كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي PDF
نبذة عن الكتاب:
يَسْتَدِلُّ مالك بن نَبِيٍّ في كتاب «الظَّاهرة القرآنيَّة» على المصدر الإلهيِّ للقرآن الكريم، من خلال دراسة الظَّاهرة الدِّينيَّة والنُّبوَّة، وتحليل سيرة النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأحوال تلقِّيه الوحي، ومناقشة التَّفسيرات التي تنسب القرآن إلى عبقريَّته الشَّخصيَّة أو إلى تأثُّره بالكتب الدِّينيَّة السَّابقة. ويَجْعَل التَّمييز بين شخص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والوحي الذي بلَّغه محورًا لدراسته، مُسْتَعِينًا بالشَّواهد النَّفسيَّة والتَّاريخيَّة، وخصائص النُّزول، والمقارنة بين القرآن والتَّوراة، وما تضمَّنه النَّصُّ القرآنيُّ من أخبارٍ وتشريعاتٍ وإشاراتٍ كونيَّة. ويَتَتَبَّع كذلك أثر القرآن في اللُّغة العربيَّة وبناء المجتمع الإسلاميِّ، ساعيًا إلى تقديم أدلَّةٍ عقليَّةٍ تُخَاطِب القارئ الحديث، ولا تقتصر على وجوه الإعجاز البلاغيِّ التي أدركها العرب الأوائل.
ويُمَهِّد مالك بن نَبِيٍّ لدراسة القرآن ببحث الظَّاهرة الدِّينيَّة بوصفها ظاهرةً ملازمةً للتَّاريخ الإنسانيِّ، تظهر في المجتمعات والحضارات على اختلاف درجاتها من البداوة والتَّقدُّم. ويُقَابِل بين المذهب المادِّيِّ الذي يَجْعَل المادَّةَ أصلَ الوجود ومصدرَ الظَّواهر الطَّبيعيَّة، والمذهب الغيبيِّ الذي يُقِرُّ بوجود خالقٍ مُدَبِّرٍ للكون. ويَسْتَعِين بمباحث من الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك لمناقشة ما يُسْنِده المادِّيُّون إلى قوانين المادَّة، وما تَطْرَحُه نشأة الحياة وتنوُّع الموجودات من أسئلةٍ عن العِلَّة الأولى وانتظام الكون. ويُحَذِّر من الخلط بين اكتشاف القوانين التي تسير عليها الظَّواهر وبين إثبات أنَّ المادَّة تُفَسِّر وجودها بنفسها، مُؤَكِّدًا أنَّ حدود المعرفة العلميَّة لا تُجِيز نفي ما يَقَع خارج نطاق الملاحظة والتَّجربة. ومن هذه المقارنة ينتقل إلى النُّبوَّة بوصفها ظاهرةً دينيَّةً متكرِّرةً في تاريخ الرِّسالات، يُمْكِن البحث في خصائصها من خلال سِيَر الأنبياء عليهم السلام وشهاداتهم عن أحوالهم عند تلقِّي الوحي. ويُناقش التَّفسيرات التي تَرُدُّ النُّبوَّة إلى الاضطرابات النَّفسيَّة أو التَّخيُّل أو انقسام الشَّخصيَّة، ويُفَرِّق بين النَّبيِّ الذي تَقْهَرُه الرِّسالة على تبليغ ما أُوحي إليه، ومُدَّعي النُّبوَّة الذي يتَّبع رغباته أو مصالح قومه. ويَتَّخِذ من أخبار أَرْمِيَا عليه السلام ومواجهته لمُدَّعي النُّبوَّة حَنَنِيَا مثالًا للمقارنة؛ فيَسْتَخْلِص من موقفه ثلاث خصائصَ للنُّبوَّة: القهر النَّفسيُّ الذي يَحْمِل النَّبيَّ على أداء رسالته رغم ما يُلاقِيه من أذًى، والإخبار بأحداثٍ مستقبليَّةٍ لا يُفَسِّرها التَّوقُّع المعتاد، واستمرار السِّمات النَّبويَّة وتَشَابُهها في الرِّسالات المختلفة. ويَجْعَل هذه الخصائص أساسًا للنَّظر في الوحي الذي تلقَّاه النَّبيُّ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، والبحث عمَّا إذا كان ناشئًا من ذاته أو مستقلًّا عنها.
وللتَّثبُّت من المصادر التي تقوم عليها الدِّراسة، يُقَارِن المؤلِّف تاريخَ حفظ القرآن الكريم ونقله بتاريخ تدوين الكتب الدِّينيَّة السَّابقة، مُقَرِّرًا أنَّ النَّصَّ القرآنيَّ يتميَّز بثبوت نقله منذ العصر النَّبويِّ. ويَسْتَعْرِض ما جرى من حفظ الآيات في صدور النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابة رضي الله عنهم، وكتابتها عند نزولها، ثمَّ جمع القرآن في عهد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بإشراف زيد بن ثابت رضي الله عنه، وما اتُّخِذ من احتياطاتٍ في مقابلة المحفوظ بالمكتوب والتَّثبُّت من النُّصوص. ويتَّصل بذلك ما قام به عثمان بن عفَّان رضي الله عنه من جمع النَّاس على المصاحف، وصيانة القراءة من الاختلاف الذي نشأ بين المسلمين. ويَجْعَل المؤلِّف هذا التَّاريخَ دليلًا على صلاحيَّة القرآن للاعتماد عليه وثيقةً أصيلةً في دراسة الظَّاهرة التي يَتَنَاوَلها. وفي المقابل، يُمَيِّز بين القرآن والسُّنَّة النَّبويَّة من جهة تاريخ التَّدوين وطرائق التَّوثيق؛ فيُبَيِّن ما واجهه المحدِّثون من اختلاط الأخبار الصَّحيحة بالضَّعيفة والموضوعة، وما أَقَاموه من قواعدَ لفحص الأسانيد وأحوال الرُّواة والتَّحقُّق من اتِّصال الأخبار. ويُؤَكِّد أنَّ استخدام السُّنَّة في البحث التَّاريخيِّ يقتضي مراعاة درجات صحَّة الرِّوايات، فلا يُعَامَل كلُّ ما نُقِل عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم معاملةً واحدة، كما لا يصحُّ إهدار المصادر الحديثيَّة الصَّحيحة لمجرَّد التَّشكيك في بعض المرويَّات.
وتقوم الدِّراسة النَّفسيَّة لشخصيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على تَتَبُّع حياته في مرحلتَيْن رئيسَتَيْن: ما قبل البعثة، وعصر نزول القرآن الكريم، مع التَّمييز في المرحلة الثَّانية بين العهدَيْن المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ. ويَسْتَعْرِض المؤلِّف ما ورد في أخبار طفولته ونشأته وكفالة جدِّه وعمِّه له، وعمله في الرَّعي والتِّجارة، ورحلته إلى الشَّام، وما رُوي عن لقائه بالرَّاهب بَحِيرَى، ثمَّ زواجه من خديجة رضي الله عنها، وميله إلى التَّعبُّد والتَّأمُّل. ويُناقش ما افترضه بعض المستشرقين من أنَّ فترة تعبُّده في غار حِرَاء كانت زمنًا لتكوين أفكارٍ دينيَّةٍ تَطَوَّرَت حتَّى ظهرت في صورة القرآن، ويبحث ما تَكْشِف عنه السِّيرة من أحواله الفكريَّة والنَّفسيَّة قبل نزول الوحي. ويُبْرِز أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن معروفًا بممارسة التَّأليف أو دراسة الكتب اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، ولم تُسَجِّل حياته السَّابقة مشروعًا دينيًّا متكاملًا يَسْعَى إلى نشره. ثمَّ يَتَوَقَّف عند لحظة نزول الوحي الأوَّل، وما صاحبها من مفاجأةٍ واضطرابٍ وخوفٍ، ورجوعه إلى خديجة رضي الله عنها، ثمَّ ما أعقب ذلك من انقطاع الوحي وعودته. ويُحَاوِل تفسير هذه الوقائع من جهة العلاقة بين إرادة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وما يَطْرَأ عليه من أحداثٍ لا يَمْلِك استدعاءها أو تحديد أوقاتها، مُسْتَدِلًّا بها على أنَّ الوحي لم يكن ثمرةَ إعدادٍ نفسيٍّ مقصودٍ أو استجابةً تلقائيَّةً لرغباته.
وفي تتبُّع الدَّعوة المَكِّيَّة والمَدَنِيَّة، يُبْرِز مالك بن نَبِيٍّ ما لاقاه الرَّسول صلى الله عليه وسلم من مقاومة قريش وسخريتها واضطهادها للمؤمنين، وما مرَّ به من حصارٍ وفَقْدٍ للأعوان، ورحلته إلى الطَّائف وما قُوبِل به من أذًى، ثمَّ ما جرى من مبايعة الأنصار والهجرة إلى المدينة. ويَتَوَقَّف عند موقفه صلى الله عليه وسلم في غار ثَوْر، وما أبداه من سكينةٍ وثقةٍ بالله تعالى مع اقتراب المطاردين منه ومن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، مُعْتَبِرًا هذا السُّلوك شاهدًا على صدق اعتقاده بالرِّسالة التي يَحْمِلها. وأمَّا في المدينة، فيَتَتَبَّع تحوُّل الدَّعوة إلى بناء مجتمعٍ جديدٍ يتطلَّب التَّشريع والتَّنظيم والقيادة، وما صاحَب ذلك من مواجهة الخصومات الدَّاخليَّة والأخطار الخارجيَّة. ويُناقش مواقف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وتعاملَه مع المنافقين واليهود، وما عَرَض له من قضايا تستلزم إصدار أحكامٍ وقرارات. ومن خلال هذه الوقائع يَسْعَى إلى التَّعرُّف على صفاته العقليَّة والخُلُقيَّة، وقدرته على التَّدبير والتَّمييز بين المصالح، ومدى استقلاله في الرَّأي والعمل، حتَّى يُمْكِنه بعد ذلك أن يُقَارِن بين ما يَصْدُر عنه بوصفه إنسانًا يُفَكِّر ويَخْتَار، وما يَتَلَقَّاه من القرآن بوصفه وحيًا مُلْزِمًا لا يَتَحَكَّم في مواعيد نزوله أو مضمونه.
ويتوسَّع الكتاب في بحث كيفيَّة الوحي، مُنَاقِشًا محاولات تفسيره بالمُكَاشَفَة النَّفسيَّة أو الإلهام أو ظواهر اللَّاشعور. ويُفَرِّق مالك بن نَبِيٍّ بين المعرفة التي تَنْبَثِق من تفكير الإنسان وتجاربه السَّابقة، والمعرفة التي يَتَلَقَّاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم دون أن تكون نتيجةً لبحثٍ شَغَلَه أو موضوعٍ فَكَّر فيه من قبل. ويُقَابِل بين ما يصحب الوحي من إدراكٍ سمعيٍّ أو بصريٍّ وأعراضٍ جسديَّة، وبين الحالات النَّفسيَّة والعصبيَّة التي يُحَاوِل بعض الباحثين ردَّ الوحي إليها، مُسْتَعِينًا بما ورد من اشتداد الوحي عليه صلى الله عليه وسلم، وتغيُّر حاله وتصبُّب العرق منه عند تلقِّيه. كما يَتَوَقَّف عند قدرته على التَّمييز بين الآيات القرآنيَّة التي يَأْمُر بكتابتها وحفظها، وبين كلامه النَّبويِّ الذي يَنْطِق به في أحواله المعتادة، ويَجْعَل هذا التَّمييز قرينةً على إدراكه اختلافَ المصدرَيْن. ويُناقش تعريف محمَّد عَبْدُه للوحي والفروق بينه وبين الإلهام، ثمَّ يبحث كيف نشأ لدى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اليقينُ بأنَّ ما يَتَلَقَّاه خارجٌ عن ذاته. ويُقِيم هذا البحث على مقياسَيْن متكاملَيْن: مقياسٍ ظاهريٍّ يَتَعَلَّق بالأحداث المحسوسة المصاحبة للوحي، ومقياسٍ عقليٍّ يستند إلى التَّأمُّل في مضمون ما نزل وما يَنْتُج عنه من معرفةٍ لا يَرُدُّها إلى التَّجربة الشَّخصيَّة. ويَسْتَخْلِص من اجتماعهما أنَّ اقتناع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بصدق الوحي لم يكن اعتقادًا ناشئًا من مجرَّد الانفعال، بل صاحَبَه في عرض المؤلِّف تَثَبُّتٌ من أحوال التَّلقِّي ومن طبيعة المعرفة التي وصلته.
ويَجْعَل مالك بن نَبِيٍّ العلاقةَ بين الذَّات المحمَّديَّة والظَّاهرة القرآنيَّة محورًا للموازنة بين الأفكار الإنسانيَّة وأفكار الوحي. ويُناقش التَّفسير الذي يَنْسُب القرآن إلى عبقريَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو إلى ذاتٍ نفسيَّةٍ أخرى مُفْتَرَضَةٍ تعمل في لاشعوره، مُبَيِّنًا ما يَجِدُه في هذه الفُرُوض من صعوبةٍ في تفسير انتظام الرِّسالة واتِّساع معارفها واستمرارها طوال زمن النُّبوَّة. ويُؤَكِّد أنَّ النَّظر في النَّفس البشريَّة يقتضي التَّمييز بين الأفكار التي يَمْكِن ردُّها إلى إدراك الإنسان وماضيه ومحيطه، وبين المعلومات التي لا يَثْبُت أنَّه عرفها أو تلقَّاها من مصدرٍ بشريٍّ. ويستدلُّ لذلك باستقلال القرآن عن رغبات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في مناسباتٍ متعدِّدة، وبما يَتَضَمَّنه من توجيهاتٍ وأحكامٍ لا تَنْبَثِق من حساباته الشَّخصيَّة أو حاجاته العاجلة. ويُبْرِز كذلك التَّباين بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النَّبويِّ، وما في ذلك من تميُّزٍ بين ما يَتْلُوه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بوصفه وحيًا، وما يَصْدُر عنه من كلامٍ في شؤون الدَّعوة والحياة. وينتهي من هذه المقارنة إلى رفض المعادلة التي تَجْعَل الأفكار القرآنيَّة امتدادًا مباشرًا للأفكار المحمَّديَّة، وإلى اعتبار استقلال المصدر التَّفسيريِّ للقرآن أصلًا تقوم عليه بقيَّة أدلَّته.
ومن الخصائص التي يَتَوَقَّف عندها المؤلِّف تنجيمُ القرآن الكريم، أي نزوله مُفَرَّقًا على امتداد ثلاثةٍ وعشرين عامًا، مع تفاوت الفترات بين الوحي والوحي، واختلاف مقدار ما ينزل من الآيات. ويُبَيِّن أنَّ هذا التَّدرُّج كان له أثرٌ عظيمٌ في تربية الجماعة المؤمنة وتوجيهها، ومواكبة الوقائع التي تَطْرَأ عليها، وتثبيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في أوقات الشِّدَّة والابتلاء. ويَسْتَدِلُّ بتأخُّر الوحي في بعض المواقف التي كانت الحاجة فيها مُلِحَّةً إلى جوابٍ حاسم، ومنها انتظار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الإذن بالهجرة، وحادثة الإفك التي تأخَّرت فيها تبرئة عائشة رضي الله عنها، ليُبَيِّن أنَّ نزول القرآن لم يكن تابعًا لإرادة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو لمقتضيات مصلحته الشَّخصيَّة. وإلى جانب التَّنجيم، يَبحث ما يُسَمِّيه «الوَحْدَة الكَمِّيَّة» للوحي؛ إذ قد تكون الوَحْدَةُ آيةً واحدةً أو مجموعةً من الآيات أو سورةً كاملة، ومع ذلك يَظْهَر فيها نظامٌ دقيقٌ للأفكار والأحكام لا يُفَسَّر عنده بمجرد التَّفكير العارض في لحظة التَّلقِّي. ويَتَّخِذ من آية المُحَرَّمَات من النِّساء في سورة النِّساء مثالًا للوَحْدَة التَّشريعيَّة، فيُبَيِّن ما اشتملت عليه من تعدادٍ وتصنيفٍ لأحوال القرابة والرَّضَاع والمُصَاهَرَة، وما يَجْعَلها نظامًا تشريعيًّا مُحْكَمًا في ألفاظٍ محدودة. ثمَّ يَتَّخِذ من الآية الأولى في سورة المنافقون مثالًا للوَحْدَة التَّاريخيَّة، فيُفَصِّل طريقة ترتيب الفقرات، وانتقالها بين حكاية قول المنافقين، وتقرير صدق الرَّسول صلى الله عليه وسلم، والكشف عن كذبهم، مُوَضِّحًا دقَّة البناء المنطقيِّ في النَّصِّ القرآنيِّ.
وللصُّورة الأدبيَّة للقرآن الكريم نصيبٌ من البحث، وإن لم يَجْعَلها المؤلِّف دليلَه الوحيد على مصدر الوحي. ويَسْتَعْرِض مكانة الشِّعر والبيان في المجتمع العربيِّ قبل الإسلام، وما بلغته اللُّغة من قدرةٍ على التَّصوير والتَّعبير عن المشاعر والمواقف، ثمَّ يُقَابِل ذلك بما جاء به القرآن من نَظْمٍ يَخْتَلِف عن أوزان الشِّعر وأساليب الخطابة المألوفة. ويَسْتَدِلُّ بآيات التَّحدِّي، وما نُقِل من تأثُّر العرب بالقرآن، ولا سيَّما موقف الوليد بن المُغِيرَة وما أبداه من إعجابٍ ببيانه، على إدراك المخاطَبين الأوائل تميُّزَه عن الكلام البشريِّ. ثمَّ يَبحث ما أحدثه القرآن من تحوُّلٍ في استعمال العربيَّة، حين نَقَلها من التَّعبير عن الحياة القبليَّة ومشاهد الصَّحراء إلى حمل المعاني العقديَّة والتَّشريعيَّة والاجتماعيَّة والكونيَّة التي جاءت بها الرِّسالة. ويُناقش ما أُدْخِل في الاستعمال القرآنيِّ من ألفاظٍ وتراكيبَ للتَّعبير عن المعاني الجديدة، وما طرأ على بعض الألفاظ المعروفة من تخصيصٍ أو توسيعٍ في الدَّلالة، مُستَشْهِدًا بتعبيراتٍ مثل «أَيَّام الله» و«رُوح القُدُس»، وباختيار لقب «العَزِيز» في قصَّة يوسف عليه السلام. ويُؤَكِّد أنَّ هذه التَّحوُّلات اللُّغويَّة ترتبط بطبيعة الرِّسالة التي تجاوزت البيئة العربيَّة الأولى إلى خطابٍ إنسانيٍّ أوسع، وأنَّ النَّظر في المفردات والأساليب وحدها لا يستوفي حقيقة التَّغيُّر الذي أحدثه القرآن في الفكر والحضارة.
وأمَّا مضمون الرِّسالة، فيَجْعَل المؤلِّف اتِّساعَ موضوعاته وتنوُّعَها شاهدًا آخر على استقلال القرآن عن المعارف المتاحة في عصر النُّبوَّة؛ إذ يجمع بين الحديث عن الخلق والكون والحياة، وأحوال النَّفس البشريَّة، والعقائد والأخلاق والتَّشريعات، وتاريخ الأمم والأنبياء عليهم السلام، وما يتعلَّق بالموت والبعث والجزاء. ويَخُصُّ علاقة القرآن بالكتاب المقدَّس بدراسةٍ تُفَرِّق بين الاشتراك في أصل الرِّسالة التَّوحيديَّة وبين دعوى الاقتباس المباشر. فالقرآن يُقَرِّر صلته بالتَّوراة والإنجيل، ويُصَدِّق أصلَ الوحي السَّابق، لكنَّه يَحْتَفِظ في عرضه للعقائد والأخبار والأحكام بخصائصَ تُمَيِّزه عن النُّصوص اليهوديَّة والنَّصرانيَّة. ويَسْتَعْرِض هذه الخصائص في مباحث ما وراء الطَّبيعة، فيُقَابِل بين التَّوحيد القرآنيِّ وما يورده من تصوُّراتٍ عن الإله في بعض نصوص العهد القديم، وفي المسائل الكونيَّة يُقارن بين تصوير الخلق في سفر التَّكوين والآيات المتعلِّقة بخلق السَّماوات والأرض ونشأة الحياة. وفي الأخلاق يَجْعَل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر مبدأً إيجابيًّا يُضَاف إلى مبادئ الأخلاق الدِّينيَّة السَّابقة، وفي الشُّؤون الاجتماعيَّة يُبْرِز اتِّجاه التَّشريع القرآنيِّ إلى معالجة العلاقات الإنسانيَّة على أساسٍ يتجاوز الحدود القوميَّة، مع الاستشهاد بما ورد في حرمة النَّفس البشريَّة، والعدل، وتحرير الرِّقاب. وتَتَكَرَّر في هذه المقارنات عنايته بإظهار ما يَعُدُّه انتقالًا من التَّوجيهات الخاصَّة بأممٍ بعينها إلى مبادئَ تتناول الإنسان بصفته الإنسانيَّة العامَّة.
ويبلغ البحث المقارن ذروته في دراسة قصَّة يوسف عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم وسفر التَّكوين؛ إذ يَضَع المؤلِّف الرِّوايتَيْن جنبًا إلى جنب، ويُقَارِن بين أحداثهما وشخصيَّاتهما وتفاصيلهما وأساليب عرضهما. ويُلاحِظ اشتراكهما في الأصل العامِّ للقصَّة، مع اختلافهما في تصوير شخصيَّة يعقوب عليه السلام ومشاعره عند فَقْد ابنه، وموقف يوسف عليه السلام من امرأة العزيز، وما جرى في السِّجن من دعوةٍ إلى التَّوحيد وتأويلٍ للرُّؤَى، ثمَّ في طريقة انتهاء القصَّة وبيان الحكمة منها. ويُؤَكِّد أنَّ الرِّواية القرآنيَّة تُبْرِز الجانب الرُّوحيَّ والأخلاقيَّ للشَّخصيَّات والأحداث، بينما تَتَوَسَّع الرِّواية التَّوراتيَّة في بعض التَّفصيلات المتعلِّقة بتاريخ بني إسرائيل وإقامتهم في مصر. كما يُناقش فروقًا تاريخيَّةً ولغويَّةً بين الرِّوايتَيْن، وما يُورده من ملاحظاتٍ بشأن وسائل سفر إخوة يوسف عليه السلام والعلاقات بين المصريِّين والعبرانيِّين، وما يمكن أن يَكْشِف عنه اختلاف هذه التَّفاصيل من استقلال كلِّ روايةٍ في طريقة عرضها. ويَتَّخِذ من هذه الموازنة مدخلًا لنقض فرضَيْن في تفسير التَّشابه بين القرآن والكتب السَّابقة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد تَشَرَّب المعتقدات اليهوديَّة والنَّصرانيَّة من بيئته دون وعيٍ مباشر، أو أنَّه تَعَلَّم الكتب السَّابقة من أشخاصٍ عَرَفَهم ثمَّ استعمل ما أَخَذَه عنهم في تأليف القرآن. ويُناقش الفرض الأوَّل من جهة طبيعة البيئة المَكِّيَّة وانتشار المعرفة الدِّينيَّة فيها، وما يورده من شواهدَ بشأن ندرة النُّصوص الكتابيَّة المترجمة إلى العربيَّة في ذلك العصر. وأمَّا الفرض الثَّاني، فيَفْحَصه على ضوء ما قَرَّره من أُمِّيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وثبوت أمانته وصِدْقه، وقوَّة ذاكرته، وما يَلْزَم عن افتراض تعلُّمه النُّصوص السَّابقة ثمَّ نسيانه مصدر تلك المعرفة نسيانًا تامًّا. ويَخْلُص من ذلك إلى أنَّ التَّشابه في بعض الأخبار لا يَكْفِي لإثبات الاقتباس البشريِّ، وأنَّ الفروق بين الرِّوايتَيْن ينبغي أن تُدْرَس إلى جانب وجوه الاتِّفاق، لا أن تُهْمَل عند تفسير العلاقة بينهما.
وفي دراسة المواقف القرآنيَّة، يَسْتَدِلُّ المؤلِّف بما يُسَمِّيه «إرهاص القرآن» على وجود تنظيمٍ سابقٍ للمعرفة التي يَتَضَمَّنها الوحي، وما يَظْهَر في بعض الآيات من إشارةٍ إلى أخبارٍ ستُبْيَّن تفاصيلها في مواضعَ لاحقة. ثمَّ يُناقش ما يَصِفُه بـ«المناقضات»، قاصدًا بها المواضع التي يُخَالِف فيها الوحيُ المصلحةَ الشَّخصيَّةَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو ما كان يُمْكِن أن يَصْدُر عن تفكيره المعتاد. ومن شواهد ذلك النَّهي عن الاستعجال في تلقِّي القرآن وتحريك اللِّسان به عند نزوله، وما فيه من توجيهٍ يُقَيِّد سلوك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في لحظة التَّلقِّي نفسها. ويُعَوِّل كذلك على حادثة الإفك، وما تَضَمَّنَتْه من تأخُّر نزول الآيات التي بَرَّأَت عائشة رضي الله عنها، مع شدَّة حاجة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى حسم الأمر وإزالة ما أَثَارَه المنافقون من اتِّهامات. ويَجْعَل هذا التَّأخُّر، ثمَّ نزولَ أحكامٍ قاطعةٍ تَتَجَاوَز الظَّرفَ الشَّخصيَّ إلى تقرير قواعدَ عامَّة، من الأدلَّة على أنَّ النَّصَّ القرآنيَّ لا يَتَشَكَّل وفق الرَّغبات الإنسانيَّة العارضة. وفي مقابل هذه المواضع، يَبحث ما يُسَمِّيه «الموافقات»، وهي التَّعبيرات القرآنيَّة التي يَرْبِط بينها وبين معارفَ علميَّةٍ لم تكن متداولةً في عصر النُّبوَّة، مُحَاوِلًا بيان ما يَسْتَخْلِصه من توافُقٍ بين بعض الآيات والحقائق الكونيَّة.
وتشمل هذه المقارنات العلميَّة مسائلَ تتعلَّق بهيئة الأرض وحركتها، إذ يُفَسِّر المؤلِّف قوله تعالى: «نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا» على صلةٍ بالشَّكل البيضويِّ للأرض وتفلطح قطبَيْها، ويَربط قوله تعالى: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» بحركة الأرض، مُقَارِنًا هذه المعاني بما عُرِف في تاريخ الفلك عن تصوُّرات حركة الأجرام السَّماويَّة. ويَتَطَرَّق إلى حركة الشَّمس والقمر وتعاقب اللَّيل والنَّهار، وإلى ما يَسْتَنْبِطه من آيات الظِّلِّ والضَّوء بشأن انكسار الأشعَّة في الغلاف الجوِّيِّ، وما ورد في ضيق الصَّدر عند الصُّعود في السَّماء من صلةٍ بتناقص الضَّغط الجويِّ. ويَتَناول نشأة الحياة والإنسان من جهة ما ورد في القرآن عن الطِّين والماء، وما يعرضه علم الأحياء من تصوُّراتٍ عن الخلايا الأولى وتطوُّر الكائنات الحيَّة، كما يُناقش الآيات المتعلِّقة بمغرب الشَّمس، وما يُمْكِن استخلاصه من دلالاتها الجغرافيَّة. ولآية النُّور تفسيرٌ خاصٌّ يَربط فيه بين صورة المصباح والزُّجاجة والزَّيت الذي يكاد يُضِيء دون أن تَمَسَّه نار، وبين بعض خصائص الإضاءة الكهربائيَّة، ويَتَوَقَّف كذلك عند قوله تعالى: «وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» وما يربطه به من اتِّساع الكون، مستعينًا بما عُرِف في عصره من أبحاث هابل ولومتر. وهذه المقارنات تُمَثِّل اجتهادات المؤلِّف في التَّفسير العلميِّ، وقد ارتبط بعضُها بنظريَّاتٍ ومعارفَ سائدةٍ زمن تأليفه، فلا يلزم من إيرادها ثبوتُها علميًّا أو صحَّةُ حمل الآيات عليها على وجه القطع.
ويَخْتَصُّ المجاز القرآنيُّ ببحثٍ يتَّصل بعلاقة الصُّورة البلاغيَّة بالبيئة التي تنشأ فيها؛ فالشَّاعر العربيُّ يستمدُّ كثيرًا من تشبيهاته واستعاراته من مشاهد الصَّحراء وما يَعْرِفه من حيوانٍ ونباتٍ وطبيعة، بينما يَجِد المؤلِّف في القرآن صُوَرًا تَتَجَاوَز ما أَلِفَه العرب من مشاهد بيئتهم. ويُقَارِن في هذا السِّياق بين تشبيهات امرئ القيس المستمدَّة من الفرس والسَّيْل والصَّخر، وبين المجاز القرآنيِّ الذي يَسْتَحْضِر مشاهدَ متنوِّعةً من العالم الطَّبيعيِّ. ويَتَّخِذ من سورة النُّور مثالَيْن متقابلَيْن؛ أوَّلهما قوله تعالى في أعمال الكافرين: «كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً»، وهو تصويرٌ يرتبط بمشهدٍ مألوفٍ في الصَّحراء العربيَّة، وثانيهما قوله تعالى: «أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ»، حيث يَسْتَدِلُّ بوصف الظُّلمات المتراكبة والأمواج المتعدِّدة على أنَّ الصُّورة تَتَجَاوَز التَّجربة البحريَّة المألوفة في شبه الجزيرة العربيَّة. ويَربط هذا الوصف بما عُرِف في دراسة أعماق البحار وخصائص الضَّوء فيها، مُقَدِّمًا ذلك مثالًا على اجتماع الجمال البيانيِّ والمعرفة الكونيَّة في النَّصِّ القرآنيِّ.
وتنتهي الدِّراسة ببحث القيمة الاجتماعيَّة للأفكار القرآنيَّة، من خلال المقارنة بين أثر التَّشريع الإلهيِّ وأثر التَّشريعات الوضعيَّة في معالجة المشكلات الإنسانيَّة. ويَتَّخِذ مالك بن نَبِيٍّ من تحريم الخمر مثالًا رئيسًا، فيَتَتَبَّع مراحل التَّشريع القرآنيِّ، ابتداءً ببيان أنَّ إثم الخمر والمَيْسِر أكبر من نفعهما، ثمَّ النَّهي عن قُرْب الصَّلاة في حال السُّكْر، وصولًا إلى الأمر باجتناب الخمر اجتنابًا قاطعًا. ويُفَسِّر هذا التَّدرُّج في ضوء أثره النَّفسيِّ والتَّربويِّ؛ فالمرحلة الأولى تُثير الوعي بأضرار الخمر، والثَّانية تُهَيِّئ النُّفوس للتَّخلُّص من الاعتياد عليها، والثَّالثة تُقَرِّر التَّحريم النِّهائيَّ بعد تَكَوُّن الاستعداد الخُلُقيِّ لقبوله. ويُقَابِل ذلك بتجربة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في حظر المشروبات المُسْكِرَة، ابتداءً بالتَّعديل الدُّستوريِّ الثَّامن عشر وقانون فولستد، وما استُخْدِم لتنفيذ الحظر من أجهزة الرَّقابة والسُّلطة، ثمَّ ما آل إليه الأمر من إلغاء التَّشريع بعد تعثُّر تحقيق مقاصده. ويَجْعَل الفارقَ بين التَّجربتَيْن قائمًا على سبق التَّربية النَّفسيَّة وإصلاح الضَّمير للتَّحريم القرآنيِّ، في مقابل الاعتماد على الإكراه القانونيِّ ووسائل الرَّقابة قبل إعداد المجتمع لتقبُّل الحكم. ومن هذه الموازنة يَسْتَخْلِص أنَّ القرآن لا يُقَدِّم تصوُّراتٍ عقديَّةً وأخلاقيَّةً فحسب، بل يُنْشِئ منهجًا لتغيير الإنسان والمجتمع، تتكامل فيه الفكرة الدِّينيَّة والتَّربية النَّفسيَّة والتَّشريع والعمل. وتلتقي مباحث الكتاب جميعها عند تقرير أنَّ الظَّاهرة القرآنيَّة لا تُفَسَّر تفسيرًا كافيًا بعوامل التَّاريخ أو البيئة أو العبقريَّة الإنسانيَّة أو اللَّاشعور، وأنَّ استقلال الوحي عن الذَّات المحمَّديَّة، وما يَتَّسِم به القرآن من انتظامٍ في النُّزول والمضمون وأثرٍ في بناء الحضارة، يُشَكِّل في منهج المؤلِّف أساسًا عقليًّا لإثبات مصدره الإلهيِّ وصدق الرِّسالة المحمَّديَّة.