يُؤَرِّخُ أبو شامة عبد الرَّحمن بن إسماعيل المقدسيُّ في كتاب «الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة» لقيام دولتَي نور الدِّين محمود بن زنكي وصلاح الدِّين يوسف بن أيُّوب، وما شهدته عهودهما من حروبٍ وفتوحٍ وتحوُّلاتٍ سياسيَّة وعسكريَّة، مع عنايةٍ خاصَّة بجهادهما ضدَّ الفرنج، واستعادة البلاد التي استولوا عليها، وأعمالهما في إقامة العدل ونشر العلم وإصلاح شؤون الرَّعيَّة. ويبدأ بالتَّعريف بنور الدِّين ونسبه وأبيه عماد الدِّين زنكي، وما حقَّقه من فتوحاتٍ في بلاد الشَّام والجزيرة، ثمَّ يتتبَّع انتقال الملك إلى نور الدِّين بعد مقتل أبيه، واستيلاءه على حلب، وتوسُّع سلطانه، وحروبه مع الفرنج وأمراء الشَّام، وفتح دمشق، والاستيلاء على الحصون والقلاع، وما جرى من المعارك والحصارات والعهود والمصالحات. ويُفَصِّل في حملات أسد الدِّين شيركوه إلى مصر، والصِّراع على السُّلطة فيها، وتدخُّل الفرنج في شؤونها، حتَّى استقرَّ الأمر لشيركوه في الوزارة، ثمَّ خلفه صلاح الدِّين، وما أعقب ذلك من انتهاء الخلافة الفاطميَّة وإعادة الخطبة للخليفة العبَّاسيِّ.
ويُبْرِز سيرة نور الدِّين في الحكم والجهاد، فيذكر عدله وإنصافه للمظلومين، وإبطال المكوس والضَّرائب، وإنشاء دار العدل، وبناء المدارس والمساجد والمارستانات، وتحصين المدن والقلاع، وإقامة الأوقاف على أهل العلم والفقراء والمرضى وغيرهم. ويتناول عنايته بالفقه والحديث، وإظهار السُّنَّة، وإصلاح أحوال البلاد، ويُورِد من أخباره ومواقفه ما يُبَيِّن زهده وعبادته وشجاعته وحسن تدبيره للجيوش، مع ذكر أمرائه وقُضاته والعلماء الذين اتَّصلوا بدولته. ثمَّ يتتبَّع ما وقع بعد وفاته من انتقال الملك إلى ابنه الملك الصَّالح إسماعيل، وتنازع الأمراء، وما نشأ عن ذلك من اضطرابٍ في بلاد الشَّام.
ويُفَصِّل في أخبار صلاح الدِّين، منذ تولِّيه الوزارة في مصر وما اتَّخذه من إجراءاتٍ لتثبيت سلطانه، إلى دخوله دمشق بعد وفاة نور الدِّين، وحروبه مع أمراء حلب والموصل، واستيلائه على حمص وحماة وبعلبك وغيرها من البلاد، وما جرى من محاولات اغتياله، وعلاقاته بأمراء الجزيرة والشَّام، واتِّساع دولته في مصر والشَّام والجزيرة واليمن. ويَتَتَبَّع حملاته على الفرنج، وما وقع بين الفريقين من انتصاراتٍ وهزائمَ، وصولًا إلى معركة حِطِّين سنة 583هـ، وما أعقبها من فتح طبريَّة وعكَّا ونابلس وصيدا وبيروت وعسقلان وغيرها من المدن والحصون، ثمَّ فتح بيت المقدس، فيُفْرِد لأخبار حصاره وتسليمه وإقامة الجمعة بالمسجد الأقصى وإعادة منبره أبوابًا مفصَّلة، ويُورِد الخطب والرسائل والأشعار التي قيلت في الفتح، وما بُعث من كتب البشائر إلى الملوك والخلفاء.
ويُتابع أخبار الحملة الصَّليبيَّة التي أعقبت فتح بيت المقدس، وحصار الفرنج لعكَّا، وما جرى حولها من معاركَ برِّيَّةٍ وبحريَّةٍ، ووصول ملوك الفرنج بجيوشهم، واستيلائهم على المدينة، ثمَّ حروبهم مع صلاح الدِّين على السَّاحل، وما تبادلته الأطراف من رسائلَ ومفاوضاتٍ حتَّى انعقاد الصُّلح والهُدنة. ويتناول كذلك مرض صلاح الدِّين ووفاته، وأخلاقه ومناقبه وما خلَّفه من أموالٍ ومتاعٍ، ثمَّ انقسام ممالكه بين أولاده وإخوته، وما نشأ بينهم من خلافٍ وتنافسٍ على الولايات، وما اتَّصل بذلك من أخبار الأمراء والوزراء والأعيان ووفياتهم.
ويَعْتَمِد أبو شامة في تأريخ الدولتين على أخبار المؤرِّخين الذين تناولوا حوادثهما، وفي مقدِّمتهم ابن الأثير وابن شدَّاد وعماد الدِّين الكاتب الأصفهانيُّ، وعلى رسائل القاضي الفاضل وغيرها من المكاتبات والأشعار، وما بلغه من أخبار الثِّقات ومَن أدركوا تلك العهود. ويَنْتَقِي من الرِّوايات ما يتَّصل بالوقائع والأشخاص، ويختصر الإطناب في الرَّسائل المسجوعة والأشعار، ويُثْبِت التَّواريخ وأسماء المشاركين في الحروب وأخبار الملوك والأمراء والوزراء والعلماء المتوفَّين في أثناء الحوادث، مع تعقيباتٍ يُوضِّح فيها بعض الوقائع ويُقارن بين الأخبار. وتظهر عنايته بإبراز الصِّلة بين الدَّولتين، وما مهَّده نور الدِّين من أسباب القوَّة والجهاد، وما أتمَّه صلاح الدِّين من الفتوح، مع بيان ما اشترك فيه الملكان من العدل ورعاية المصالح الدِّينيَّة والعمرانيَّة.