يُحَلِّل هودُ محمَّد منصور قُبَاص أَبُورَاس في هذا الكتاب الآياتِ التي وجَّه فيها القرآن الكريم خطابه إلى اليهود والنَّصارى، وما اشتملت عليه من دعوةٍ إلى التَّوحيد والإيمان بالرُّسُل والكتب السَّماويَّة، وتصحيحٍ للمعتقدات، وتحذيرٍ من الغلوِّ والتَّحريف وكتمان الحقِّ ونقض العهود والمواثيق. ويجمع النُّصوص القرآنيَّة المتعلِّقة بهذه القضايا، ويُرَتِّبها بحسب موضوعاتها، ويشرح دلالاتها في ضوء أقوال المفسِّرين وأسباب النُّزول، ثمَّ يصل بينها وبين مواقف أهل الكتاب في عصر النُّبوَّة وما أعقبه من عصور. وتقوم دراسته على المقارنة بين ما حكاه القرآن الكريم من أقوال اليهود والنَّصارى وأعمالهم، وما ينقله من نصوص كتبهم الدِّينيَّة وشهادات علمائهم ومواقفهم الحديثة، بغرض بيان مدى استمرار المعتقدات والممارسات التي تناولها الخطاب القرآنيُّ، والوقوف على أوجه الاتِّفاق والاختلاف بين الماضي والحاضر.
وتتنوَّع صِيَغ الخطاب القرآنيِّ لأهل الكتاب بتنوُّع المقامات التي وردت فيها؛ فتارةً يُخاطِبهم الله تعالى مباشرةً، وتارةً يأمر نبيَّه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بمخاطبتهم، وتأتي مواضع أخرى على ألسنة موسى وعيسى عليهما السلام، أو في كلام المؤمنين، أو في سياق الحكاية عن أقوال أهل الكتاب ومعتقداتهم وأعمالهم. ويَكْشِف المؤلِّف ما تُؤَدِّيه أساليب النِّداء والأمر والنَّهي والاستفهام والشَّرط من معانٍ تتعلَّق بالدَّعوة والتَّذكير والاحتجاج والتَّوبيخ والتَّحذير، ويُميِّز بين الخطاب الخاصِّ باليهود، والخاصِّ بالنَّصارى، وما يشملهما معًا. ويرتبط بهذا التَّحليل بيانُ الأسماء التي أطلقها القرآن الكريم عليهم، ومنها «بَنُو إِسْرَائِيلَ» و«الَّذِينَ هَادُوا» و«النَّصَارَى» و«أَهْلُ الْإِنْجِيلِ»، مع التَّعريف باليهوديَّة والنَّصرانيَّة، ونشأتهما، وأبرز الفِرَق والمذاهب التي تفرَّعت عنهما، وما طرأ على معتقداتها وعلاقاتها من تغيُّراتٍ عبر التَّاريخ.
وفي الخطاب المتعلِّق بالعقيدة، تبرز دعوةُ أهل الكتاب إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، والإيمان برسالات الأنبياء عليهم السلام، والتَّصديق بالنَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم واتِّباع القرآن الكريم. ويشرح المؤلِّف معاني الدِّين والإيمان والتَّوحيد، وما تدلُّ عليه الآيات من وحدة أصول الرِّسالات السَّماويَّة، ويُناقش النَّهي عن الغلوِّ في الدِّين من خلال المعتقدات التي انتقدها القرآن الكريم، ولا سيَّما تأليه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام والقول بالتَّثليث. ويُقابل هذه الآيات بما ورد في نصوص العهدَيْن القديم والجديد، وبما تناقلته المذاهب اليهوديَّة والنَّصرانيَّة من عقائد، مُبَيِّنًا وجوه الاحتجاج القرآنيِّ عليها. ويتَّصل بذلك البحثُ في مشروعيَّة مجادلة أهل الكتاب وآداب مناظرتهم، وما ينبغي أن تقوم عليه من علمٍ وحكمةٍ وإقامةٍ للحُجَّة. ومن أمثلته مناقشات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأحبار اليهود ووفود النَّصارى، ومحاورة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنَّجاشيِّ، وما ورد في المباهلة من دلالاتٍ وأحكام. ويمتدُّ البحث إلى مناظرة فخر الدِّين الرَّازِيِّ مع أحد النَّصارى في خُوَارَزْم، ومناظرة أحمد ديدات للقسِّ ستانلي شُوبِرْج، مع بيان القضايا التي تناولتها هذه الحوارات، وما استُعمِل فيها من أدلَّةٍ نقليَّةٍ وعقليَّةٍ لمناقشة ألوهيَّة المسيح عليه السلام وصدق الرِّسالة المحمَّديَّة.
ولا تنفصل الدَّعوة إلى التَّوحيد عن دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالقرآن الكريم؛ ولذلك يُخَصِّص المؤلِّف بحثًا لموقفهم من الكتب السَّماويَّة، وما أوجبه القرآن الكريم من الإيمان بالوحي الذي أنزله الله تعالى على رسله، وما قرَّره من تصديق القرآن لما سبقه من الكتب وهيمنته عليها. وتُعْرَض الآيات التي تحثُّ على التَّصديق بالرِّسالة الخاتمة، وتُنْكِر كتمان البشارات بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتردُّ على مَن حصر الإيمان فيما أُنزل على قومه دون سائر الكتب. وفي مقابل مواقف التَّكذيب والمعارضة، يَسُوق المؤلِّف أخبارًا عمَّن أقرُّوا بصدق الرِّسالة أو آمنوا بها، ومنهم عبد الله بن سَلَام رضي الله عنه، وما نُقل عن النَّجاشيِّ ووَرَقَة بن نَوْفَل. ويَضُمُّ إلى هذه الشَّواهد القديمة أقوالًا وشهاداتٍ حديثةً لعددٍ من الباحثين والمنتسبين إلى اليهوديَّة والنَّصرانيَّة بشأن القرآن الكريم وحفظه، ثمَّ يُناقش محاولات الطَّعن في صدقه أو تغيير ألفاظه ومعانيه، ومنها كتاب «الفُرْقَان الحقّ»، وما اشتمل عليه من محاكاةٍ للنَّصِّ القرآنيِّ وتحريفٍ لبعض عباراته. ويَعرض صور هذه المحاولات وأهدافها في التَّشكيك في الوحي، والطَّعن في النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتَّأثير في عقائد المسلمين، مع الاستدلال بما قرَّره القرآن الكريم من تكفُّل الله تعالى بحفظ كتابه.
وأمَّا تحريف الكتب السَّابقة، فيُعالجه البحث من جهة مفهومه وأنواعه وشواهده التَّاريخيَّة والنَّصِّيَّة؛ فيُميِّز بين التَّحريف اللَّفظيِّ الذي يتعلَّق بتغيير النُّصوص بالزِّيادة أو الحذف أو التَّبديل، والتَّحريف المعنويِّ الذي يكون بصرف الكلام عن المراد منه أو تأويله على غير وجهه، إلى جانب الإخفاء والكتمان وخلط الحقِّ بالباطل. ويُفَسِّر الآيات التي نَسَبَت إلى طوائفَ من أهل الكتاب تحريف الكَلِم عن مواضعه وكتمان بعض ما أُنزل إليهم، ثمَّ يُقابلها بنصوص التَّوراة والأناجيل المتداولة، وما أورده الباحثون من اختلافاتٍ بين مخطوطاتها ونُسَخها وتَرْجَماتها. ويَتَتَبَّع بعض الفروق بين النُّسَخ العبرانيَّة والسَّامريَّة واليونانيَّة، وما يتعلَّق بتاريخ تدوين الكتاب المقدَّس وانتقال نصوصه، مستعينًا بكتاباتٍ إسلاميَّةٍ في مقارنة الأديان وبأقوالٍ منسوبةٍ إلى باحثين مسيحيِّين ومراجعَ غربيَّة. وتَتَّسِع المقارنة لتشمل تعديلاتٍ وترجماتٍ حديثةً يناقشها المؤلِّف بوصفها شواهدَ على استمرار التَّغيير في الكتب الدِّينيَّة، مع البحث في أسباب الاختلاف بين نصوصها وأثره في المعتقدات. ومن مجموع هذه الأمثلة يَسْتَدِلُّ على وقوع التَّحريف اللَّفظيِّ والمعنويِّ في الكتب السَّابقة، ويُقابله بما يقرِّره من ثبوت النَّصِّ القرآنيِّ وحفظه.
وتُشَكِّل العهودُ والمواثيق الجانبَ الأبرز من دراسة الأخلاق التي تناولها الخطاب القرآنيُّ لأهل الكتاب؛ إذ يُحَرِّر المؤلِّف معاني العهد والميثاق والفروق بينهما، ثمَّ يعرض ما اشتملت عليه مواثيق بني إسرائيل من الأمر بعبادة الله تعالى وحده، والإحسان إلى الوالدَيْن والأقربين، وإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة، وتحريم سفك الدِّماء والاعتداء على النَّاس وإخراجهم من ديارهم. ويُبَيِّن ما حكاه القرآن الكريم من مخالفة بعضهم لهذه المواثيق، وما ترتَّب على نقضها من ذمٍّ ووعيد، مستشهدًا بأقوال المفسِّرين والرِّوايات التَّاريخيَّة. وتنتقل المقارنة إلى أحداث السِّيرة النَّبويَّة، ومنها ما ورد في شأن بني النَّضير وعهودهم مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إلى العلاقات السِّياسيَّة في العصر الحديث، ولا سيَّما اتفاقات الهُدنة بين العرب وإسرائيل وما يتعلَّق باتفاقات رودس، حيث يناقش بنودها وما أورده من وقائعَ عسكريَّةٍ وسياسيَّةٍ يَسْتَدِلُّ بها على نقض بعض الالتزامات. ويَربط هذه الوقائع بمبحث الوفاء بالعهد في القرآن الكريم، مُتَّخِذًا منها أمثلةً للمقارنة بين المواقف التَّاريخيَّة والمعاصرة.
وتنتهي المقارنة بين الخطاب القرآنيِّ والمواقف القديمة والحديثة إلى جملةٍ من النَّتائج التي يُقَرِّرها المؤلِّف بشأن عالميَّة الرِّسالة القرآنيَّة، وشمولها للدَّعوة إلى الإيمان وإصلاح العقائد والأخلاق والمعاملات. ويَسْتَدِلُّ بما جمعه من النُّصوص والأحداث على استمرار صورٍ من الغلوِّ والتَّحريف ونقض العهود والمواقف المناوئة للإسلام، ويذهب إلى أنَّ جوانبَ من المعتقدات والسُّلوكيَّات التي انتقدها القرآن الكريم بقيت حاضرةً في أوساطٍ يهوديَّةٍ ونصرانيَّةٍ حديثة. كما يربط بين ما يصفه من تشويه الكتب السَّابقة وصورة الإسلام لدى بعض أتباعها، وبين انتشار الشُّكوك الدِّينيَّة والاتِّجاهات العَلمانيَّة والإلحاديَّة، داعيًا إلى تعريف أهل الكتاب بالإسلام من مصادره الأصليَّة، وإقامة الحوار العلميِّ معهم، وتقديم الحجج التي تُوضِّح حقيقة التَّوحيد وصدق الرِّسالة المحمَّديَّة، مع الاستفادة من شهادات مَن دخلوا الإسلام ومن الدِّراسات المقارنة للنُّصوص الدِّينيَّة. وبذلك يجمع البحث بين التَّفسير الموضوعيِّ لآيات الخطاب القرآنيِّ، ومناقشة العقائد والكتب السَّابقة، ودراسة المناظرات والمواقف التَّاريخيَّة والمعاصرة، في محاولةٍ لبيان أثر ذلك الخطاب ومواقف المخاطَبين منه عبر العصور.