يَضُمُّ هذا الكتابُ، المُسْتَلُّ من «الجامع» لأبي بكر أحمد بن مُحَمَّد الخَلَّال، طائفةً من المسائل والرِّوايات المنقولة عن الإمام أحمد بن حَنْبَل في أحكام أهل الملل والرِّدَّة والزَّنادقة وتارك الصَّلاة والفرائض. وقد جَمَع الخَلَّال هذه الرِّوايات بأسانيدها عن أصحاب الإمام أحمد وتلاميذه، ومنهم أبناؤه صالح وعبد الله، وأبو بكر المَرُّوذِيُّ، وأبو طالب المَشْكَانِيُّ، والمَيْمُونِيُّ، وحَرْب الكِرْمَانِيُّ، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، وغيرهم ممَّن نقلوا عنه أجوبتَه وأقوالَه في المسائل المختلفة. وتَرِد المسألةُ الواحدةُ أحيانًا من طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، قد تتَّفق ألفاظُها أو تختلف، وفي بعضها توقُّف الإمام عن الجواب أو رجوعه عن قولٍ سابقٍ. ويتخلَّل هذه المرويَّاتِ شيءٌ من تعقيبات الخَلَّال على اختلاف النَّقل، وبيان ما يختاره من الرِّوايات، إلى جانب الأحاديث النَّبويَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين التي أُورِدَت في أبواب الكتاب.
وتبدأ المسائلُ بأحكام الإيمان وأهل الملل، ومنها ما نُقِل عن الإمام أحمد في شأن اليهود والنَّصارى وعلاقتهم بأمَّة النبيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وأحكام أطفال المسلمين والمشركين وأهل الذِّمَّة، ومصيرهم في الآخرة، ومعنى الفِطْرَة، وتَبَعِيَّة الأولاد لآبائهم في الدِّين. وتَشْمَل أحكامَ الصِّغار الذين يدخلون في حَوْزَة المسلمين، ومَن مات أبواه من أهل الذِّمَّة أو أسلم أحدهما، وقبولَ إسلام الصَّغير إذا عَقَل الإسلام، وما يترتَّب على ذلك من أحكام الصَّلاة عليه ودَفْنِه والميراث. وتَرِد كذلك مسائلُ إسلام أهل الكتاب والمجوس، وما يتعلَّق بالطَّهارة والغُسْل وبعض العبادات، وأحكامُ الزَّكاة والصَّدقة والجِزْيَة والخَرَاج والعُشْر، وما يُؤْخَذ من أموال أهل الذِّمَّة وتِجَارَاتهم.
وتَشْمَل المرويَّاتُ أحكامَ المُعَامَلَات بين المسلمين وغير المسلمين، من البيع والشِّراء والشَّرِكَة والشُّفْعَة والإِجَارَة، وما يتعلَّق بالخمر والخنزير وأثمانهما، والتَّصرُّف في الأموال والدُّور والأراضي. وتَرِد مسائلُ القضاء بين أهل الذِّمَّة، والتَّحَاكُم إلى قُضَاة المسلمين، وإقامة الحدود والشَّهَادَات والبَيِّنَات عند اختلاف الدِّين. وفي أبواب النِّكَاح تُذْكَر أحكامُ الزَّواج من نساء أهل الكتاب، وأحكامُ أنكحة غير المسلمين، وما يترتَّب على إسلام أحد الزَّوجين من بقاء النِّكَاح أو الفُرْقَة والعِدَّة والصَّدَاق، إلى جانب مسائل الطَّلَاق والإيلاء والظِّهَار واللِّعَان. وتَرِد كذلك أحكامُ الجَنَائِز والتَّعزية والدَّفْن، والوَصَايَا والعِتْق والكفَّارات والأَيْمَان، وما يتعلَّق بأهل الذِّمَّة في السِّيَر والأمان والعُهُود، وأحكامُ الكنائس والبِيَع، والذَّبَائِح والأطعمة والصَّيْد، وآدابُ التَّعامل معهم من السَّلام والمُصَافَحَة والعِيَادَة والاستئذان. وتَتَضَمَّن المسائلُ أيضًا أحكامَ الجِنَايَات والحُدُود والقِصَاص والدِّيَات والمَوَارِيث عند اختلاف الدِّين، وما خُصَّ به المجوس من أحكامٍ في الأنكحة والذَّبَائِح والميراث.
ويَشْمَل القسمُ المتعلِّق بالرِّدَّة ما نُقِل عن الإمام أحمد في حُكْم مَن رجع عن الإسلام، والاستتابة ومُدَّتها، ورِدَّة المرأة والصَّغير، وتكرار الرِّدَّة والرُّجوع إلى الإسلام، وما يتعلَّق بالنِّكَاح والعِدَّة والأموال والميراث وأحكام الدَّفْن. وتَرِد بعد ذلك مسائلُ الزَّنادقة والسَّحَرَة والكُهَّان والعَرَّافين، وأحكامُ الاستتابة والتَّعامل معهم. ثمَّ تُذْكَر الرِّواياتُ المتعلِّقة بتارك الصَّلاة، وحُكْم تَرْكِها عمدًا، والاستتابة، وتَرْكِ الصَّلاة حتَّى يخرج وقتُها، وما يترتَّب على ذلك من أحكام. وتَشْمَل الأبوابُ الأخيرة تاركَ الصِّيام ومانعَ الزَّكاة ومَن جَحَد فريضةً أو استحلَّ مُحَرَّمًا، وما نُقِل في التَّفريق بين الجُحُود والتَّرْك مع الإقرار بالوجوب. وتَتَّسِم هذه الأبوابُ بتعدُّد الرِّوايات عن الإمام أحمد، وإيراد أجوبته في صورٍ مختلفةٍ من المسألة الواحدة، مع ما يتخلَّلها من الأحاديث والآثار وتعقيبات الخَلَّال، وبذلك يُحَافِظ النصُّ المُسْتَلُّ على طبيعة «الجامع» بوصفه أصلًا في نقل مسائل الإمام أحمد وأقواله.