يُبيِّن ابن القيِّم في هذا الكتاب حقيقة النِّفاق وصفات المنافقين وخطرهم على الإيمان وأثر النِّفاق في الاعتقاد والعمل والسُّلوك مستدلًّا بالآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة. ويبدأ بتقسيم النِّفاق إلى أكبر وأصغر ويُوضِّح أنَّ النِّفاق الأكبر يقوم على إظهار الإيمان وإبطان الكفر وأنَّ خفاءه قد يبلغ بصاحبه أن يظنَّ نفسه مصلحًا وهو مفسد. ويستدلُّ بما ورد في أوَّل سورة البقرة من وصف المؤمنين والكافرين والمنافقين على شدَّة خطر هذه الطَّائفة وكثرة ابتلاء المسلمين بها. ثمَّ يتتبَّع صفاتها في آيات القرآن فيذكر مخالفة الظَّاهر للباطن والخداع والكذب وإظهار المودَّة للمؤمنين مع موالاة أعدائهم والاستهزاء بأهل الإيمان والاعتراض على الوحي والإعراض عن حكم الكتاب والسُّنَّة وتقديم الآراء والتَّأويلات الباطلة على النُّصوص الشَّرعيَّة. ويشرح الأمثال القرآنيَّة التي صوَّرت حال المنافقين بمن استوقد نارًا ثمَّ ذهب نورها وبمن أصابه صيِّب من السَّماء فيه ظلمات ورعد وبرق ويُبيِّن دلالتها على اضطراب قلوبهم وافتقادهم نور الهداية وعجزهم عن الانتفاع بالوحي.
ويُفصِّل المؤلِّف العلامات التي تظهر في عبادات المنافقين ومعاملاتهم فيذكر الرِّياء والكسل عن الصَّلاة وقلَّة ذكر الله والتَّخلُّف عن الجماعة وتأخير الصَّلوات والتَّهاون في أدائها. ويتناول تذبذبهم بين المؤمنين والكافرين وترقُّبهم ما يصيب أهل الإيمان من نصر أو هزيمة وإظهار الولاء لمن تتحقَّق لهم الغلبة والمنفعة. ويذكر من صفاتهم الأمر بالمنكر والنَّهي عن المعروف والبخل ونقض العهود وإخلاف الوعود والخيانة والفجور في الخصومة وكثرة الحلف لإخفاء حقيقة مقاصدهم. كما يُبيِّن ما في قلوبهم من كراهية النُّصوص الشَّرعيَّة والتَّثاقل عن الطَّاعات والفرح بما يُصيب المؤمنين من المصائب والحزن لما ينالونه من الخير. ويستشهد بآيات من سور النِّساء والتَّوبة والمنافقون ومحمَّد وغيرها لبيان هذه الصِّفات وما يترتَّب عليها من فساد الأعمال والحرمان من الهداية. ويُصوِّر ما ذكره القرآن من أحوال المنافقين يوم القيامة حين يُحشرون مع المؤمنين ثمَّ ينطفئ نورهم ويُحال بينهم وبين أهل الإيمان ويطلبون الاقتباس من نورهم فلا يجدون إليه سبيلًا بعد أن كانوا يُشاركونهم في ظاهر العبادات ويُخالفونهم في حقائق الإيمان.
ويختم ابن القيِّم بالتَّحذير من الاطمئنان إلى النَّفس والأمن من النِّفاق ويستشهد بخوف الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين على أنفسهم منه رغم ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصَّالح. ويذكر سؤال عمر بن الخطَّاب لحذيفة رضي الله عنهما عمَّا إذا كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد سمَّاه في المنافقين وما نقله ابن أبي مُليكة عن خوف عدد من الصَّحابة من النِّفاق. ثمَّ يُبيِّن أنَّ النِّفاق ينشأ من الكذب والرِّياء ويتغذَّى من ضعف البصيرة وضعف العزيمة حتَّى تستحكم آثاره في القلب والعمل. ويُعيد التَّنبيه إلى صفات المنافقين من قسوة القلب والإعراض عن الحقِّ والإسراع إلى الأهواء والتَّخلُّف عن الطَّاعة ونقض العهود ويستشهد بالآيات التي تُبيِّن كيف يُعاقَب من عاهد الله على الصَّدقة والصَّلاح ثمَّ أخلف وعده وبخل بما آتاه الله تعالى.