
نبذة عن الكتاب:
يردُّ محمَّد ناصر الدِّين الألباني في هذا الكتاب على رسالة عبد الله الحبشي «التَّعقيب الحثيث على من طعن فيما صحَّ من الحديث»، التي ناقشه فيها في ثلاثة أحاديث تتعلَّق بالسُّبحة والتَّسبيح بالحصى والنَّوى. وكان الألباني قد حكم بوضع حديث «نعم المذكِّر السُّبحة»، وبضعف حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه وحديث صفيَّة رضي الله عنها في التَّسبيح بالحصى أو النَّوى، بينما رأى الحبشي أنَّ الأوَّل ضعيف غير موضوع، وأنَّ الحديثين الآخرين صحيحان، وبنى على ذلك القول بمشروعيَّة عدِّ الذِّكر بالسُّبحة.
ويحدِّد الألباني موضع الخلاف ابتداءً في هذه الأحاديث الثلاثة، ثمَّ يجعل المناقشة أوسع من الحكم عليها، فيبحث القواعد الحديثيَّة التي بُني عليها التَّصحيح والتَّضعيف. فيناقش متى يُحكَم على الحديث بالوضع، والفرق بين رواية الكذَّاب والمتَّهم بالكذب وفاحش الغلط، ويردُّ القول بأنَّ وجود راوٍ كذَّاب لا يكفي للحكم على طريقه بالوضع، مستندًا إلى مراتب الجرح عند المحدِّثين وإلى كلام ابن حجر وغيره.
ويتناول حديث «نعم المذكِّر السُّبحة» من جهة الإسناد والمتن معًا، فيؤكِّد أنَّه لم يحكم بوضعه لمجرَّد جهالة بعض رواته أو نكارتهم، بل حكم أولًا بضعف إسناده، ثمَّ رأى في متنه قرائن إضافيَّة تدلُّ عنده على وضعه. ومن هذه القرائن أنَّ السُّبحة لم تكن معروفة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على الصُّورة التي يدلُّ عليها الحديث، وأنَّ السُّنَّة العمليَّة الواردة في عدِّ الذِّكر كانت العقد بالأنامل.
ويناقش احتجاج الحبشي بإمكان أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء لم يكن معروفًا في عصره، ويفرِّق بين الإخبار عن أمور ستقع في المستقبل وبين الحضِّ على عبادة بآلة لم تكن موجودة يومئذ. كما يناقش استدلاله بحديث نزول عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، مبيِّنًا أنَّ الحديث إخبار عن أمر غيبي لا أمر باستعمال شيء مستحدث.
ويبحث بعد ذلك العلاقة بين التَّسبيح بالأنامل والتَّسبيح بالسُّبحة، فيقسِّم أفعال العبادات إلى ما ثبت جواز أكثر من صورة فيه مع تفضيل إحداها، وإلى ما وردت فيه هيئة محدَّدة ولم يثبت خلافها. ويضع عدَّ الذِّكر بالأنامل في القسم الثَّاني، مستدلًّا بحديث الأمر بالعقد بالأنامل وتعليله بأنَّها «مسؤولات ومستنطقات»، ويرى أنَّ هذا لا يساوي بين السُّبحة والأنامل في المشروعيَّة.
ويضيف إلى ذلك بحثًا لغويًّا في لفظ «السُّبحة»، فينقل عن كتب اللُّغة وصف الكلمة بأنَّها مولَّدة، ويستعمل ذلك قرينةً أخرى على أنَّ اللَّفظ الوارد في الحديث ليس من لغة العصر النبوي. ثمَّ يعيد النَّظر في راوي الحديث، ويرجِّح أنَّ آفته محمَّد بن هارون بن عيسى الهاشمي، مستندًا إلى ما نُقِل في ترجمته من اتِّهامه بالوضع.
وينتقل إلى حديثي سعد وصفيَّة رضي الله عنهما في التَّسبيح بالحصى أو النَّوى، فيناقش القواعد التي اعتمد عليها الحبشي في تصحيحهما، ومنها أنَّ ضعف إسناد بعينه لا يستلزم ضعف المتن مطلقًا، وأنَّ الرَّاوي المجهول قد يرتفع جهله بتوثيق بعض الأئمَّة، وأنَّ وصف التِّرمذي للحديث بالغرابة قد يجتمع مع الصِّحَّة. ويقبل أصل القاعدة الأولى مع ضبطها، ثمَّ يبيِّن أنَّ الحكم المطلق على الحديث بالضَّعف يجوز إذا ثبت التَّفرُّد من طريق ضعيف ولم يُعرَف له ما يقوِّيه.
ويفصِّل الكلام على توثيق ابن حبَّان للمجاهيل، فيرى أنَّ مجرَّد إدخاله الرَّاوي في «الثِّقات» لا يكفي لإخراجه من الجهالة؛ لأنَّ ابن حبَّان عُرِف عنده بالتَّوسُّع في ذكر من لم يظهر فيه جرح. وينقل عن ابن حجر وابن عبد الهادي وغيرهما ما يدلُّ على أنَّ كثيرًا ممَّن ذكرهم ابن حبَّان في «الثِّقات» ظلَّوا مجهولين عند المحدِّثين، ويطبِّق هذه القاعدة على بعض رجال حديث سعد وحديث صفيَّة.
ويناقش كذلك اصطلاح التِّرمذي في وصف الحديث بالغرابة، فيفرِّق بين حديث غريب صحَّ إسناده ولم يصرِّح التِّرمذي بضعفه، وبين حديث وصفه بالغرابة ثمَّ نصَّ على ضعف إسناده أو جهالة بعض رجاله. ويورد أمثلة من «سنن التِّرمذي» ليبيِّن أنَّ إطلاق «الغريب» لا يُحمَل وحده على الصِّحَّة أو الضَّعف، بل يُنظَر إلى ما يقرنه به التِّرمذي من حكم على السَّند والرُّواة.
ويعود إلى حديث سعد رضي الله عنه، فيعلُّه بجهالة خزيمة وبما نُقِل في سعيد بن أبي هلال من الاختلاط، ويردُّ الاحتجاج بمجرَّد إخراج أصحاب الكتب السِّتَّة له، مبيِّنًا أنَّ رواية الشَّيخين عن راوٍ وقع له اختلاط لا تستلزم قبول كلِّ ما رُوِيَ عنه، لاحتمال أن يكون ما أخرجاه ممَّا حُفِظ عنه قبل اختلاطه. ثمَّ يناقش كلام ابن حجر في الحديث، ويفرِّق بين تصحيحه لذاته وتصحيحه لغيره بالشَّواهد.
ويستمرُّ في مراجعة حديثي الحصى والنَّوى من جهة الرُّواة والطُّرق والشَّواهد، ويقارنها بحديث جويريَّة رضي الله عنها الصَّحيح الذي ورد فيه الذِّكر من غير ذكر الحصى. ويجعل هذه المناقشة تطبيقًا لقواعد أوسع في التَّفرُّد والجهالة والاختلاط والمتابعات والشَّواهد، مع بيان الفرق بين ثبوت أصل الذِّكر وصحَّة الوسيلة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عدِّه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:










