يكشف محمد محمد أبو موسى في كتاب «قراءة في الأدب القديم» عن دقائق الصنعة الشعرية التي لا تنكشف بالأحكام العامة ولا بالقراءة العابرة، وإنما بطول النظر في النص واستقصاء وجوه بنائه ودلالته. ويستعيد في قراءته منهج القدماء في تذوّق الكلام وتحليله، متجاوزًا مسلّمات شاعت في الدراسات الأدبية من غير أن يختبر أصحابها النصوص التي أطلقوا عليها أحكامهم. ومن هذا المنطلق، يحلّل رثاء الخنساء، كاشفًا عن اختلاف مذاق الرثاء باختلاف الشعراء، ويقف عند قصيدة حسّان بن ثابت «ألم تسأل الربع الجديد التكلّما»، وما تنطوي عليه من خواطر وصور وبراعة في الصياغة، كما يصلها بقصيدة للفرزدق تناولها بالشرح، ويناقش طرائق الشعراء في بناء مقدمات القصائد، ووصف الصيد، وتصوير الرحلة، وائتلاف الأغراض المتعددة في القصيدة الواحدة.
ويجعل أبو موسى من بناء القصيدة مدخلًا إلى فهم أسرارها؛ فيتتبع ترتيب فصولها، ووجوه التلاحم بينها، ودقائق المعاني التي تنتظمها، ثم ينفذ إلى السؤال الأعمق: لِمَ اختار الشاعر هذا المعنى دون غيره، وهذه العبارة دون سواها؟ ومن هنا تتجه عنايته إلى جوهر الصنعة، حيث تتآلف العلاقات النحوية والخصائص البلاغية والصورة اللغوية لتؤدي المعنى الذي استقر في نفس الشاعر. ولا يقف غرضه عند تفسير الأبيات أو تسمية وجوه الجمال فيها، بل يتوخّى تدريب القارئ على مباشرة النص بنفسه، وإقامة الدليل على ما يستنبطه منه، بدل الارتهان للمناهج الجاهزة وترديد الأحكام الموروثة. فالكتاب دعوة إلى قراءة الشعر القديم قراءةً تستنطق مبانيه، وتستقصي معانيه، وتكشف عن صلاته الدقيقة التي لا يظفر بها إلا النظر المتأنّي.