كتاب الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته وأثره ومناهج المفسرين في الاستشهاد به تأليف عبد الرحمن بن معاضة الشهري PDF
نبذة عن الكتاب:
يَتَتَبَّع عبد الرَّحمن بن مُعَاضَة الشَّهْرِيُّ في هذا الكتاب مكانةَ الشِّعر العربيِّ في تفسير القرآن الكريم، وما أدَّاه من دورٍ في بيان معاني ألفاظه وتراكيبه، وتوجيه قراءاته، والكشف عن أساليبه ووجوه فصاحته. ويَستَقْرِئ الشَّواهد الشِّعريَّة في طائفةٍ من أُمَّهات كتب التَّفسير ومعاني القرآن وغريبه، مُحَلِّلًا طرائق العلماء في اختيارها وإيرادها وشرحها وتوثيقها، ومُقَارِنًا بين مقدار اعتمادهم عليها وأغراض الاحتجاج بها، وما ترتَّب على ذلك من آثارٍ في فهم النَّصِّ القرآنيِّ والتَّرجيح بين أقوال المفسِّرين. ويُؤَصِّل لهذه الدِّراسة ببحث حُجِّيَّة الشَّاهد الشِّعريِّ وضوابط قبوله، وتاريخ الاستشهاد به منذ عصر الصَّحابة رضي الله عنهم، وما أُثِير حول صحَّة الشِّعر الجاهليِّ من شُبُهات. ويجمع في منهجه بين الاستقراء والتَّحليل والموازنة والإحصاء، مُعْتَمِدًا اعتمادًا رئيسًا على تفاسير الطَّبَرِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ وابن عَطِيَّة والقُرْطُبِيِّ، وعلى كتب أبي عُبَيْدَة والفَرَّاء وابن قُتَيْبَة والأَخْفَش في معاني القرآن وغريبه. ولا يقتصر على إثبات كثرة الشَّواهد الشِّعريَّة في هذه المصنَّفات، بل يبحث قيمتها العلميَّة، والفروق بين مناهج أصحابها، ومدى استقلال المفسِّرين في الاستشهاد أو اعتماد بعضهم على ما نقله السَّابقون، وما تكشف عنه هذه المقارنات من تطوُّر التَّفسير اللُّغويِّ وصلته بعلوم العربيَّة.
ويُمَهِّد المؤلِّف لموضوعه بتعريف الشِّعر لغةً واصطلاحًا، ومناقشة ما قيل في نشأته عند العرب، وأقدم مَن عُرِفوا بقَصْد القصائد ونظمها، وما ارتبط بذلك من أخبار المُهَلْهِل بن ربيعة وامرئ القَيْس وغيرهما من شعراء الجاهليَّة. ويُبَيِّن صعوبة تحديد بدايةٍ تاريخيَّةٍ قاطعةٍ للشِّعر العربيِّ، لقلَّة ما وصل من النُّصوص الموثوقة عن عصوره الأولى، وأنَّ القَدْر المحفوظ من شعر الجاهليَّة يُمثِّل مرحلةً بلغت فيها القصيدة العربيَّة درجةً ظاهرةً من النُّضج الفنِّيِّ واللُّغويِّ. ثمَّ يَستَعْرِض أثر ظهور الإسلام في الشِّعر والشُّعراء، وما ورد في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة من مدح بعض الشِّعر وذمِّ بعضه، مُفَرِّقًا بين الشِّعر من حيث هو كلامٌ موزونٌ مُقَفًّى، وبين ما يشتمل عليه من معانٍ وأغراضٍ قد تكون محمودةً أو مذمومة. ويبحث الحكم الشَّرعيَّ للاستشهاد بالشِّعر في تفسير القرآن الكريم، وما يُسْتَشْهَد به من الأبيات التي تتضمَّن معانيَ مستقبحةً، مُوَضِّحًا الفرق بين الاحتجاج بالشَّاهد لإثبات استعمالٍ لغويٍّ صحيحٍ وبين إقرار ما يتضمَّنه من معنىً أو سلوك. ويُقَرِّر أنَّ الحاجة إلى الشِّعر في التَّفسير ناشئةٌ من كونه سجلًّا محفوظًا لاستعمالات العرب وأساليب خطابهم، وأنَّ الاحتجاج به يُقْصَد منه الاستعانة بلسان العرب على فهم القرآن الذي أنزله الله تعالى بلسانٍ عربيٍّ مُبِين.
وفي تأصيل مفهوم الشَّاهد الشِّعريِّ، يُمَيِّز الشَّهْرِيُّ بين الشَّاهد والمثال، وبين الاستشهاد والاحتجاج، وما يترتَّب على هذه المصطلحات من اختلافٍ في طريقة الاستدلال. فالشَّاهد نصٌّ يُعْتَمَد عليه لإثبات استعمالٍ لغويٍّ أو قاعدةٍ أو معنىً، بخلاف المثال الذي قد يُنْشِئه المتكلِّم لتوضيح المسألة دون أن يكون منقولًا عن العرب المحتجِّ بكلامهم. ويُبَيِّن أنَّ موضع الشَّاهد قد يكون لفظةً واحدةً أو تركيبًا مخصوصًا داخل البيت، وليس بالضَّرورة المعنى العامَّ للقصيدة أو البيت كلِّه. ويُصَنِّف الشَّواهد بحسب أغراضها إلى شواهدَ لغويَّةٍ ونحويَّةٍ وصرفيَّةٍ وبلاغيَّةٍ وتاريخيَّة، ويُوَضِّح ما يختصُّ به كلُّ نوعٍ من الدَّلالة والاستعمال؛ فاللُّغويُّ يُثْبِت معنى المفردة أو أصل استعمالها، والنَّحويُّ يُبَيِّن وجوه التَّراكيب والإعراب، والصَّرفيُّ يُوَضِّح أبنية الألفاظ وتحوُّلاتها، والبلاغيُّ يَكْشِف عن وجوه التَّعبير وأساليبه، والتَّاريخيُّ يُستَعَان به على معرفة الوقائع والأحوال التي تَصِل بين كلام العرب وما نزل في القرآن من أخبارٍ وأحكام. كما يُناقش العيوب التي قد تَنْقُص من قيمة الشَّاهد أو تَمْنَع الاحتجاج به، ومنها الجهالة بقائله، واضطراب روايته، والخطأ في نسبته، والتَّصحيف والتَّحريف، وانفراده باستعمالٍ شاذٍّ لا يُعْرَف في اللُّغة المستفيضة. ويَتَتَبَّع مصادر الشِّعر المحتجِّ به، ومراحل روايته وجمعه وتدوينه، وما اشتهر من دواوين الشُّعراء ومختارات الرُّواة التي حفظت شواهد العربيَّة وأصبحت مراجعَ أساسيَّةً للمفسِّرين واللُّغويِّين.
ويَبحث المؤلِّف الحدود الزَّمنيَّة والمكانيَّة للاحتجاج بالشِّعر، ومذاهب العلماء في قبول شعر الجاهليِّين والمُخَضْرَمِين والإسلاميِّين، وما وقع من خلافٍ في شعر المُوَلَّدِين والمُحْدَثِين. ويُوَضِّح أثر سلامة السَّليقة اللُّغويَّة في اختيار الشَّواهد، وما استقرَّ عند أئمَّة العربيَّة من تقديم شعر القبائل التي حُفِظت فصاحتها، وتجنُّب ما غلب عليه الاختلاط أو التَّكلُّف أو اضطراب الاستعمال. ويُبَيِّن منزلة الشِّعر الجاهليِّ بوجهٍ خاصٍّ في هذا الباب، لكونه شاهدًا على العربيَّة في عصرٍ قريبٍ من نزول القرآن الكريم، ومصدرًا لمعرفة الألفاظ والأساليب التي خاطب الله تعالى بها العرب. ومن هنا يناقش التَّشكيك في صحَّة الشِّعر الجاهليِّ، ولا سيَّما ما أُثير حول انتحاله ووضعه بعد الإسلام، وما نُقِل من آراء المستشرقين ومَن تأثَّر بهم من الباحثين العرب. ويُفَرِّق بين وجود أشعارٍ منحولةٍ أو ضعيفة النِّسبة وبين الحكم على الشِّعر الجاهليِّ المحفوظ كلِّه بالوضع، مُسْتَعْرِضًا جهود الرُّواة والنُّقَّاد في التَّمييز بين الصَّحيح والمنحول، وما أَوْدَعوه من الشِّعر في المصنَّفات الموثوقة. ويَستَعِين بأبحاث محمَّد بن سَلَّام الجُمَحِيِّ، ومحمود محمَّد شاكر، وناصر الدِّين الأَسَد، وغيرهم ممَّن تناولوا تاريخ الشِّعر الجاهليِّ وروايته، مُؤَكِّدًا أنَّ الطَّعن غير المُحَقَّق في أصالته يمتدُّ أثره إلى التَّفسير اللُّغويِّ وإلى دراسة الإعجاز البيانيِّ للقرآن الكريم.
ويُعِيد الشَّهْرِيُّ البحث في نشأة الاستشهاد بالشِّعر عند المفسِّرين إلى عصر الصَّحابة رضي الله عنهم، مُتَتَبِّعًا ما ورد عنهم من الرُّجوع إلى كلام العرب عند تفسير الألفاظ التي خَفِيَت معانيها، أو التي كانت لها دلالاتٌ تختلف باختلاف اللُّغات والسِّياقات. ويُخَصِّص عنايةً واسعةً لعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، وما اشتهر عنه من الاستشهاد بالشِّعر في تفسير غريب القرآن، واستحضار أبيات العرب عند السُّؤال عن معاني المفردات. ويُناقش مسائل نافع بن الأَزْرَق، التي تُصَوِّر سؤالَه ابنَ عبَّاس رضي الله عنهما عن ألفاظٍ قرآنيَّةٍ ومطالبته بإقامة الدَّليل على تفسيرها من شعر العرب، فيُجِيب ببيان المعنى والاستشهاد بما يُؤَيِّده من الأبيات. ولا يكتفي المؤلِّف بإيراد هذه المسائل، بل يدرس أسانيدها وطُرُق روايتها، وما نُقِل منها في مصنَّفات عبد بن حُمَيْدٍ وابن الأَنْبَارِيِّ والطَّبَرَانِيِّ وغيرهم، ويُحَقِّق ما أُثِير حول صحَّتها ونسبتها إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما. ويَكْشِف ما في بعض طُرُقها من ضعفٍ شديد، وما تَضَمَّنَتْه بعض رواياتها من الاستشهاد بأشعارٍ لمتأخِّرين لا يُمْكِن أن يكون ابن عبَّاس قد سمعها، فضلًا عن اختلاف الأسانيد والمتون وظُهور التَّكلُّف في بعض الأجوبة. ومع ذلك يُفَرِّق بين ضعف مجموعةٍ من الرِّوايات وثبوت أصل الاستشهاد بالشِّعر عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ويَتَتَبَّع أثر هذا المنهج في تفاسير التَّابعين وأتباعهم، وفيما استقرَّ بعد ذلك من الاستدلال بالشَّواهد الشِّعريَّة عند تفسير غريب القرآن.
ويَتَتَبَّع انتقالَ الاستشهاد من المرويَّات التَّفسيريَّة الأولى إلى المصنَّفات اللُّغويَّة والتَّفسيريَّة، مُبْرِزًا مكانة أبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى وكتابه «مجاز القرآن» في تأصيل هذا المسلك وتوسيعه. ويُوَضِّح ما أفاده أبو عُبَيْدَة من شيوخه، وفي مقدِّمتهم أبو عَمْرو بن العَلَاء، وما اشتمل عليه كتابه من شواهدَ لشرح المفردات الغريبة وبيان استعمالات العرب وأساليبهم. ثمَّ يُقارن بين عمل أبي عُبَيْدَة وأعمال الأَخْفَش والفَرَّاء وابن قُتَيْبَة، وما تميَّزت به كتب «معاني القرآن» من العناية بالتَّراكيب والإعراب وتوجيه القراءات، في مقابل غلبة تفسير المفردات في كتب «غريب القرآن»، مع بيان ما بين النَّوعَيْن من تداخلٍ في الموضوعات والاستدلال. ويُناقش اختلاف طرائق التَّرتيب والاختيار والشَّرح في هذه المؤلَّفات، وما إذا كان أصحابها يَذْكُرون الشَّاهد الشِّعريَّ عقب بيان المعنى، أو يُقَدِّمونه دليلًا عليه، أو يَكْتَفُون بإيراده دون شرحٍ مفصَّلٍ لوجه الاحتجاج. كما يدرس مدى عنايتهم بنسبة الأبيات إلى قائليها، وتوثيق رواياتها، وما يُفْضِي إليه إهمال ذلك من انتقال أخطاء النِّسبة والرِّواية إلى المصنَّفات اللَّاحقة. ويُبَيِّن أنَّ هذه الكتب كانت من أهمِّ الأصول التي استمدَّ منها المفسِّرون المتأخِّرون شواهدَهم اللُّغويَّة والنَّحويَّة، وأنَّ كثيرًا ممَّا يَرِد في التَّفاسير المطوَّلة يرجع إلى اختيارات هؤلاء الأئمَّة الأوائل.
وفي دراسة مناهج المفسِّرين، يُقابِل الشَّهْرِيُّ بين طريقة الطَّبَرِيِّ في «جامع البيان»، والزَّمَخْشَرِيِّ في «الكشَّاف»، وابن عَطِيَّة في «المُحَرَّر الوجيز»، والقُرْطُبِيِّ في «الجامع لأحكام القرآن». ويبحث أساليبهم في التَّمهيد للشَّاهد وإيراده، وما يستعملونه من عباراتٍ تُصَرِّح بوجه الاحتجاج أو تَكْتَفِي بالإشارة إليه، وطريقتهم في شرح البيت وربط معناه بالآية القرآنيَّة. ويَتَتَبَّع مدى اعتمادهم على الشِّعر في تفسير الألفاظ والتَّراكيب، وما إذا كانوا يقدِّمون الشَّاهد منفردًا أو يَضُمُّون إليه شواهدَ أخرى من القرآن والسُّنَّة وكلام العرب. ويُبَيِّن أنَّ المفسِّرين لم يَطْلُبوا شاهدًا شِعريًّا لكلِّ لفظٍ قرآنيٍّ، بل كانوا يَرْجِعون إلى الشِّعر عند الحاجة إلى بيان لفظٍ غريبٍ أو استعمالٍ مُشْكِلٍ أو تركيبٍ مختلفٍ في توجيهه. كما يُناقش ما يَقَع بينهم من اختلافٍ في فهم البيت الواحد، أو تحديد وجه الاستشهاد منه، أو قبول روايةٍ دون أخرى، ويُبْرِز أثر التَّحقُّق من رواية الشِّعر في صحَّة الاستدلال. ومن ذلك استدراكات ابن عَطِيَّة على الطَّبَرِيِّ في بعض الشَّواهد، وما يَكْشِف عنه هذا النَّقد من عنايته بفهم الشِّعر ومراجعة رواياته. ويَتَوَقَّف كذلك عند ما اشتهر به الزَّمَخْشَرِيُّ من الاستشهاد بشعر المُحْدَثِين في بعض المباحث البلاغيَّة، وما يختلف فيه الاحتجاج لإثبات أصلٍ لغويٍّ عن الاستشهاد لتوضيح صورةٍ بيانيَّةٍ أو معنىً أدبيٍّ.
وتَسْتَنِد المقارنة بين المفسِّرين إلى إحصاءٍ للشَّواهد يكشف عن التَّفاوت الكبير في مقدار استعمالها؛ فقد أحصى المؤلِّف في تفسير القُرْطُبِيِّ أربعةَ آلافٍ وثمانمائةٍ وسبعةَ شواهدَ شِعريَّة، وفي تفسير الطَّبَرِيِّ ألفَيْن ومئتَيْن وستِّين شاهدًا، وفي «المُحَرَّر الوجيز» لابن عَطِيَّة ألفًا وتسعمائةً وواحدًا وثمانين شاهدًا، وفي «الكشَّاف» للزَّمَخْشَرِيِّ تسعمائةٍ وشاهدًا واحدًا. ويُحلِّل هذا التَّفاوت في ضوء اتِّساع كلِّ تفسيرٍ وطبيعة عنايته باللُّغة والنَّحو والبلاغة، وما تيسَّر لمؤلِّفه من مصادرَ سابقة، مع التَّمييز بين كثرة جمع الشَّواهد والقدرة على توظيفها في بيان المعنى. ويُبْرِز تميُّز الطَّبَرِيِّ في شرح الأبيات وتحليل دلالاتها، ثمَّ ابن عَطِيَّة في فهم الشَّواهد ومناقشة أقوال مَن تقدَّمه، بينما يتقدَّم القُرْطُبِيُّ من حيث سَعَة الجمع وتنوُّع الأغراض التي يورد الشِّعر من أجلها. ويَتَتَبَّع كذلك طبقات الشُّعراء الذين اعتمد عليهم المفسِّرون، فيجد أنَّ شعراء الجاهليَّة يحتلُّون مكانةً متقدِّمةً بين أصحاب الشَّواهد، ويأتي بعدهم شعراء صدر الإسلام والعصر الأُمَوِيِّ. ويُقَدِّم الأَعْشَى في مقدِّمة شعراء الجاهليَّة الذين كَثُر الاستشهاد بشعرهم، ويَذْكُر النَّابِغَة الذُّبْيَانِيَّ وجَرِيرًا والفَرَزْدَق ورُؤْبَة بن العَجَّاج وأباه العَجَّاج وذا الرُّمَّة وغيرهم ممَّن اشتهرت أشعارهم في كتب العربيَّة والتَّفسير.
وللقبائل العربيَّة وأثرها في تكوين الشَّواهد مجالٌ في هذا الاستقراء؛ إذ يُصَنِّف المؤلِّف الشُّعراء بحسب انتماءاتهم القَبَلِيَّة، ويُقابِل بين ما حُفِظ من أشعار القبائل وما استشهد به المفسِّرون منها. ويَجِد أنَّ قبيلة تَمِيمٍ تقدَّمت غيرها من حيث عدد الشُّعراء والشَّواهد، فقد أحصى ثمانيةً وخمسين شاعرًا من شعرائها استُشْهِد بشعرهم في الكتب المدروسة، تَلِيها كِنَانَة ثمَّ بَكْرٌ ببطونها المختلفة. ويُناقش دلالة هذا الانتشار على صلة التَّفسير بلغات العرب ولهجاتهم، وما يَستَدِلُّ به من شواهد الشِّعر على أنَّ القرآن الكريم نزل بلغاتٍ عربيَّةٍ متعدِّدةٍ، ولم يقتصر على لغة قريشٍ وحدها. كما يَتَتَبَّع انتقال الشَّواهد بين المصنَّفات، ويكشف ما اشترك فيه أصحاب التَّفسير والمعاني والغريب من الأبيات المرويَّة في الدَّواوين والمختارات القديمة، ولا سيَّما «المُفَضَّلِيَّات» و«الأَصْمَعِيَّات» و«الحَمَاسَة» لأبي تمَّام و«الوَحْشِيَّات» -المعروفة أيضًا بـ«الحَمَاسَة الصُّغْرَى»-. ويُوَضِّح أنَّ اعتماد المفسِّرين المتأخِّرين على هذه المصادر وعلى اختيارات المتقدِّمين أَدَّى إلى تكرار عددٍ كبيرٍ من الشَّواهد، مع قلَّة البحث عن أبياتٍ جديدةٍ لم يَسْبِق الاستشهاد بها، وأنَّ استحضار الشَّاهد لا يَكْفِي وحده ما لم يُحَدَّد وجه الاستدلال به، وتُرَاعَ دلالتُه وسياقُه وروايتُه.
ويَتَجَلَّى أثر الشَّاهد الشِّعريِّ في تفسير المعاني القرآنيَّة من خلال بيان المفردات الغريبة، وتحديد ما يَحْتَمِله اللَّفظ من دلالاتٍ في كلام العرب، والتمييز بين المعنى المشهور والمعنى القليل الاستعمال. كما يُسْتَعَان بالشِّعر على فهم التَّراكيب التي يختلف توجيهها باختلاف الإعراب، أو تتعدَّد وجوهها بسبب الحذف أو التَّقديم والتَّأخير أو اختلاف دلالة الحروف. ويُوَضِّح المؤلِّف أنَّ الشَّاهد قد يَحْسِم خلافًا في تفسير كلمةٍ أو تركيبٍ إذا دلَّ على استعمالٍ عربيٍّ صحيحٍ تُؤَيِّده القرائن، وقد يَجْعَل أحد المعاني أرجحَ من غيره لكونه أشهرَ في لسان العرب وأقربَ إلى سياق الآية. غير أنَّه يُنَبِّه إلى ضرورة التَّفريق بين ما يَحْتَمِله التَّركيب من جهة الصِّناعة النَّحويَّة وبين المعنى الذي يَصِحُّ حمل القرآن عليه، فلا يُكْتَفَى بمجرَّد وجود وجهٍ إعرابيٍّ في بعض الشَّواهد لتفسير الآية به دون مراعاة استعمال القرآن وسياقه. ويتَّصل بذلك دور الشِّعر في توجيه القراءات القرآنيَّة، حيث يَستَعْرِض ما استشهد به العلماء لتفسير وجوه القراءات المتواترة وغير المتواترة، وبيان ما تَشْهَد له من لغات العرب وتراكيبها. ويُناقش ما وقع بين النُّحاة والمفسِّرين من اختلافٍ في توجيه بعض القراءات، ولا سيَّما ما وُجِد له نظيرٌ في الشِّعر على وجهٍ قليلٍ أو شاذٍّ، مُؤَكِّدًا ضرورةَ الاحتجاج بالشَّواهد الصَّحيحة المشهورة، وعدم إخضاع القرآن لاحتمالاتٍ لغويَّةٍ بعيدةٍ أو رواياتٍ شعريَّةٍ غير موثوقة.
ويمتدُّ البحث إلى أثر الشَّاهد الشِّعريِّ في المسائل العقديَّة والفقهيَّة التي ناقشها المفسِّرون، وما استندوا إليه من استعمالاتٍ عربيَّةٍ في تقرير معاني الآيات أو تأويلها. ففي المباحث العقديَّة يَسْتَعْرِض احتجاج بعض الفرق بالشِّعر على تفسير ألفاظٍ تتعلَّق بأسماء الله تعالى وصفاته، وما وقع من خلافٍ في حمل بعض الألفاظ على معاني القوَّة أو النِّعمة أو المُلْك، أو إثبات الصِّفات على الوجه اللَّائق بالله تعالى من غير تكييفٍ ولا تمثيل. ويُناقش أمثلةً من تفاسير الطَّبَرِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ وابن عَطِيَّة والقُرْطُبِيِّ، مُنَبِّهًا إلى أنَّ إثبات استعمالٍ مجازيٍّ في الشِّعر لا يقتضي حملَ كلِّ موضعٍ من القرآن على ذلك الاستعمال، وأنَّ النُّصوص الشَّرعيَّة وأقوال السَّلف والسِّياق القرآنيَّ تُرَاعَى عند تحديد المعنى. وفي الجانب الفقهي يَتَتَبَّع ما يُسْتَشْهَد به من الأبيات في تفسير الألفاظ التي تتعلَّق بالأيمان والنِّكاح والطَّلاق وسائر الأحكام، وما قد يَنْشَأ عن اختلاف دلالاتها من اختلافٍ في الاستنباط. ويَذْكُر ما رُوي عن الفَرَزْدَق في مجلس الحسن البَصْرِيِّ من الاستشهاد بالشِّعر عند الإجابة عن بعض الأسئلة الفقهيَّة، مُوَضِّحًا أثر معرفة اللُّغة في فهم الألفاظ التي تَتَرَتَّب عليها الأحكام. ويُفَرِّق في هذه المباحث بين الاستشهاد على الدَّلالة اللُّغويَّة وبين إقامة الحكم الشَّرعيِّ، فلا يَجْعَل الشَّاهد الشِّعريَّ بديلًا عن الأدلَّة الشَّرعيَّة، وإنَّما يستعين به على فهم الألفاظ والتَّراكيب الواردة فيها.
وللشَّواهد الشِّعريَّة أثرٌ كذلك في الكشف عن أساليب القرآن الكريم ووجوه بلاغته؛ إذ يَتَتَبَّع ما أورده المفسِّرون من أشعار العرب في تفسير الحذف والتَّقديم والتَّأخير والالتفات والاستثناء والاستفهام والمجاز، وما يَحْتَمِله الكلام من معانٍ تتنوَّع بحسب السِّياق. ويُبَيِّن كيف استُعْمِل الشِّعر في نسبة بعض اللُّغات إلى قبائلها، وإثبات فصاحة الألفاظ والتَّراكيب، والتَّمييز بين الصِّيَغ المشهورة والأقلِّ استعمالًا. ويَسْتَعْرِض ما ورد في كتب التَّفسير من شواهدَ على اختلاف نطق بعض الكلمات أو أبنيتها، وما نُسِب منها إلى قبائلَ بعينها، مُوَضِّحًا أثر ذلك في دراسة اللُّغات العربيَّة التي نزل بها القرآن. كما يَتَنَاوَل الاستشهاد بالشِّعر في بيان الأحوال التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة التي نزلت فيها الآيات، وما حفظته القصائد من عادات العرب وأخبارهم ومعتقداتهم، ومنها ما يتعلَّق بالنَّسِيء وتغيير الأشهر الحُرُم، وما ارتبط بذلك من تقاليدَ جاء القرآن بإبطالها. ويُناقش كذلك أثر الشِّعر في تحديد أسماء المواضع والبلدان المذكورة في القرآن الكريم، وما يورده المفسِّرون من أبياتٍ في وصف أماكنَ مثل حُنَيْنٍ وغيرها، مع الإشارة إلى أنَّ أثر الشَّاهد في تحديد المواضع القرآنيَّة كان محدودًا قياسًا باتِّساع استعماله في كتب الجغرافيا والبلدان.
ويَصِل المؤلِّف هذه المباحث بقضيَّة الإعجاز البيانيِّ للقرآن الكريم، مُبَيِّنًا أنَّ دراسة الشِّعر الجاهليِّ تُعِين على معرفة المستوى الذي بلغته العربيَّة في الفصاحة والبيان عند نزول القرآن، وما امتاز به أهلها من دقَّة التَّذوُّق والقدرة على التَّمييز بين أساليب الكلام. ويَستَعْرِض ما قرَّره عددٌ من علماء الإعجاز بشأن صلة النَّظم القرآنيِّ بكلام العرب، ثمَّ يُناقش ما دعا إليه محمود محمَّد شاكر من التَّعمُّق في دراسة الشِّعر الجاهليِّ، واستخلاص خصائص بيانه، تمهيدًا للموازنة بينها وبين خصائص البيان القرآنيِّ. ويُؤَكِّد أنَّ معرفة الألفاظ الغريبة والقواعد النَّحويَّة وحدها لا تستوفي هذا الغرض، بل لا بُدَّ من إدراك طُرُق التَّصوير والتَّعبير ومواقع الألفاظ في التَّراكيب، وما تَتَشَكَّل منه المعاني في نظم الكلام. ويُبْرِز بذلك أنَّ الشِّعر الجاهليَّ ليس مصدرًا لشرح مفردات القرآن فحسب، بل يُمْكِن أن يكون سبيلًا إلى دراسة الفروق بين البيان البشريِّ الذي بَلَغَه العرب في أعلى مراتبه، والبيان القرآنيِّ الذي تحدَّاهم الله تعالى أن يأتوا بمثله.
ويَنْتَهِي البحث إلى نتائجَ تكشف عن الصِّلة الوثيقة بين علم التَّفسير وعلوم العربيَّة، وعن الأثر الكبير للشَّعر الجاهليِّ والإسلاميِّ في تكوين الشَّواهد التي اعتمد عليها المفسِّرون. ومن أبرزها تقدُّم المختارات الشِّعريَّة القديمة بوصفها مصادرَ للشَّواهد، وغلبة الاعتماد على شعراء الجاهليَّة، وكثرة الاستشهاد بشعر قبيلة تَمِيمٍ، وتفوُّق القُرْطُبِيِّ في عدد الشَّواهد المجموعة، وتميُّز الطَّبَرِيِّ في شرحها وتحليل أوجه الاستدلال بها. كما يُبَيِّن أنَّ كثيرًا من الشَّواهد انتقل من كتب المعاني والغريب إلى التَّفاسير المطوَّلة، وأنَّ تكرار الأبيات في المصنَّفات المتأخِّرة يدلُّ على وحدة الأصول التي اعتمد عليها العلماء، مع تفاوتهم في النَّقد والتَّوثيق وحُسْن توظيف الشَّاهد. ويُؤَكِّد ضرورةَ العناية بالشِّعر الجاهليِّ في الدِّراسات القرآنيَّة، وإحكام معرفة رواياته ومعانيه وأساليبه، والتَّمييز بين الاحتجاج اللُّغويِّ الصَّحيح والتَّوسُّع في توجيه الآيات باحتمالاتٍ بعيدة. وتَتَكَامَل هذه النَّتائجُ في بيان أنَّ الشَّاهد الشِّعريَّ أداةٌ علميَّةٌ لفهم لسان العرب الذي نزل به القرآن الكريم، وأنَّ قيمته في التَّفسير لا تتحدَّد بكثرة الأبيات المستشهد بها، بل بصحَّة روايتها، ووضوح دلالتها، وحُسْن استعمالها في بيان المعنى المراد من كلام الله تعالى.