يُفَسِّر محمَّد سيِّد طنطاوي في هذا الكتاب آيتَي التَّحدِّي في سورة البقرة، مُبَيِّنًا ما تضمَّنتاه من إقامة الحُجَّة على صدق النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وإثبات أنَّ القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي يعجز البشر عن الإتيان بمثله. ويَصِل بين هاتَيْن الآيتَيْن وما سبقهما من الأمر بعبادة الله تعالى والاستدلال على وحدانيَّته؛ إذ انتقل الخطاب القرآنيُّ من تقرير التَّوحيد إلى إثبات صدق الرِّسالة، وتحدِّي المشركين أن يأتوا بسورةٍ تُضاهي القرآن في حُسْن نظمه، وبراعة أسلوبه، وحكمة معانيه. ويستعين بأقوال المفسِّرين في شرح الألفاظ والتَّراكيب، والكشف عن دقائق التَّعبير البلاغيِّ، وما تُفيده من توبيخ المكذِّبين وإظهار عجزهم، وتحذيرهم من عاقبة الإصرار على الكفر بعد قيام الدَّليل.
وتظهر دقَّة التَّعبير القرآنيِّ في قوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا»؛ فاستعمال «إنْ» مع تحقُّق ارتياب المشركين يحمل معنى التَّوبيخ والتَّنبيه إلى وضوح الأدلَّة على صدق القرآن، بينما يُصَوِّر حرف الجرِّ «في» إحاطة الشَّكِّ بهم واستيلاءه على نفوسهم. وفي اختيار «نَزَّلْنَا» إشارةٌ إلى نزول القرآن مُنَجَّمًا على مهلٍ وتدريج، وهو ما اتَّخذه المشركون ذريعةً للاعتراض على الوحي، فجاء التَّحدِّي بالإتيان بسورةٍ واحدةٍ ليُبطل اعتراضهم. وأمَّا وصف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالعبوديَّة في قوله تعالى: «عَبْدِنَا»، فيدلُّ على تشريفه بالإضافة إلى الله تعالى، مع تقرير مقام العبوديَّة الذي يمنع الغلوَّ في تعظيمه. ويتَّصل بذلك تفسير قوله تعالى: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ»، حيث يُرَجِّح المؤلِّف عود الضَّمير في «مِثْلِهِ» إلى القرآن الكريم، لا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مستندًا إلى سياق الآية وسائر آيات التَّحدِّي، وما نقله عن فخر الدِّين الرَّازِيِّ من وجوه التَّرجيح. ويترتَّب على هذا الاختيار أنَّ العجز عن المعارضة شاملٌ للأفراد والجماعات، والأُمِّيِّين والمتعلِّمين، وأنَّ الإعجاز يتحقَّق في كلِّ سورةٍ من القرآن، مهما قَصُرَتْ.
ويبلغ التَّحدِّي غايته في قوله تعالى: «وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ»، إذ يُبيح للمشركين الاستعانة بكلِّ مَن يرجون معونته من آلهتهم وأعوانهم وبلغائهم، أو إحضار مَن يشهد لهم بأنَّهم أتوا بما يُماثل القرآن. وفي تسمية أصنامهم شهداءَ مع عجزها عن النُّطق والعقل تهكُّمٌ بمعتقداتهم، وإظهارٌ لبطلان الاتِّكال عليها. ويزيد قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» من قوَّة الاحتجاج، بما يتضمَّنه من التَّعريض بدعواهم واستثارة حميَّتهم للإتيان بما زعموا القدرة عليه. ثمَّ يأتي قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا» ليجمع بين بيان عجزهم عن المعارضة، والقطع باستمرار هذا العجز في المستقبل. ويكشف المؤلِّف ما في اختيار أداة الشَّرط «إنْ» من مراعاةٍ لما كان المشركون يظنُّونه من قدرتهم على المعارضة، وما في عبارة «لَمْ تَفْعَلُوا» من إيجازٍ أغنى عن إعادة ذكر الإتيان بسورة، وما تُفيده جملة «وَلَنْ تَفْعَلُوا» من تأكيدٍ لاستحالة تحقيق ذلك.
ويُفْضِي العجز عن المعارضة إلى إثبات صدق الرِّسالة، ولذلك اقترن التَّحدِّي بالإنذار في قوله تعالى: «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ». فالأمر باتِّقاء النَّار يتضمَّن الدَّعوة إلى ترك العناد والكفر بعد ظهور الحُجَّة، ووصف وقودها بالنَّاس والحجارة يزيد من التَّهْوِيل والتَّحسير؛ إذ يُعذَّب المشركون مع الأصنام التي عبدوها من دون الله تعالى. ويَتَّصِل بهذا الإنذار وجهٌ آخر من وجوه الإعجاز، هو الإخبار بأنَّ المشركين لن يستطيعوا الإتيان بمثل القرآن، وقد تحقَّق ذلك، كما يُقَرِّر المؤلِّف، بعدم وقوع معارضةٍ ناجحةٍ له في عصر النُّبوَّة أو فيما تلاه. ويَجْمَع في تأييد هذا المعنى بين آيات التَّحدِّي في سُوَر الإسراء ويونس والقَصَص والبقرة، مُبَيِّنًا أنَّ التَّحدِّي وقع في مكَّة ثمَّ تجدَّد في المدينة، مع أنَّ العرب كانوا أهل فصاحةٍ وبلاغةٍ وبراعةٍ في الشِّعر والخطابة، وكانوا أشدَّ النَّاس حرصًا على إبطال دعوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويستشهد بأقوال الزَّمَخْشَرِيِّ والرَّازِيِّ والجَمَل والقَاسِمِيِّ في بيان هذه الوجوه، ليُقَرِّر أنَّ استمرار عجز العرب عن معارضة القرآن، على الرَّغم من توافر دواعي المعارضة وأسبابها، دليلٌ على إعجازه وأنَّه كلام الله تعالى المُنَزَّل تصديقًا لرسوله صلى الله عليه وسلم.