يُوَضِّح خالد بن عثمان السَّبْت في هذا الكتاب الأصولَ والقواعدَ وطُرُقَ الاستدلال التي تُعِين على استخراج المعاني والهدايات من القرآن الكريم، مُقْرِنًا كلَّ أصلٍ بتطبيقاتٍ تُظْهِر كيفيَّةَ الإفادة منه في تدبُّر الآيات وفَهْم دلالاتها. ويَعْتَمِد على نماذجَ من أقوال المُفَسِّرين والعلماء، مُنْتَقِيًا ما اشتملت عليه من استنباطاتٍ ووقفاتٍ تدبُّريَّةٍ، ومُرَتِّبًا إيَّاها بحسب الطُّرُق التي يُتَوَصَّل بها إلى المعاني. ويُبَيِّن أنَّ التَّدَبُّر لا يَنْحَصِر في قواعدَ محدَّدةٍ، وأنَّ مقاصدَ المُتَدَبِّرين تتنوَّع بين ترقيق القلوب والاتِّعاظ، ومعرفة أسماء الله تعالى وصفاته، واستخراج الحِكَم والأحكام والآداب، وأنَّ بعضَ هذه المقاصد يَحْتَاج إلى معرفةٍ بأصول التَّفسير وقواعد الاستدلال، في حين لا يَتَوَقَّف بعضُها الآخر على ذلك. كما يُؤَكِّد أنَّ الغاية من عرض هذه الأصول ليست استيعابَ مباحثها النَّظريَّة، وإنَّما بيانُ أثرها في التَّدَبُّر، وتدريبُ القارئ على رَبْط القاعدة بتطبيقها.
ويبدأ ببيان أهمِّيَّة النَّظر الإجماليِّ في آيات السُّورة قبل الانتقال إلى دقائق معانيها، وذلك بمعرفة الموضوعات التي تدور عليها، والمَقْصِد الأساس الذي تَنْتَظِم حوله موضوعاتُها، والمعنى العامِّ الذي نزلت الآية لتقريره. ويُورِد تطبيقاتٍ على سورة البقرة، مُبَيِّنًا ترابُطَ مباحثها في تقرير أصول الدِّين والتَّشريع، وعلى سُوَر العنكبوت والرَّحمن واللَّيل والكافرون والإخلاص والمُعَوِّذَتَيْن، لإيضاح كيفيَّة التَّوصُّل إلى المقاصد العامَّة للسُّوَر. ويُنَبِّه إلى أنَّ الاشتغال باللَّطائف البلاغيَّة والاستنباطات الدَّقيقة لا ينبغي أن يَصْرِف المُتَدَبِّر عن المعنى الأصليِّ للآية، بل يكون تابعًا له ومُكَمِّلًا لفَهْمه.
ويُفَصِّل طُرُقَ استخراج الهدايات القرآنيَّة من دلالات الألفاظ، مُفَرِّقًا بين دلالة المنطوق ودلالة المفهوم، ومُوَضِّحًا أقسامَ المنطوق الصَّريح من دلالتَي المُطَابَقَة والتَّضَمُّن، والمنطوق غير الصَّريح من دلالات الاقتضاء والإشارة والإيماء والتَّنبيه. كما يُبَيِّن مفهومَ المُوَافَقَة ومفهومَ المُخَالَفَة، وكيف يُسْتَفَاد من هذه الدَّلالات في استنباط المعاني والأحكام والآداب التي يَدُلُّ عليها النَّصُّ صراحةً أو لُزُومًا. ويَتَنَاوَل العمومَ والخُصوص، وما يَدْخُل فيهما من حَمْل اللَّفظ المُشْتَرَك على معانيه، وذِكْر العامِّ بعد الخاصِّ أو العكس، ومرجع الاستثناء، ثمَّ يُوَضِّح الإطلاقَ والتَّقييد وأثرَهما في تحديد المعاني المستفادة من الآيات. ويَسْتَعْرِض قواعدَ تفسيريَّةً، منها أنَّ «عَسَى» من الله تعالى واجبةُ الوقوع، وأنَّ الحُكْم المُعَلَّق على وَصْفٍ يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، وأنَّ زيادة المَبْنَى تدلُّ على زيادة المعنى، وأنَّ حَذْف المُتَعَلَّق قد يُفِيد العمومَ النِّسبيَّ. ويُورِد كذلك تطبيقاتٍ على قواعدَ قرآنيَّةٍ، منها أنَّ مَن تَرَك شيئًا لله تعالى عَوَّضَه خيرًا منه، وأنَّ الجزاء من جنس العمل، مُبَيِّنًا ما يَتَفَرَّع عن هذه القواعد من هداياتٍ تربويَّةٍ وسلوكيَّةٍ.
ويَعْرِض وجوهَ التَّناسُب بين السُّوَر والآيات، مُوَضِّحًا ما يُمْكِن استنباطُه من الصِّلَة بين السُّورة وما قبلها وما بعدها، وبين بدايتها وخاتمتها، وبين الآية والآيات المُجَاوِرَة لها، وما يَرْبِط الجُمَلَ والمقاطعَ القرآنيَّة بعضَها ببعضٍ. ويُعْنَى بالصِّلَة بين موضوع الآية وخاتمتها، وما في اختيار الأسماء الحسنى والصِّفات الإلهيَّة الواردة في ختامها من دلالاتٍ تتَّصل بمضمونها، إلى جانب ما يُسْتَفَاد من اقتران الأحكام والأوصاف والأعمال في سياقٍ واحدٍ. ويُنَبِّه إلى أنَّ هذه المناسبات من الفوائد المُكَمِّلَة التي لا يَتَوَقَّف عليها أصلُ فَهْم الآية، وأنَّ ما يُسْتَخْرَج منها لا ينبغي الجَزْم به أو التَّكَلُّف في إثباته.
ويُبَيِّن أثرَ النَّظر في النَّواحي اللُّغويَّة والبلاغيَّة في التَّدَبُّر، مُتَنَاوِلًا الحقيقةَ والمجازَ عند القائلين به، ومرجعَ الضَّمير، ودلالاتِ الإظهار في موضع الإضمار وعكسه، والالتفاتَ والفروقَ اللَّفظيَّة والمُتَشَابِهَ اللَّفظيَّ. ويُوَضِّح ما يُسْتَفَاد من اختلاف الجُمَل الاسميَّة والفعليَّة، وصِيَغ الألفاظ وتصاريفها، ومعاني الحروف والتَّضْمِين، وما يَتَّصِل بالتَّقدير والحذف والزِّيادة والتَّكرار والتَّقديم والتَّأخير وترتيب الألفاظ والمعاني. ويُورِد تطبيقاتٍ على الإيجاز والبَسْط والاستطراد والأمثال والتَّشبيهات، مُبَيِّنًا ما قد يَنْكَشِف بالنَّظر فيها من دقائق المعاني ولطائف التَّعبير القرآنيِّ. ويُؤَكِّد أنَّ كثيرًا من هذه الاستنباطات من قبيل اللَّطائف المُحْتَمَلَة، لا من المعاني التي يُقْطَع بأنَّ الآيات نزلت لتقريرها.
ويُفْرِد جملةً من الوقفات التَّدبُّريَّة التي لا تَنْدَرِج تحت القواعد والطُّرُق السَّابقة، ويُناقِش التَّفسيرَ الإشاريَّ، مُفَرِّقًا بين المعنى الظَّاهر للآية وما قد يُسْتَفَاد منها بطريق الإشارة والاعتبار. ويُوَضِّح شروطَ قبول هذه الإشارات، ومنها ألَّا تُنَاقِض معنى الآية، وأن تكون صحيحةً في نفسها، ولها صِلَةٌ معتبرةٌ باللَّفظ والمعنى، مع التَّنبيه إلى ما وَقَع في كثيرٍ من التَّفسيرات الإشاريَّة من تَكَلُّفٍ أو تحريفٍ. ثمَّ يَصِل التَّدَبُّرَ بالعمل والامتثال، مُورِدًا نماذجَ من تأثُّر السَّلَف بالآيات وتطبيقِهم هداياتِها في العبادة والأخلاق والسُّلوك، وما أَحْدَثَتْه تلاوةُ القرآن من مُحَاسَبَة النَّفس والتَّوبة والاستقامة. ويُضِيف إلى ذلك التَّفَكُّرَ في الآيات الكونيَّة المشهودة، كخَلْق الإنسان والحيوان وتعاقُب اللَّيل والنَّهار، مُبَيِّنًا الصِّلَة بين تدبُّر الآيات المتلوَّة والنَّظر في دلائل قدرة الله تعالى في خَلْقه. ويَنْتَهِي إلى أنَّ استخراج الهدايات القرآنيَّة منه ما يَتَطَلَّب معرفةَ طُرُق الدَّلالة وأصول الاستدلال، ومنه ما يَتَحَقَّق بالتَّأمُّل والاتِّعاظ والعمل، وأنَّ الجمع بين الفَهْم الصَّحيح والتَّطبيق العمليِّ من أهمِّ مقاصد تدبُّر القرآن الكريم.