كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للقاضي المحسن بن علي التنوخي PDF
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يَرْوِي القاضي أبو عليّ المُحَسِّن بن عليٍّ التَّنُوخِيُّ في كتاب «نَشْوَار المُحَاضَرَة وأخبار المُذَاكَرَة» طائفةً واسعةً من الأخبار والنَّوادر والحكايات التي تَناقَلَها أهلُ المجالس مُشافهةً، وتَحَدَّث بها القضاة والوزراء والكتَّاب والأُدباء وغيرهم من رجال عصره، مع أخبارٍ سمعها عن المتقدِّمين، وحوادثَ شهدها بنفسه أو اتَّصل بأصحابها. ويُثْبِت ما جرى بين الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء من مواقفَ ومُحاوَراتٍ وتدابيرَ وحِيَلٍ، وما اشتهر به بعضهم من الكرم أو البخل، والعدل أو الظُّلم، والحلم أو الغضب، والفطنة أو سوء التَّصرُّف. وتتَّسع أخبارُه لبغداد والبصرة والأهواز وغيرها من البلدان، مع عنايةٍ ظاهرةٍ بأحوال الخلافة العبَّاسيَّة ورجال الدَّولة البُوَيْهِيَّة، وما دار في قصورهم ومجالسهم ودواوينهم من وقائعَ ومُذاكَرات.
ويَكْشِفُ من خلال حكايات الوزراء والكتَّاب والعُمَّال عن طرائق تدبير الدَّولة وأموالها، فيذكر تقليد الولايات والمناصب والعزل منها، وجباية الخراج، ومحاسبة العُمَّال، وتدبير الضِّياع والغَلَّات، وما وقع من المصادرات والغرامات والاستيلاء على الأموال، وما احتاله بعض المتصرِّفين لتحصيل المنافع أو دفع المطالبات. ويُصَوِّر علاقات الوزراء بالخلفاء والأمراء، وما جرى بينهم من منافساتٍ وخصوماتٍ ومكائدَ، وما أصاب بعضَ أصحاب السُّلطة من تقلُّب الأحوال بين العزِّ والحبس والمصادرة. وتَكْثُرُ فيه أخبار القضاة والشُّهود، وما عُرِض عليهم من خصوماتٍ ومظالمَ ودعاوى، وما أظهروه من فطنةٍ في استكشاف الحقائق والحكم بين المتخاصمين، أو من عجزٍ ومُحاباةٍ ومُخالَفةٍ للعدل، مع إيراد مواقفَ تتعلَّق بأمانة القضاء، واستقلال القاضي في حكمه، وعلاقته بأصحاب النُّفوذ والسُّلطة.
ويَتَتَبَّعُ أحوالَ النَّاس في الغنى والفقر، والجود والشُّحِّ، والوفاء والغدر، والمروءة والدَّهاء، فيَحْكِي أخبارَ الأجواد والبخلاء والتُّجَّار وأصحاب الثَّروات، وما بذلوه من الصِّلات والهبات، أو لجؤوا إليه من الحِيَل في اكتساب المال وحفظه وإنفاقه. ويُورِد نوادرَ الأذكياء والظُّرفاء والحَمْقَى والمُغَفَّلين والطُّفَيْلِيِّين والمُحتالين، وما صدر عنهم من أجوبةٍ مُفْحِمَةٍ وحِيَلٍ طريفةٍ ومواقفَ مُضْحِكَة. كما ينقل أخبارَ النُّدَماء والجُلَساء والمُغَنِّين والمُغَنِّيات، وما جرى في مجالس الأُنْس والسَّمَر من مُحاوَراتٍ ومُداعَباتٍ ومنافساتٍ، إلى جانب حكاياتٍ عن أهل المهن والصَّناعات، والعلاقات بين النَّاس، وما يُصيبهم من شدائدَ أو يُوافِقُهم من حوادثَ غريبة.
ويَحْفَظُ من أخبار العلماء والفُقهاء والمُحَدِّثين واللُّغويِّين والأُدباء والشُّعراء ما يُظْهِر فصاحتهم وسرعة بديهتهم، وما دار بينهم من مُناظَراتٍ ومُساجَلاتٍ ومُفاكَهات. ويُضَمِّن الحكايات أشعارًا قيلت في المدح والهجاء والرِّثاء والغزل والحكمة، ورسائلَ ومُكاتَباتٍ امتازت بحُسْن العبارة وطرافة المعنى، وأمثالًا وأقوالًا سائرةً، مع أخبارٍ عن المنامات والعجائب والحوادث غير المألوفة. ويُعْنَى بإبراز ما في هذه الأخبار من عواقب الأفعال وتقلُّبات الزَّمان، وما تكشفه المواقف من أخلاق أصحابها وحُسْن تدبيرهم أو فساد تصرُّفهم، ويُقارِن في بعض المواضع بين أحوال المتقدِّمين وما أدركه من أحوال أهل عصره. ولا يلتزم في إيراد الحكايات ترتيبًا زمنيًّا أو تقسيمًا لها بحسب موضوعاتها، بل تتعاقب فيه أخبار الجدِّ والهزل، والسِّياسة والقضاء، والأدب والحياة اليوميَّة، على نحوٍ يُحَافِظ على تنوُّع الأحاديث التي كانت تجري في المجالس والمُذاكَرات.
المُحَسِّن بن عليّ بن مُحمَّد بن أبي الفَهْم داود بن إبراهيم بن تَمِيم التَّنُوخِيّ البَصْرِيّ، أبو عليّ، المعروف بالقاضي التَّنُوخِيّ: قاضٍ وأديبٌ ومُؤرِّخٌ وإِخْبَارِيٌّ وشاعرٌ، من أعلام الأدب العربيّ في القرن الرَّابع الهجريّ، وأحد المُبَرِّزين في جمع الأخبار والحكايات ورواية أحوال الملوك والوُزراء والقُضَاة والأُدباء. وُلِد بالبَصْرَة في أواخر ربيع الأوَّل سنة 327هـ، ونشأ في بيت علمٍ وقضاءٍ وأدب، فأبوه القاضي أبو القاسم عليّ بن مُحمَّد التَّنُوخِيّ من أعيان العلماء والأُدباء، وقد عُنِي بتعليمه وتأديبه منذ صغره. وبدأ سماع الحديث سنة 333هـ، وأخذ عن جماعةٍ من علماء عصره وأُدبائه، منهم أبو بكر الصُّولِيّ، وأبو العبَّاس الأَثْرَم، وأبو الفَرَج الأَصْبَهَانِيّ، وابن دَاسَة، ووَاهِب بن مُحمَّد، وتلقَّى عنهم الحديث والأخبار واللُّغة والأدب، وبرع في رواية الأشعار والحكايات، وعُرف بسَعَة الاطِّلاع وحُسْن المُحادثة. وتفقَّه واشتغل بأعمال القضاء منذ شبابه، فكان أوَّل مَن قلَّده القضاء القاضي أبو السَّائِب عُتْبَة بن عبد الله سنة 349هـ، وهو ابن اثنتين وعشرين سنةً، فولَّاه القضاء بالقَصْر وبَابِل وما يتَّصل بهما من الأعمال، ثمَّ تقلَّد القضاء بعَسْكَر مُكْرَم وإِيذَج ورَامَهُرْمُز والأَهْوَاز وغيرها من البلدان، وتولَّى أعمالًا قضائيَّةً بواسِط وتِكْرِيت ونواحٍ من العراق. وانتقل إلى بغداد، واتَّصل برجال الدَّولة البُوَيْهِيَّة ووُزرائها وقُضَاتها، وكان من جُلَساء الوزير أبي مُحمَّد الحسن بن مُحمَّد المُهَلَّبِيّ ونُدمائه، وشهد مجالسه، وروى كثيرًا من أخباره وأخبار رجال عصره. وكانت له معرفةٌ واسعةٌ بأحوال الدَّولة العبَّاسيَّة وشؤون إدارتها وقضائها، وما جرى بين خُلَفائها وأُمرائها ووُزرائها وكُتَّابها من الحوادث، وقد أفاد من مُخالطته لهم وتقلُّده المناصب في تدوين ما شاهده أو سمعه من الأخبار والنَّوادر والمُحادثات. وكان أديبًا شاعرًا مُتَفَنِّنًا، حسن الرِّواية والمُسامرة، وأثنى عليه الثَّعَالِبِيّ، ووصفه بأنَّه وارثٌ لفضل أبيه وأدبه، ومدحه الشَّاعر أبو عبد الله ابن الحَجَّاج بأبياتٍ في مكانته بين القُضَاة. وروى عنه جماعةٌ من أهل العلم، منهم ابنُه القاضي الأديب أبو القاسم عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، وذكر الخطيب البَغْدَادِيّ أنَّ سماعه كان صحيحًا. ومن أشهر مُؤلَّفاته «الفَرَج بعد الشِّدَّة»، وهو كتابٌ كبيرٌ في أخبار مَن نزلت بهم المِحَن والشَّدائد، ثمَّ انكشفت عنهم، وما وقع لهم من النَّجاة بعد الخوف، والخلاص من الحبس والظُّلم والفقر والمرض وسائر المصائب، أورد فيه حكاياتٍ دينيَّةً وتاريخيَّةً وأدبيَّةً، وأخبارًا عن الملوك والوُزراء والقُضَاة والعامَّة، تتناول الصَّبر والدُّعاء والرَّجاء وحُسْن العاقبة. وله «نَشْوَار المُحَاضَرَة وأخبار المُذَاكَرَة»، وهو من أوسع كتب الأخبار والمُسامرات، أمضى في تأليفه نحو عشرين سنةً، وضمَّنه ما سمعه من أفواه الرِّجال وما دار في المجالس من الأحاديث والنَّوادر والحكايات، واشترط ألَّا ينقل فيه شيئًا من كتابٍ سابق، فأورد أخبار الخُلَفاء والوُزراء والأُمراء والقُضَاة والكُتَّاب والعلماء والأُدباء، وما جرى لهم من الوقائع والمواقف، مع أخبار الحياة الاجتماعيَّة والعادات والأخلاق، وحكايات الظُّرفاء والأذكياء وأصحاب الحِيَل. ومن مُؤلَّفاته أيضًا «المُسْتَجَاد من فَعَلَات الأَجْوَاد»، في أخبار الكرماء وما أُثر عنهم من الجُود والسَّخاء والإحسان، و«دِيوَان شِعْر»، قيل إنَّه أكبر من ديوان أبيه، وله أخبارٌ وأشعارٌ متفرِّقةٌ في كتب الأدب والتَّراجم. وأقام ببغداد بقيَّة حياته، وظلَّ يُحدِّث ويروي الأخبار والأشعار إلى أن تُوفِّي بها في المُحَرَّم سنة 384هـ، وله سبعٌ وخمسون سنةً.