
نبذة عن الكتاب:
يقرِّر محمَّد بن علي الشَّوكاني في هذا الكتاب مذهب السَّلف في آيات الصِّفات وأحاديثها، جوابًا عن سؤالٍ وُجِّه إليه في حكم إمرار نصوص الصِّفات على ظاهرها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، وفي موقف من يؤوِّل الاستواء والنُّزول وسائر ما ورد في هذا الباب. وينطلق الشَّوكاني من أنَّ منشأ الاضطراب في مسائل الصِّفات هو تجاوز الحدِّ الذي أذن الله تعالى لعباده بالوقوف عنده، ومحاولة إدراك ما استأثر الله تعالى بعلمه، وما ترتَّب على ذلك من اختلاف الطَّوائف وتشعُّب مناهج المتكلِّمين.
ويعرض طوائف المتكلِّمين الذين دخلوا في هذا الباب بطرائق مختلفة، فينتقد من غلا في التَّنزيه حتى انتهى إلى تعطيل الصِّفات الثَّابتة بالكتاب والسُّنَّة، كما ينتقد من غلا في الإثبات أو في تقرير القدرة حتى انتهى إلى معانٍ يراها مخالفةً لما دلَّ عليه الشَّرع. ويذكر طائفة حاولت التَّوسُّط بين هذه المناهج، ثمَّ يبيِّن أنَّ الاشتغال بتلك المسالك الكلاميَّة لم يفضِ عند كثير من محقِّقيها إلا إلى الحيرة والرُّجوع في آخر الأمر إلى تفضيل طريق السَّلامة الذي كان عليه السَّلف.
ويجعل الأصل الذي يرجع إليه في المسألة هو ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم والتَّابعون وتابعوهم من إمرار أدلَّة الصِّفات كما جاءت، من غير تكلُّف في بيان كيفيَّتها ولا صرفها عن ظاهرها بتأويلات لم يَرِد بها دليل. ويؤكِّد أنَّ السَّلف إذا سُئلوا عن شيء من الصِّفات اقتصروا على الدَّليل، ولم يخوضوا فيما وراءه من الكيفيَّة والماهيَّة، ولم يجعلوا اصطلاحات المتكلِّمين وقواعدهم حاكمةً على نصوص الكتاب والسُّنَّة.
ويردُّ على جعل القواعد العقليَّة المصطلح عليها أصلًا تُعرض عليه نصوص الوحي، فينتقد من يقبل النَّص إذا وافق تلك القواعد ويجعله متشابهًا أو يصرفه عن ظاهره إذا خالفها. ويرى أنَّ هذه القواعد نفسها وقع فيها الاختلاف والتَّناقض بين أصحابها، فلا تصلح أن تكون معيارًا يُحاكم إليه كلام الله تعالى وكلام رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا سيَّما في بابٍ يتعلَّق بذات الله تعالى وصفاته التي لا يحيط بها البشر علمًا.
ويستدلُّ على منهجه بقوله تعالى: «ولا يحيطون به علمًا» وقوله تعالى: «ليس كمثله شيء»، ويجعل الآيتين أصلًا جامعًا في الباب؛ فالأولى تمنع دعوى الإحاطة بكيفيَّة ذات الله تعالى وصفاته، والثَّانية تنفي المماثلة بينه تعالى وبين مخلوقاته. ومن هنا يقرِّر إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، من غير تشبيه ولا تكييف، مع رفض المبالغة في النَّفي التي تفضي إلى التَّعطيل، والمبالغة في الإثبات التي تفضي إلى التَّجسيم.
ويتحدَّث الشَّوكاني عن تجربته في الاشتغال بعلم الكلام، فيذكر أنَّه قرأ مؤلَّفات طوائفه في زمن الطَّلب، وقصد الوصول من خلالها إلى زيادة المعرفة، فلم يخرج منها إلا بالحيرة، وأنَّ ذلك زاده ميلًا إلى مذهب السَّلف الذي كان عليه من قبل. ويستشهد بهذه التَّجربة على أنَّ التَّعمُّق في القضايا التي لم يُكلَّف الإنسان بإدراك كيفيَّتها لا يورث اليقين الذي يُطلب، بل قد ينتهي بصاحبه إلى الاعتراف بالعجز والحيرة.
ويخصُّ صفة الاستواء بمزيد بيان، فيثبت ما جاء في القرآن الكريم من استواء الله تعالى على العرش، من غير أن يتكلَّف تحديد كيفيَّته أو تمثيله بصفات المخلوقين، ويجعل العلم بالكيفيَّة إلى الله تعالى وحده. ويرفض صرف الاستواء إلى الاستيلاء أو غيره من التَّأويلات، ويرى أنَّ طريق السَّلف هو إثبات اللفظ والمعنى الذي جاء به النَّص مع نفي المماثلة والتَّكييف، من غير دخول في اصطلاحات ومجادلات لم يأت بها الوحي.
ويتناول كذلك ما ورد في النُّصوص من معية الله تعالى لعباده؛ كقوله تعالى: «وهو معكم أينما كنتم» وما ورد في معية الصَّابرين والمتَّقين والمحسنين، فيجري فيها على الأصل نفسه، وهو إثبات ما جاء به القرآن الكريم من غير تكلُّف تأويله أو البحث في كيفيَّته. ولذلك يرفض أن يُجعل صرف هذه المعية إلى العلم وحده قاعدةً لازمةً إذا لم يدلَّ النَّص على هذا التَّخصيص، ويكتفي بما أخبر الله تعالى به عن نفسه مع تفويض علم الكيفيَّة إليه.
ويفرِّق بهذا بين إثبات الصِّفات وبين التَّشبيه؛ فإثبات السَّمع والبصر واليد والاستواء ونحوها لا يعني عنده مماثلة صفات الله تعالى لصفات المخلوقين، لأنَّ قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» يمنع هذا الفهم. كما أنَّ تنزيه الله تعالى لا يقتضي نفي ما أثبته لنفسه، ولذلك يجعل مذهب السَّلف واقعًا بين طرفي التَّجسيم والتَّعطيل: إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا نفي لما ورد به النَّص.
ويؤكِّد في خاتمة جوابه أنَّ السَّلامة في هذا الباب تكون بالوقوف عند ألفاظ الكتاب والسُّنَّة، وإمرار نصوص الصِّفات كما جاءت، وعدم تجاوزها إلى التَّكلُّف في البحث عن الكيفيَّات أو إنشاء تأويلات وقواعد لم يدلَّ عليها الوحي. ولذلك تدور «التُّحَف في مذاهب السَّلف» حول تقرير هذا المنهج ونقد علم الكلام في باب الصِّفات، وردِّ الإفراط في الإثبات والتَّفريط في التَّنزيه، وإرجاع المسألة إلى ما يراه الشَّوكاني طريق الصحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وتابعيهم في إثبات الصِّفات مع نفي المماثلة والتَّكييف.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














