يَسْتَقْرِئ فهد بن عبد الرَّحمن بن سليمان الرُّوميُّ في كتاب «البدهيَّات في القرآن الكريم» الآياتِ التي تُقرِّر حقائقَ يدركها العقل ابتداءً، أو تُصرِّح بمعانٍ تُفهم بالضَّرورة ممَّا سبقها، باحثًا عن الأسرار البلاغيَّة والحِكَم التي اقتضت النَّصَّ على أمورٍ ظاهرةٍ لا تحتاج في ذاتها إلى بيان. ويُحَرِّر مفهوم البداهة، فيُبيِّن أنَّها معرفةٌ تحصل للنَّفس من غير نظرٍ أو استدلال، ويُميِّز بين البدهيَّات والمُسَلَّمات التي يُقِرُّ بها المتخاطبون وإن احتاج إدراكها إلى تأمُّلٍ واستدلال. ويُقسِّم البدهيَّات من حيث مصدر إدراكها إلى ما يُفهم من كلامٍ سابقٍ بوصفه نتيجةً لازمةً له، وما يستقلُّ العقل بإدراكه دون الاستناد إلى مقدِّمةٍ لفظيَّة، ثمَّ يُصنِّفها بحسب طبيعتها إلى بدهيَّاتٍ حسابيَّةٍ ولغويَّةٍ وعاديَّة، مستشهدًا بالآيات القرآنيَّة وأقوال المفسِّرين في توجيهها.
ويَبحث صلة البدهيَّات بعلم البلاغة، ولا سيَّما مبحثَي الإطناب والتَّوكيد، فيشرح مواضع الإطناب وأغراضه، والفروق بينه وبين التَّطويل والتَّكرير والتَّرادف، وما يجعل زيادة الألفاظ مقبولةً لما تؤدِّيه من فائدةٍ تقتضيها أحوال الخطاب. ويَعرض أقسام الإطناب في الجملة الواحدة والجُمَل المتعدِّدة، وما يتَّصل بها من الاعتراض والإيضاح والتَّتميم والتَّكميل والتَّذييل وغيرها من الأساليب، ثمَّ يتناول وسائل التَّوكيد المعنويِّ واللَّفظيِّ، وتوكيد الفعل بمصدره، والحال المؤكِّدة لعاملها، وأثر هذه الوسائل في تقرير المعاني وإزالة الشُّكوك ودفع الأوهام. ويُوضِّح أنَّ ورود المعنى الظَّاهر أو ذكر ما يُعلم من الكلام دون حاجةٍ إلى التَّصريح به لا يُعَدُّ حشوًا، بل قد يقتضيه المقام لتقوية المعنى، أو دفع احتمالٍ غير مراد، أو استحضار صورةٍ بعينها، أو المبالغة في التَّقرير والإنكار.
ويُفَصِّل البدهيَّات الحسابيَّة، فيتناول ما يُذكر فيه مجموع عددين بعد تفصيلهما، مع أنَّ حاصل جمعهما معلومٌ ابتداءً، مثل قوله تعالى: «تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ» بعد ذكر صيام ثلاثة أيَّامٍ وسبعةٍ، وقوله تعالى في ميقات موسى عليه السلام: «وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». ويَستعرض أقوال المفسِّرين في الحكمة من إجمال العدد بعد تفصيله، ومنها التَّوكيد، وإزالة احتمال التَّخيير، ودفع توهُّم دخول أحد العددين في الآخر، وتقرير العدد المقصود من وجهين. ويناقش اختلاف الزَّمَخْشَرِيِّ وأبي حيَّان والزَّجَّاج وغيرهم في توجيه هذه الأساليب والتَّرجيح بين معانيها. ويَدرس نوعًا آخر من البدهيَّات الحسابيَّة يتمثَّل في تكرار النِّسبة العدديَّة بعد اتِّضاحها، كما في آيات سورة الأنفال التي تُبيِّن نسبة المؤمنين الصَّابرين إلى أعدائهم قبل التَّخفيف وبعده، وقوله تعالى: «مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ»، مبيِّنًا ما ذكره العلماء من فوائد التَّقرير والتَّوكيد ومراعاة أحوال المخاطَبين.
ويَتَنَاوَل البدهيَّات اللُّغويَّة التي يُستفاد معناها من دلالة الألفاظ نفسها، فيبحث قوله تعالى: «أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ»، مع أنَّ الصَّيِّب لا يكون إلَّا من السَّماء، وما قيل في ذكرها من استحضار صورة المطر، والتَّهويل، وبيان شموله وارتفاع مصدره. ويُناقش قوله تعالى: «وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»، وما يقتضيه معنى العُثُوِّ من الإفساد، والفائدة البلاغيَّة من التَّصريح بالحال بعد دلالة الفعل عليها. ويَدرس قوله تعالى: «لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ»، مع دلالة صيغة التَّثنية على العدد، وما يُفيده ذكر «اثْنَيْنِ» من تأكيد النَّهي عن تعدُّد الآلهة وتوجيهه إلى العدد نفسه. ويَعرض ما قيل في قوله تعالى: «فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ»، مع أنَّ السَّقف لا يسقط إلَّا من فوق، وقوله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا»، مع دلالة الإسراء على السَّير ليلًا، فيُوازن بين توجيهات المفسِّرين في التَّوكيد والتَّصوير والتَّعظيم وتقليل زمن الإسراء، ويُبيِّن اختلاف الأنظار في تعليل هذه التَّعبيرات.
ويَخُصُّ البدهيَّات العاديَّة بدراسة ما يظهر معناه من الأمور المعروفة بالتَّجربة والعادة، ويُقسِّمها إلى خمسة أقسام: الجمع بين الشَّيء ولازمه، والجمع بين الشَّيء وآلته، وإثبات الشَّيء ونفي نقيضه، والأمر بالشَّيء والنَّهي عن نقيضه، والجملة الخبريَّة المعلومة الثُّبوت. ويَدرس في القسم الأوَّل قوله تعالى: «وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ»، مع أنَّ قتل الأنبياء لا يكون بحقٍّ، وما يُفيده التَّصريح بذلك من تشنيع فعل القاتلين وتأكيد قبحه. ويبحث في القسم الثَّاني قوله تعالى: «وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ»، وما يحقِّقه ذكر الجناحين من استحضار هيئة الطَّائر ونفي إرادة المعنى المجازيِّ للطَّيران. ويَتناول في القسم الثَّالث قوله تعالى: «أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ»، فيناقش الحكمة من نفي الحياة بعد إثبات الموت، وما يُفيده من تقرير عجز المعبودات الباطلة واستحالة الحياة عليها. ويَدرس في القسم الرَّابع قوله تعالى: «لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ»، وما في الجمع بين الأمر بالبيان والنَّهي عن الكتمان من توكيدٍ وبيانٍ لوجوب إظهار الحقِّ وعدم تحريفه أو إخفائه. ويختتم بالقسم الخامس، فيناقش قوله تعالى: «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ»، وما ورد في نظائره من نفي حضور النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أحداثَ الأمم السَّابقة، مع أنَّ عدم حضوره معلومٌ، مبيِّنًا وجه الاحتجاج بذلك على أنَّ إخباره بأحوالهم إنَّما كان بوحيٍ من الله تعالى. ويَعتمد الرُّوميُّ في تحليل هذه النَّماذج على الموازنة بين أقوال المفسِّرين والبلاغيِّين، ومناقشة تعليلاتهم والتَّرجيح بينها، للكشف عن دقائق البيان القرآنيِّ فيما يبدو من الألفاظ والمعاني بَدَهِيًّا لا يحتاج إلى إيضاح.