الأعلم الشنتمري
يُوسُف بن سُلَيْمَان بن عيسى الشَّنْتَمَرِيّ الأَنْدَلُسِيّ، أبو الحَجَّاج، المعروف بالأَعْلَم: نَحْوِيٌّ ولُغَوِيٌّ وأديبٌ وراويةٌ للشِّعر العربيّ، من كبار أئمَّة العربيَّة بالأندلس في القرن الخامس الهجريّ، وأحد المُبَرِّزين في شرح الشِّعر الجاهليّ وتحقيق رواياته ومعانيه. وُلِد سنة 410هـ بشَنْتَمَرِيَّة الغَرْب، وهي مدينةٌ من مدن الأندلس الغربيَّة، تُعرف اليوم بفَارُو، في جنوبيِّ البُرْتُغَال. ولُقِّب بالأَعْلَم لِشَقٍّ كان في شَفَته العُلْيَا. ورحل إلى قُرْطُبَة سنة 433هـ، فتلقَّى علوم النَّحو واللُّغة والأدب والشِّعر على جماعةٍ من أئمَّتها، منهم أبو بكر مُسْلِم بن أحمد الأديب، وأبو القاسم إبراهيم بن مُحمَّد ابن الإِفْلِيلِيّ، وأبو سهل يُونُس بن أحمد الحَرَّانِيّ، وقرأ عليهم أُمَّهات كتب العربيَّة، ومنها «كتاب سِيبَوَيْهِ»، و«أَبْنِيَة كتاب سِيبَوَيْهِ» للزُّبَيْدِيّ، و«الكَامِل» للمُبَرِّد، و«أَدَب الكاتب» لابن قُتَيْبَة، و«إِصْلَاح المَنْطِق» لابن السِّكِّيت، و«الغَرِيب المُصَنَّف» لأبي عُبَيْد، إلى جانب دواوين الشُّعراء وأخبار العرب وأنسابهم. وأخذ عن شيخه ابن الإِفْلِيلِيّ شعر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّيّ، وعاونه في شرحه، وتوسَّع في دراسة أشعار الجاهليِّين والإسلاميِّين وروايتها وضبط ألفاظها وشرح غريبها. ثمَّ انتقل إلى شِلْب، واشتغل فيها بالتَّدريس، وأخذ عنه الشَّاعر والوزير أبو بكر مُحمَّد بن عَمَّار الشِّلْبِيّ في صغره. وانتقل بعد ذلك إلى إِشْبِيلِيَّة، واتَّصل بالمَلِك المُعْتَضِد بالله عَبَّاد بن مُحمَّد، صاحبها، فقرَّبه واختاره لتأديب ولده، ثمَّ اختصَّه ابنه المَلِك المُعْتَمِد بالله بتأديب أولاده، وظلَّ في كَنَف بني عَبَّاد إلى آخر حياته. وكان المُعْتَمِد يرجع إليه فيما يُشْكِل عليه من مسائل اللُّغة، ومن ذلك سؤاله عن الفرق بين «المُسْهِب» و«المُسْهَب»، فأجابه الأَعْلَم بجوابٍ مُفصَّلٍ ناقش فيه أقوال اللُّغويِّين ورجَّح بينها بالشَّواهد. واشتهر الأَعْلَم بسَعَة الحفظ، وجودة الضَّبط، والتَّبحُّر في النَّحو ومعاني الأشعار ورواياتها، وتمييز صحيحها من منحولها، حتَّى انتهت إليه رئاسة العربيَّة في عصره، وقصده طَلَبَة العلم للأخذ عنه. وكان يُعنى بأسانيد الكتب ودواوين الشِّعر، ويُميِّز رواياتها ويُقابل بينها، ويُناقش أقوال النُّحاة واللُّغويِّين، ولا سيَّما في تفسير شواهد «كتاب سِيبَوَيْهِ» وتوجيه أوجه الإعراب. وأخذ عنه جماعةٌ من الأئمَّة، منهم الحافظ أبو عليّ الحُسَيْن بن مُحمَّد الغَسَّانِيّ الجَيَّانِيّ، وأبو بكر مُحمَّد بن سُلَيْمَان الكُلَاعِيّ، المعروف بابن القَصِيرَة، وأبو مُحمَّد عبد المَجِيد بن عَبْدُون، وعليّ بن عبد الرَّحمن التَّنُوخِيّ، المعروف بابن الأَخْضَر، وابنُه عيسى، وغيرهم. ومن أشهر مُؤلَّفاته «تَحْصِيل عَيْن الذَّهَب من مَعْدِن جَوْهَر الأَدَب في عِلْم مَجَازَات العَرَب»، شرح فيه الشَّواهد الشِّعريَّة الواردة في «كتاب سِيبَوَيْهِ»، وفسَّر ألفاظها ومعانيها، وبيَّن وجوه الاستشهاد بها وما يتَّصل بها من مسائل النَّحو واللُّغة، و«النُّكَت في تفسير كتاب سِيبَوَيْهِ وتبيين الخَفِيّ من لفظه وشرح أبياته وغريبه»، وهو شرحٌ لمسائل الكتاب وما غَمُض من عباراته، ناقش فيه أقوال النُّحاة، ووجَّه الشَّواهد، وبيَّن علل الأحكام النَّحويَّة، وله فيه اختياراتٌ واعتراضاتٌ على بعض آراء سِيبَوَيْهِ ومُخالفيه. وصنَّف «شرح أَشْعَار الشُّعَرَاء السِّتَّة الجاهِلِيِّين»، وشرح فيه أشعار امرئ القَيْس بن حُجْر، والنَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ، وعَلْقَمَة بن عَبَدَة الفَحْل، وزُهَيْر بن أبي سُلْمَى، وطَرَفَة بن العَبْد، وعَنْتَرَة بن شَدَّاد، مع عنايته بضبط الرِّوايات وتفسير الغريب وشرح المعاني والتَّراكيب، وقد عُرفت شروح بعض هذه الدَّواوين مُنفردةً بأسمائها. وله «شرح شِعْر أبي تَمَّام»، و«شرح حَمَاسَة أبي تَمَّام»، وهو شرحٌ مُطوَّلٌ لمُختارات الحَمَاسَة، و«حَمَاسَة الأَعْلَم الشَّنْتَمَرِيّ»، رتَّب فيها مُختارات أبي تَمَّام على حروف المعجم، وأضاف إليها أشعارًا اختارها من عيون الشِّعر العربيّ. وله أيضًا «شرح أَبْيَات الجُمَل» للزَّجَّاجِيّ، في تفسير شواهده الشِّعريَّة وتوجيهها نَحْوًا ولُغَةً، و«المَخْتَرَع في النَّحو»، و«المَقَالَات الثَّلَاث» في مسائل الاسم والفعل والحرف، و«المَسْأَلَة الزُّنْبُورِيَّة»، و«المَسْأَلَة الرَّشِيدِيَّة»، و«مَعْرِفَة الأَنْوَاء»، و«مَعْرِفَة حُرُوف المُعْجَم»، و«فَهْرَسَة» ذكر فيها مرويَّاته ومقروءاته. وله شِعرٌ في المدح وغيرِه، ومنه قصائدُ في الثَّناء على بني عَبَّاد. وكُفَّ بصره في أواخر عمره، وبقي على منزلته في العلم والأدب، وتُوفِّي بإِشْبِيلِيَّة سنة 476هـ.