسيريَّة، بما يُعين على فهم أقوال المفسِّرين، ومعرفة أسباب اختلافهم، والتَّرجيح بين توجيهاتهم دون تكلُّفٍ أو تحميلٍ للنُّصوص ما لا تحتمله.