القاضي المحسن بن علي بن محمد التنوخي
المُحَسِّن بن عليّ بن مُحمَّد بن أبي الفَهْم داود بن إبراهيم بن تَمِيم التَّنُوخِيّ البَصْرِيّ، أبو عليّ، المعروف بالقاضي التَّنُوخِيّ: قاضٍ وأديبٌ ومُؤرِّخٌ وإِخْبَارِيٌّ وشاعرٌ، من أعلام الأدب العربيّ في القرن الرَّابع الهجريّ، وأحد المُبَرِّزين في جمع الأخبار والحكايات ورواية أحوال الملوك والوُزراء والقُضَاة والأُدباء. وُلِد بالبَصْرَة في أواخر ربيع الأوَّل سنة 327هـ، ونشأ في بيت علمٍ وقضاءٍ وأدب، فأبوه القاضي أبو القاسم عليّ بن مُحمَّد التَّنُوخِيّ من أعيان العلماء والأُدباء، وقد عُنِي بتعليمه وتأديبه منذ صغره. وبدأ سماع الحديث سنة 333هـ، وأخذ عن جماعةٍ من علماء عصره وأُدبائه، منهم أبو بكر الصُّولِيّ، وأبو العبَّاس الأَثْرَم، وأبو الفَرَج الأَصْبَهَانِيّ، وابن دَاسَة، ووَاهِب بن مُحمَّد، وتلقَّى عنهم الحديث والأخبار واللُّغة والأدب، وبرع في رواية الأشعار والحكايات، وعُرف بسَعَة الاطِّلاع وحُسْن المُحادثة. وتفقَّه واشتغل بأعمال القضاء منذ شبابه، فكان أوَّل مَن قلَّده القضاء القاضي أبو السَّائِب عُتْبَة بن عبد الله سنة 349هـ، وهو ابن اثنتين وعشرين سنةً، فولَّاه القضاء بالقَصْر وبَابِل وما يتَّصل بهما من الأعمال، ثمَّ تقلَّد القضاء بعَسْكَر مُكْرَم وإِيذَج ورَامَهُرْمُز والأَهْوَاز وغيرها من البلدان، وتولَّى أعمالًا قضائيَّةً بواسِط وتِكْرِيت ونواحٍ من العراق. وانتقل إلى بغداد، واتَّصل برجال الدَّولة البُوَيْهِيَّة ووُزرائها وقُضَاتها، وكان من جُلَساء الوزير أبي مُحمَّد الحسن بن مُحمَّد المُهَلَّبِيّ ونُدمائه، وشهد مجالسه، وروى كثيرًا من أخباره وأخبار رجال عصره. وكانت له معرفةٌ واسعةٌ بأحوال الدَّولة العبَّاسيَّة وشؤون إدارتها وقضائها، وما جرى بين خُلَفائها وأُمرائها ووُزرائها وكُتَّابها من الحوادث، وقد أفاد من مُخالطته لهم وتقلُّده المناصب في تدوين ما شاهده أو سمعه من الأخبار والنَّوادر والمُحادثات. وكان أديبًا شاعرًا مُتَفَنِّنًا، حسن الرِّواية والمُسامرة، وأثنى عليه الثَّعَالِبِيّ، ووصفه بأنَّه وارثٌ لفضل أبيه وأدبه، ومدحه الشَّاعر أبو عبد الله ابن الحَجَّاج بأبياتٍ في مكانته بين القُضَاة. وروى عنه جماعةٌ من أهل العلم، منهم ابنُه القاضي الأديب أبو القاسم عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، وذكر الخطيب البَغْدَادِيّ أنَّ سماعه كان صحيحًا. ومن أشهر مُؤلَّفاته «الفَرَج بعد الشِّدَّة»، وهو كتابٌ كبيرٌ في أخبار مَن نزلت بهم المِحَن والشَّدائد، ثمَّ انكشفت عنهم، وما وقع لهم من النَّجاة بعد الخوف، والخلاص من الحبس والظُّلم والفقر والمرض وسائر المصائب، أورد فيه حكاياتٍ دينيَّةً وتاريخيَّةً وأدبيَّةً، وأخبارًا عن الملوك والوُزراء والقُضَاة والعامَّة، تتناول الصَّبر والدُّعاء والرَّجاء وحُسْن العاقبة. وله «نَشْوَار المُحَاضَرَة وأخبار المُذَاكَرَة»، وهو من أوسع كتب الأخبار والمُسامرات، أمضى في تأليفه نحو عشرين سنةً، وضمَّنه ما سمعه من أفواه الرِّجال وما دار في المجالس من الأحاديث والنَّوادر والحكايات، واشترط ألَّا ينقل فيه شيئًا من كتابٍ سابق، فأورد أخبار الخُلَفاء والوُزراء والأُمراء والقُضَاة والكُتَّاب والعلماء والأُدباء، وما جرى لهم من الوقائع والمواقف، مع أخبار الحياة الاجتماعيَّة والعادات والأخلاق، وحكايات الظُّرفاء والأذكياء وأصحاب الحِيَل. ومن مُؤلَّفاته أيضًا «المُسْتَجَاد من فَعَلَات الأَجْوَاد»، في أخبار الكرماء وما أُثر عنهم من الجُود والسَّخاء والإحسان، و«دِيوَان شِعْر»، قيل إنَّه أكبر من ديوان أبيه، وله أخبارٌ وأشعارٌ متفرِّقةٌ في كتب الأدب والتَّراجم. وأقام ببغداد بقيَّة حياته، وظلَّ يُحدِّث ويروي الأخبار والأشعار إلى أن تُوفِّي بها في المُحَرَّم سنة 384هـ، وله سبعٌ وخمسون سنةً.