يُتَرْجِم عزُّ الدِّين أبو الحسن ابنُ الأثير الجَزَرِيُّ في كتابه «أُسْد الغابة في معرفة الصَّحابة» لآلافٍ من أصحاب النبيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، مُعْتَنِيًا بضبط أسمائهم وأنسابهم وكُناهم وألقابهم، وبيان أحوالهم وأخبارهم وما عُرِفوا به من السَّبْق إلى الإسلام والهجرة والجهاد ورواية الحديث. وقد أَلَّفه بالاعتماد أساسًا على أربعة كتبٍ في معرفة الصَّحابة، وهي مُصَنَّفات ابن مَنْدَه وأبي نُعَيْم الأَصْبَهَانِيِّ وابن عبد البَرِّ وأبي موسى المَدِينِيِّ، فضمَّ ما تفرَّق فيها من التَّراجم، وأضاف إليها أسماءً وأخبارًا انتقاها من مؤلَّفاتٍ أخرى. ولم يقتصر على نقل أقوال سابقيه، بل قابل بين رواياتهم، ونَبَّه إلى ما وقع فيها من اختلافٍ في الأسماء والأنساب وإثبات الصُّحبة والمشاهد، وصحَّح ما تبيَّن له من الأوهام، مع إيراد ما يُعِين على التَّمييز بين الأشخاص المتشابهة أسماؤهم.
ويبدأ بترجمةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، يَذْكُر فيها نسبَه ومولدَه ونشأتَه وبعثتَه وهجرتَه وغزواتِه وأهمَّ أحداث سيرته، ثمَّ يُورِد تراجمَ الصَّحابة رضي الله عنهم مرتَّبةً على حروف المعجم، مُرَاعِيًا ترتيبَ الحروف في أسماء الأشخاص وآبائهم وأجدادهم وقبائلهم. وتَشْمَل التَّراجمُ بيانَ الأنساب والصِّلات العائليَّة والقبليَّة، وأخبارَ الإسلام والهجرة وشهود المشاهد والغزوات، وما ورد من المواقف والمناقب والأعمال، إلى جانب الأحاديث التي رواها الصَّحابيُّ أو رُوِيَت عنه، وأسماء بعض مَن أخذوا عنه، وما عُرِف من أخبار وفاته. وتتفاوت التَّراجمُ طولًا بحسب ما وصل إلى المؤلِّف من أخبار أصحابها؛ فمنها ما يشتمل على تفصيلٍ في النَّسب والسِّيرة والمروِيَّات، ومنها ما يقتصر على خبرٍ أو حديثٍ يُعْرَف به صاحب التَّرجمة.
ويَعْتَنِي ابنُ الأثير بتحرير الخلاف في تعيين الأشخاص وإثبات صُحبتهم، فيَذْكُر مَن اختُلِف في اسمه أو نسبه، ومَن تعدَّدت أسماؤه أو كُناه، ومَن أُفْرِد له أكثرُ من ترجمةٍ مع احتمال اتِّحاد الشَّخص، ويُبَيِّن مواضع الوَهْم والتَّكرار حيث يتبيَّن له ذلك. وقد وَضَع رموزًا تُحَدِّد الكتب الأربعة التي ورد فيها اسم صاحب التَّرجمة؛ فجعل الدَّال لابن مَنْدَه، والعين لأبي نُعَيْم، والباء لابن عبد البَرِّ، والسِّين لأبي موسى، ويَذْكُر في أواخر التَّراجم مَن أخرجها منهم، مُوَضِّحًا أنَّ العَزْو يدلُّ على ذكر الاسم في الكتاب، لا على اتِّفاق أصحابه في جميع ما أورده من أخباره. ويَنْقُل من الأحاديث والأخبار ما يخدم التَّعريف بالشَّخص، ويَشْرَح بعض الألفاظ الغريبة الواردة في المرويَّات، ويَضْبِط الأسماء المُتَشَابِهَة لئلَّا يقع الالتباس بينها.
ويُخَصِّص أقسامًا لأصحاب الكُنى، وللرِّجال الذين لم تُعْرَف أسماؤهم وإنَّما عُرِفوا بنسبتهم إلى آبائهم أو قبائلهم أو بأسماء مَن رووا عنهم، ثمَّ يُتْبِع ذلك بتراجم الصَّحابيَّات رضي الله عنهنَّ، مرتَّبةً على حروف المعجم، مع إفراد كُناهُنَّ، وذكر مَن لم تُعْرَف أسماؤهنَّ وإنَّما اشتهرن بنسبتهنَّ إلى أزواجهنَّ أو آبائهنَّ أو أقاربهنَّ، أو بما ورد في الأخبار من أوصافهنَّ. ويَتَجَلَّى في الكتاب اهتمامُ المؤلِّف بالتَّعريف بالصَّحابة وتمييز أشخاصهم، والموازنة بين أقوال أصحاب المُصَنَّفات السَّابقة، والجمع بين علم التَّراجم والأنساب والرِّواية، مع المحافظة على ترتيبٍ يُيَسِّر الرُّجوع إلى الأسماء والوقوف على ما نُقِل في أصحابها من أخبارٍ واختلافات.