
نبذة عن الكتاب:
يردُّ محمَّد بن علي الشَّوكاني في «الصَّوارم الحِداد القاطعة لعلائق أرباب الاتِّحاد» على غلاة المتصوِّفة القائلين بالاتِّحاد ووحدة الوجود، في جوابٍ كتبه استجابةً لسؤال القاسم بن أحمد لقمان عن طائفة من المتصوِّفة، ولا سيَّما الحلاج وابن عربي ومن وافقهما، وعن الحكم في أقوالهم ومعتقداتهم. ويبدأ الشَّوكاني بتمييزٍ واضح بين من ينتسب إلى التَّصوُّف وهو متَّبع للسُّنَّة، زاهدٌ في الدُّنيا، مشتغلٌ بمحبَّة الله تعالى ومحاسبة النَّفس وترك الشَّهوات، وبين من جعل التَّصوُّف ستارًا لمقالات يراها مناقضةً لأصول الإسلام، فيثني على الصِّنف الأوَّل ويجعل من أمثلته بعض الزُّهَّاد والمتعبِّدين، ثمَّ يوجِّه نقده إلى الصِّنف الثَّاني الذي تدور عليه الرِّسالة.
ويبيِّن أنَّ أصل اعتراضه موجَّه إلى القول بوحدة الوجود وما يتفرَّع عنه، فيعرضه بوصفه قولًا يجعل وجود الخالق عين وجود المخلوقات، ثمَّ يذكر ما يراه لازمًا عنه من إبطال التَّمييز بين الخالق والمخلوق والعابد والمعبود، وما يتفرَّع عليه من تصويب عبادة غير الله تعالى، أو تأويل شرك المشركين على وجه يخرجه عن حقيقته، أو قلب معاني التَّوحيد والنُّبوَّة والثَّواب والعقاب. ويستدلُّ على بطلان هذا الأصل بنصوص القرآن الكريم التي تثبت المغايرة بين الرَّبِّ والعبد، والخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، والرَّاحم والمرحوم، والهادي والمهدِيّ، ويرى أنَّ هذا التَّمييز جارٍ في الكتاب كلِّه ومناقضٌ لأصل الاتِّحاد من أساسه.
ويناقش دفاع من يزعم أنَّ عبارات أصحاب الاتِّحاد لا تُحمل على ظاهرها، وأنَّ لهم اصطلاحات وإشارات لا يفهمها إلا أهل طريقتهم، فيرفض هذا المسلك إذا صرَّح صاحب الكلام بأنَّه يريد ظاهره، وينقل عن ابن عربي ما يفهم منه الشَّوكاني أنَّه نصَّ على إرادة ظاهر عباراته. ومن هنا يعترض على تأويل نصوصهم بعد صدور التَّصريح منهم بمعانيها، ويعدُّ هذا التَّأويل دفاعًا لا يسنده نفس كلام أصحاب تلك الأقوال.
ويتتبَّع بعد ذلك الحلاج، فيجعل كلامه مدخلًا مبكِّرًا إلى القول بالوحدة، وينقل من المصادر التي بين يديه عبارات وأخبارًا نُسبت إليه، ثمَّ يستشهد بأقوال من ترجم له وانتقده. كما يعرض ما نُقل عنه من دعاوى وأحوال وكرامات، ولا يقبلها على ظاهر التَّعظيم، بل يفسِّر بعضها بالخداع أو الشَّعوذة أو الحيل، ويستخدمها لإبطال ما يُستدلُّ به على ولايته أو خصوصيَّته.
وينتقل إلى ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والتِّلمساني وغيرهم ممَّن يضمُّهم إلى أصحاب وحدة الوجود، فينقل أقوالًا من كتبهم أو ممَّا رواه العلماء عنهم، ثمَّ يعرض ما يراه مترتِّبًا عليها من لوازم عقديَّة. ويخصُّ ابن عربي بمساحة واسعة، فيستشهد بنصوص من «الفتوحات المكِّيَّة» و«فصوص الحكم»، ويستخرج منها تقريرات تتعلَّق بوحدة الوجود، وعلاقة الرَّبِّ بالعبد، والعبوديَّة، والمراقبة، وظهور الحقِّ في صور الموجودات، ثمَّ يقابلها بما يراه مناقضًا لنصوص الكتاب والسُّنَّة.
ويتوسَّع في نقد تفسير ابن عربي لبعض الآيات، ولا سيَّما ما يتعلَّق بعيسى عليه السَّلام، وعبادة النَّصارى، وفرعون، وعبدة العجل، فينقل عباراته ثمَّ يردُّ عليها من ظاهر القرآن الكريم. ويرى أنَّ بعض هذه التَّفسيرات ينتهي إلى تصويب اعتقادات حكم القرآن الكريم ببطلانها، أو إلى جعل الشِّرك صورةً من صور التَّوحيد، أو إلى تبرئة من صرَّحت النُّصوص بذمِّهم، ولذلك يجعل هذه المواضع من أوضح ما يستدلُّ به على فساد أصل وحدة الوجود عند أصحابها.
ويناقش كذلك ما نُسب إلى ابن عربي من القول بأنَّ أهل النَّار ينالهم نوع من النَّعيم في العذاب، فيورد ألفاظًا من كتبه تتعلَّق بتحويل معنى العذاب إلى العذوبة، ثمَّ يقابلها بآيات الوعيد وأخبار العذاب. كما يتناول ما نُسب إليه في تفسير حديث الولاية «كنت سمعه وبصره»، ويرفض حمله على اتِّحاد ذات العبد بذات الله تعالى، ويعدُّ المعنى الذي استخرجه أصحاب الوحدة من هذا الحديث خروجًا عن دلالته الشَّرعيَّة.
ويستشهد بما نقله المقبلي وغيره عن ابن عربي وأصحاب هذا الاتِّجاه في عبادة الأوثان والهوى وعلاقة ذلك بما يسمُّونه تجلِّي الحقِّ في الموجودات، ويردُّ على جعل كلِّ معبود مظهرًا للحقِّ أو اعتبار عبادة المخلوق راجعةً في حقيقتها إلى عبادة الله تعالى. كما يعرض ما نُسب إلى ابن عربي من تقريرات في النِّكاح وشهود الحقِّ في المرأة، وما أورده في شأن فرعون والسَّامري، ثمَّ يستخدم هذه النُّصوص لإظهار ما يراه نتائج مترتِّبة على أصل الاتِّحاد ووحدة الوجود، لا عبارات منفصلة لا صلة بينها.
ويحرص الشَّوكاني على إثبات نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها من كتبهم أو من نقل العلماء عنهم، فلا يكتفي بالحكاية العامَّة، بل يحيل إلى «الفتوحات» و«الفصوص» و«الإنسان الكامل» وتائيَّة ابن الفارض وغيرها، وينقل ألفاظًا مطوَّلة منها ليجعل الحكم مبنيًّا على ما ورد في مصنَّفات القوم أنفسهم. كما يستدعي شهادات علماء سبقوه في نقد هذه الأقوال، وينقل فتاوى وأحكامًا عن ابن تيميَّة وابن عبد السَّلام والجعبري وغيرهم، ثمَّ يذكر من المتأخِّرين البلقيني وابن حجر العسقلاني وابن عرفة وابن خلدون وأبا زرعة العراقي في سياق بيان موقفهم من كتب الاتِّحاديَّة وأقوالهم.
ويجعل الشَّوكاني محلَّ الحكم هو القول نفسه وما يثبت صدوره عن قائله، فيصرِّح بأنَّ العبارات التي يوردها عن أصحاب وحدة الوجود يراها مناقضةً لأصل التَّوحيد، ويشدِّد في الحكم عليها وعلى من اعتقدها ورضي بها. وفي الوقت نفسه لا يجعل كلَّ من انتسب إلى التَّصوُّف داخلًا في هذا الحكم، بل سبق أن فصل بين الزُّهَّاد المتَّبعين للسُّنَّة وبين أصحاب الاتِّحاد، ولذلك ينصبُّ ردُّه على أصحاب المقالات التي يراها هادمةً للفارق بين الله تعالى وخلقه، وعلى من يدافع عنها أو يصرفها عن معانيها الصَّريحة بغير دليل.
ويجمع في الرِّسالة بين الجواب الفقهي العقدي والرَّدِّ الجدلي والنَّقد النَّصي؛ فيبدأ بسؤالٍ عن غلاة الصُّوفيَّة، ثمَّ يقرِّر ميزانًا للتَّفريق بينهم، ويستخرج أقوال أصحاب الاتِّحاد من كتبهم، ويقابلها بالقرآن الكريم والسُّنَّة وأقوال العلماء، ويردُّ على دعوى أنَّ ظاهر تلك الأقوال غير مراد، ثمَّ يتتبَّع ما يراه من فروع وحدة الوجود في التَّوحيد والنُّبوَّة والعبادة والثَّواب والعقاب وتفسير النُّصوص. ولذلك تدور «الصَّوارم الحِداد» كلُّها حول نقض الاتِّحاد ووحدة الوجود والتحذير من الاغترار بعبارات أصحابهما، مع إبقاء التَّمييز بين هذا الاتِّجاه وبين الزُّهد والسُّلوك الموافقين للسُّنَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














