يُؤَصِّل كتاب «الإعجاز العلمي في القرآن الكريم»، -المُقَرَّر لمرحلة الماجستير في جامعة المدينة العالميَّة- البحثَ في دلالات الآيات الكونيَّة وصلتها بالمعارف العلميَّة والتَّجريبيَّة، ويُناقش مناهج المفسِّرين والباحثين في الاستدلال بالاكتشافات الحديثة على إعجاز القرآن الكريم. ويُحَرِّر مفهوم التَّفسير العلميِّ، ويتتبَّع نشأته وتطوُّره، وما ذهب إليه بعض العلماء من اشتمال القرآن الكريم على مختلف العلوم، مستعرضًا أقوال أبي حامد الغَزَالِيِّ، والفخر الرَّازِيِّ، وأبي الفضل المُرْسِيِّ، وجلال الدِّين السُّيُوطِيِّ، وما استندوا إليه من آياتٍ وأخبارٍ وأقوالٍ في تقرير هذا الاتِّجاه. ويَعرض أبرز المؤلَّفات التي تناولت التَّفسير العلميَّ في العصر الحديث، ومنها «كشف الأسرار النُّورانيَّة القرآنيَّة» لمحمَّد بن أحمد الإسكندرانيِّ، و«إعجاز القرآن والبلاغة النَّبويَّة» لمصطفى صادق الرَّافعيِّ، و«الإسلام والطِّبُّ الحديث» لعبد العزيز السِّبَاعِيِّ، و«الجواهر في تفسير القرآن الكريم» لطنطاوي جَوْهَرِيٍّ، مع بيان خصائص هذه المؤلَّفات وما تضمَّنته من محاولاتٍ لربط النُّصوص القرآنيَّة بالعلوم الطَّبيعيَّة والاكتشافات المعاصرة.
ويُناقش مواقف العلماء من التَّفسير العلميِّ بين التَّأييد والمعارضة والتَّوسُّط، فيَعرض حُجَج القائلين باشتمال القرآن الكريم على أصول العلوم والمعارف، وما استدلُّوا به من الآيات الدَّالَّة على شمول الكتاب وبيانه، ثمَّ يتناول اعتراضات الشَّاطِبِيِّ على تحميل القرآن علومًا لم يُقصد إلى بيانها، وما وجَّهه محمَّد حسين الذَّهَبِيُّ من انتقاداتٍ إلى التَّوسُّع في تفسير الآيات بالنَّظريَّات العلميَّة. ويَدرس منهج طنطاوي جَوْهَرِيٍّ في تفسير «الجواهر»، وما اشتمل عليه من مباحث في الطِّبِّ والطَّبيعة والكيمياء والفلك، مع مناقشة نماذج من تفسيره لقصص بني إسرائيل، والحروف المُقَطَّعَة، وآيات الخلق وشهادة الجوارح يوم القيامة، وما أُخذ عليه من الاستطراد في العلوم وتحميل بعض الآيات دلالاتٍ لا يقتضيها سياقها. ويُبيِّن القواعد التي ينبغي مراعاتها عند تفسير القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، ومنها المحافظة على مقاصده في الهداية والتَّشريع، والالتزام بدلالات اللُّغة العربيَّة وقواعد النَّحو والبلاغة، ومراعاة السِّياق وأسباب النُّزول، والتَّمييز بين الحقائق العلميَّة الثَّابتة والنَّظريَّات والفرضيَّات التي تقبل التَّغيير.
ويُفَصِّل الفرق بين التَّفسير العلميِّ والإعجاز العلميِّ، فيجعل الأوَّل متعلِّقًا بالاستعانة بالمعارف الكونيَّة في بيان معاني الآيات، والثَّاني قائمًا على الاستدلال بسبق القرآن الكريم إلى الإخبار بحقائقَ لم تتَّضح تفاصيلها للإنسان إلَّا في العصور المتأخِّرة. ويَبحث شروط القول بالإعجاز العلميِّ، وضرورة ثبوت الحقيقة العلميَّة، وصحَّة دلالة النَّصِّ القرآنيِّ عليها، والتَّحرُّز من التَّأويل المتكلَّف أو إخضاع الآيات للنَّظريَّات المتغيِّرة. ويُوضِّح منزلة الآيات الكونيَّة في الاستدلال على وحدانيَّة الله تعالى وقدرته على الخلق والإحياء والإماتة والبعث، وما يتطلَّبه فهمها من الجمع بين التَّفسير اللُّغويِّ وأقوال المفسِّرين والمعرفة العلميَّة. ويتناول وجوه الإعجاز القرآنيِّ المختلفة، وآيات التَّحدِّي، وما يميِّز الإعجاز العلميَّ من الإعجاز البيانيِّ والتَّشريعيِّ والغيبيِّ، مع بيان أثر الاكتشافات الحديثة في تجديد النَّظر في بعض الآيات دون إلغاء دلالاتها المعروفة أو إغفال مقاصدها الأصليَّة.
ويَنتقل إلى التَّطبيقات الكونيَّة، فيدرس قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا»، وما ورد في تفسير الرَّتْق والفَتْق من أقوالٍ، ويُناقش صلتها بما توصَّل إليه الباحثون في نشأة الكون ونظريَّة الانفجار العظيم واتِّساعه. ويَبحث قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ»، وما قيل في وصف السَّماء بالدُّخان وعلاقته بالمراحل الأولى لتكوُّن الأجرام السَّماويَّة، ثمَّ يتناول ترتيب خلق الأرض والسَّماوات في الآيات القرآنيَّة، وما ذكره المفسِّرون في الجمع بين النُّصوص المتعلِّقة بذلك، ومقارنته بالمراحل التي يذكرها علماء الفلك والفيزياء لنشأة الكون. ويَدرس الأمثال القرآنيَّة المضروبة بالذُّباب والبَعُوض، فيُوضِّح سياق المثل بالذُّباب في سورة الحجِّ، والمثل بالبَعُوضة في سورة البقرة، وما اشتملت عليه هذه الأمثال من تقرير التَّوحيد وإبطال عبادة غير الله تعالى، ثمَّ يَعرض ما ذكره الباحثون في خصائص هاتين الحشرتين وبنيتهما وطرائق تغذيتهما وتكاثرهما، وما يُستدلُّ به من ذلك على وجوه الإعجاز.
ويَبحث الآيات المتعلِّقة بالأرض والجبال والبحار، فيتناول تفسير قوله تعالى: «وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ»، وما ورد في معنى السَّجْر من أقوالٍ، ومنها امتلاء البحر بالماء، وما يُذكر بشأن الحرارة والنَّشاط البركانيِّ في قيعان المحيطات والبحار. ويَدرس قوله تعالى: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا»، وما قيل في تمهيد الأرض وتهيئتها للحياة، وعلاقة الجبال بالقشرة الأرضيَّة وتوازنها، وأثر الجذور الجبليَّة في استقرار التَّكوينات الصَّخريَّة. ويتناول تفسير قوله تعالى: «وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا»، وما ورد في تكوين الجبال ونشأتها وإرسائها، ثمَّ يبحث قوله تعالى: «يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ»، وما يُستدلُّ به من التَّكوير على كُرَوِيَّة الأرض وتعاقب اللَّيل والنَّهار، مع استعراض ما عُرف من الأقوال الفلكيَّة القديمة والحديثة في شكل الأرض وحركتها.
ويَتَنَاوَل الآيات المتعلِّقة بالنَّحل، ولا سيَّما قوله تعالى: «وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ»، فيشرح ما ورد في اتِّخاذ النَّحل بيوته في الجبال والأشجار وما يعرشه النَّاس، وانتقاله بين الأزهار، وطرائق جمع الرَّحيق وصناعة العسل، وما يتَّصل ببنية مجتمع النَّحل وتقسيم الأعمال فيه. ويَبحث تركيب العسل وتنوُّع ألوانه وخصائصه الغذائيَّة والعلاجيَّة، وما يخرجه النَّحل من الشَّمع وغذاء الملكات والعَكْبَر، وما نُسب إلى هذه المنتجات من فوائدَ واستعمالاتٍ طبيَّة. ويَدرس قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا»، فيُوضِّح دلالات الإزجاء والتَّأليف والرُّكام والوَدْق، ويُقارن بين أقوال المفسِّرين وما تذكره علوم الأرصاد عن تكوُّن السُّحب الرُّكاميَّة ونشأة المطر والبَرَد والبَرْق. ويَبحث التقاء المياه العذبة والمالحة في تفسير قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ»، وما قيل في البَرْزَخ والحاجز بينهما، وخصائص المياه عند مصابِّ الأنهار، والفروق بين الكتل المائيَّة في البحار من حيث الملوحة والكثافة والحرارة. ويَختتم بمناقشة تقديم السَّمع على البصر في عددٍ من الآيات، وما يتعلَّق بالحاسَّتين من وظائفَ وخصائصَ، ودلالة إفراد السَّمع وجمع الأبصار، مع الاستعانة بما ورد في علوم الطِّبِّ ووظائف الأعضاء، في إطار الموازنة بين المعاني التَّفسيريَّة والتَّوجيهات العلميَّة لهذه الظَّواهر.