اختصر أبو إبراهيم الفتح بن عليّ البنداريّ الأصفهانيّ في كتاب «سنا البرق الشّاميّ» مؤلَّف «البرق الشّاميّ» للعماد الأصفهانيّ الذي دوّن فيه أخبار الدَّولة الزَّنكيّة والأيّوبيّة، وما شهده من الحوادث منذ وصوله إلى الشّام سنة 562 هـ إلى وفاة صلاح الدّين الأيّوبيّ سنة 589 هـ. وقد وضع البنداريّ مُختصَره لخزانة الملك المُعظَّم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وفرغ منه سنة 622 هـ، قاصدًا تهذيب الكتاب الأصليّ وتخفيف ما غلب عليه من الإسهاب في الأوصاف والإكثار من السَّجع والجناس والمحسِّنات اللَّفظيّة. ولم يُعِد صياغة الأخبار في تأليف مستقلّ، بل انتخب من عبارات العماد ما يحفظ معانيها ويؤدّي مقاصدها، مع حذف كثير من الاستطرادات والرَّسائل والمقطوعات الشِّعريّة التي رأى أنّها لا تُضيف إلى بيان الوقائع. وتبدأ النُّسخة الباقية بأخبار العماد في خدمة نور الدّين محمود بن زنكي، وتمتدّ إلى حوادث سنة 583 هـ وفتح بيت المقدس، وهي الجزء الأوّل من المُختصَر الذي لم يُعرف مصير بقيّة أجزائه.
ويستهلّ السَّرد بأخبار وصول العماد الأصفهانيّ إلى دمشق وانتظامه في خدمة نور الدّين محمود بن زنكي، وما شاهده من أحوال دولته وأعماله في تحصين المدن وبناء المدارس والمساجد والخانقاهات والرُّبط وإقامة الأوقاف وتخفيف المكوس. ويُفصِّل أخبار حملات أسد الدّين شيركوه إلى مصر وصراعه مع الوزير شاور وتدخُّل الفرنج في شؤونها، وما جرى في حصار بلبيس والإسكندريّة، ثمّ استيلاء شيركوه على الوزارة الفاطميّة ووفاته وانتقالها إلى ابن أخيه صلاح الدّين. ويتتبّع بعد ذلك تثبيت صلاح الدّين سُلطانه بمصر، وإنهاء الدَّعوة الفاطميّة وإقامة الخطبة للخليفة العبّاسيّ، وما اتّخذه من تدابير لضبط الجند والخزائن وشؤون الحكم. كما يذكر إرسال الأموال والهدايا من مصر إلى نور الدّين، وما كان بينهما من مراسلات وتوجيهات، وأخبار نجم الدّين أيّوب والد صلاح الدّين وإخوته وأقاربه الذين تولّوا مناصب عسكريّة وإداريّة. وترد خلال ذلك أخبار حملة شمس الدّولة تورانشاه إلى اليمن واستيلائه على زبيد وعدن وغيرها من المدن، وما ارتبط بهذه الفتوح من تعيين الولاة وترتيب شؤون البلاد.
ويعرض الكتاب وفاة نور الدّين محمود سنة 569 هـ وما أعقبها من تولية ابنه الملك الصّالح إسماعيل واضطراب الحكم بين أمراء الدَّولة الزَّنكيّة، وما نشأ من خلافات حول دمشق وحلب وسائر الممالك. ويتتبّع مسير صلاح الدّين من مصر إلى الشّام واستيلاءه على دمشق سنة 570 هـ، ثمّ حملاته على حمص وحماة وبعلبك ومنازعته أمراء حلب والموصل، وما دار بينه وبينهم من معارك ومفاوضات وعهود. ويُفصِّل أخبار الحصار والقتال عند حلب وعزّاز، وما وقع من محاولة الحشيشيّة اغتيال صلاح الدّين، ثمّ ما انتهت إليه المنازعات من اتِّفاقات على تسليم المدن والقلاع وإقرار الهدن. ويتناول كذلك العلاقات بين صلاح الدّين والخلافة العبّاسيّة، وما حمله الرُّسل من التَّشريفات والتَّقليدات والمراسيم، إلى جانب أخبار الوزراء والقضاة وقادة الجيوش الذين شاركوا في تدبير الدَّولة. وتظهر في هذه الحوادث أخبار العماد نفسه، وانتقاله بين دمشق والموصل وغيرها من المدن، ثمّ عودته إلى خدمة صلاح الدّين وملازمته في أسفاره وحملاته، وما أُسند إليه من أعمال الكتابة والإنشاء.
وتتواصل أخبار توسُّع السُّلطان الأيّوبيّ في بلاد الشّام والجزيرة، فيذكر البنداريّ نقل العماد لحملات صلاح الدّين على بلاد الموصل وسنجار وآمد ومَيّافارقين وحرّان وغيرها، وما جرى خلالها من حصار ومراسلات ومصالحات مع أمراء تلك الجهات. ويُورِد أخبار سيف الدّين غازي وعزّ الدّين مسعود وأمراء بني أرتق، وما نشأ بينهم وبين صلاح الدّين من خصومات وتحالفات، إلى جانب أخبار الملوك الأيّوبيّين الذين شاركوا في هذه الحملات، ومنهم الملك العادل سيف الدّين والملك المُظفَّر تقيّ الدّين عمر. كما يتناول الغارات المتبادلة بين المسلمين والفرنج على الثُّغور الشّاميّة، وما وقع من حروب حول بانياس وحماة وحصن بيت الأحزان والكرك وغيرها من المواقع. ولا يخلو السَّرد من أخبار إصلاح الأسوار وبناء القلاع وتنظيم الحاميات وإقطاع الأراضي، وما كان يُنفق على الجند وأعمال التَّحصين، فضلًا عن أخبار السَّفارات والهدايا والمكاتبات التي سبقت عقد الصُّلح أو استئناف القتال.
ويُفرد الكتاب مساحة واسعة لحوادث سنة 583 هـ، فيذكر استعداد صلاح الدّين لمواجهة الفرنج وجمعه العساكر من مصر والشّام والجزيرة، وما أثاره أرناط صاحب الكرك من أعمال نقضت الهدنة وعرّضت قوافل المسلمين للخطر. ثمّ يُفصِّل وقعة حطّين وما جرى فيها من تعبئة الجيوش والقتال وأَسْر مَلِك الفرنج ومقتل أرناط، وما أعقب الانتصار من استيلاء المسلمين على المدن والحصون. ويتتبّع فتح عكّا وتبنين وصيدا وبيروت وجبيل وعسقلان، وما صاحَب هذه الفتوح من تسليم بعض القلاع بالأمان وتبادل الأسرى وإقرار شروط الصُّلح. ويعرض بعد ذلك مسير صلاح الدّين إلى بيت المقدس وحصار المدينة ومفاوضاته مع المدافعين عنها، وما انتهى إليه الأمر من تسليمها مقابل فِدْية مقرَّرة على الخارجين منها. ويذكر دخول المسلمين إلى المدينة وإزالة ما أحدثه الفرنج في المسجد الأقصى وقبّة الصَّخرة، وإقامة صلاة الجمعة، وما جرى من إطلاق الأسرى وتوزيع الأموال. ثمّ يتناول محاولة صلاح الدّين الاستيلاء على صور وما لقيته عساكره من مقاومة، وما وقع من خسائر في السُّفن والمراكب، والأسباب التي انتهت برفع الحصار عنها.
وتشتمل مادّة الكتاب على نصوص من المكاتبات السُّلطانيّة التي حرّرها العماد الأصفهانيّ والقاضي الفاضل، وفيها أخبار الفتوح ومخاطبة الخلفاء والملوك والأمراء، وبيان شروط الهدن والمصالحات وتوجيه الأوامر إلى الولاة وقادة الجيوش. كما تتخلّل الأخبار قصائد ومقطوعات نظمها العماد في مدح نور الدّين وصلاح الدّين وغيرهما من أصحاب السُّلطة، وأشعار لأدباء عصره ومُطارحات جرت في المجالس، مع تراجم عارضة لبعض الكُتّاب والقضاة والشُّعراء وذكر صلاتهم بأصحاب الدَّولة. ويُورد العماد أخبارًا من مشاهداته ومشاركته في الوقائع والمراسلات، ويتحدّث عن علاقاته بأمراء الشّام وتقلُّب أحواله في وظائف الإنشاء، بينما يتدخّل البنداريّ في مواضع محدودة لبيان ما حذفه من الرَّسائل والأشعار، ويضيف أحيانًا خبرًا تلقّاه عن أحد معاصريه. وقد صرّح في مقدّمته بعزمه على إلحاق مُختصَره بمُنتخبات من كتابَي العماد «العُقبى والعُتبى» و«خطفة البارق»، اللَّذين يتناولان حوادث لاحقة لوفاة صلاح الدّين، غير أنّ النُّسخة الباقية لا تشتمل على تلك المُنتخبات، وتنتهي بإتمام الجزء الأوّل والإشارة إلى ابتداء الجزء الثّاني بحوادث سنة 584 هـ دون إيرادها.