
نبذة عن الكتاب:
يفصِّل ابن رجب الحنبلي في «نزهة الأسماع في مسألة السَّماع» أحكام سماع الغناء وآلات اللَّهو، فيبحث حكم الغناء والمعازف، وما ورد في المنع منهما أو الرُّخصة في بعض صورهما، وسماع الغناء من المرأة الأجنبيَّة، واتِّخاذ السَّماع وسيلةً للتَّقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ وترقيق القلوب. ويقسم السَّماع إلى ما يقع على جهة اللَّعب واللَّهو وإشباع حظوظ النُّفوس، وما يُقصد به استجلاب صلاح القلب ورقَّته ومحبَّة الله تعالى والشَّوق إليه، ثمَّ يناقش كلَّ قسم من جهة النُّصوص والآثار وأقوال الفقهاء وأهل الحديث وما نُقل عن بعض أهل السُّلوك.
ويحدِّد الغناء الذي يدور عليه المنع بالشِّعر الرَّقيق المشتمل على التَّشبيب ووصف المحاسن وما يحرِّك الهوى الكامن في الطِّباع، إذا لُحِّن على وجه يزعج القلب ويخرجه عن اعتداله ويثير الشَّهوة. بل قد يكون الشِّعر نفسه محرَّمًا وإن لم يُلحَّن متى كان مضمونه محرِّكًا للهوى، في حين لا يُلحق بذلك كلُّ إنشاد سُمِّي غناءً؛ فما خلا من المعاني المحرَّمة ومن التَّلحين المثير للطِّباع لا يأخذ حكم الغناء المذموم لمجرَّد الاسم. وعلى هذا يحمل ما ورد من غناء نساء الأنصار والحداء وإنشاد الأشعار التي لا تثير شهوةً محرَّمة.
ويبحث الرُّخصة الواردة في بعض مناسبات الفرح، فيعرض حديث الجاريتين عند عائشة رضي الله عنها يوم العيد، وضرب الجواري بالدُّفِّ في العرس، وما ورد في قدوم الغائب، ويجعل هذه النُّصوص رخصةً مخصوصةً بأحوال السُّرور لا أصلًا لإباحة جميع أنواع الغناء. كما يفرِّق بين الدُّفوف التي كانت معروفةً في تلك الوقائع وبين آلات اللَّهو المطربة، وبين الأشعار التي تتحدَّث عن الحروب ومآثر العرب ونحوها وبين أشعار الغزل والتَّشبيب؛ ولذلك يرفض قياس الغناء المثير للشَّهوات المصحوب بالمعازف على ما رُخِّص فيه من إنشاد وضرب بالدُّفِّ في بعض الأفراح.
ويستعرض ما استُدلَّ به من القرآن الكريم على ذمِّ الغناء، ومنه تفسير جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين «لهو الحديث» بالغناء وأشباهه، وتفسير صوت الشَّيطان بالغناء والمزامير، وما ورد في تفسير السُّمود بالغناء. ثمَّ يجمع الأحاديث الواردة في المغنِّيات والمعازف والمزامير والطُّبول، ولا يوردها على مرتبة واحدة؛ بل يتكلَّم على أسانيد عدد منها، ويذكر ما في بعض رواتها من ضعف أو اختلاف، ويضمُّ بعضها إلى بعض في المواضع التي يرى أنَّ تعدُّد الطُّرق والشَّواهد يقوِّي فيها المعنى.
ويخصُّ حديث المعازف الذي أورده البخاري بالبحث، ويناقش كونه معلَّقًا، ويرى أنَّ الأقرب اتِّصاله؛ لأنَّ هشام بن عمَّار من شيوخ البخاري، ويذكر روايته من طريق متَّصل عند غيره، ثمَّ يضمُّ إليه الأحاديث الواردة في الكوبة والطَّبل والمزامير وما جاء في المسخ والخسف عند اجتماع الخمر والمعازف والمغنِّيات. ويعرض كذلك فعل ابن عمر رضي الله عنهما عند سماع زمَّارة الرَّاعي، ويفرِّق بين مجرَّد وصول الصَّوت إلى السَّمع من غير قصد وبين تعمُّد الاستماع؛ فالسَّامع عرضًا ليس كالمستمع القاصد، وإن كان ترك السَّماع وسدُّ الأذنين أولى عند وقوعه.
ويجمع آثار الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين في ذمِّ الغناء والمعازف، ويقف خصوصًا عند قول ابن مسعود رضي الله عنه إنَّ الغناء يُنبت النِّفاق في القلب، وما نُقل عن ابن عمر وعائشة وعثمان وابن عبَّاس رضي الله عنهم. وفي مقابل ذلك يتتبَّع الآثار التي قد يُفهم منها التَّرخيص، فيحملها على إنشاد شعر العرب والنَّصب والحداء وما يجري مجراه من كلام لا فحش فيه ولا تشبيب ولا وصف للخمر والمحاسن المحرَّمة، مستشهدًا بما نُقل عن عبد الرحمن بن عوف وعمر وأسامة بن زيد رضي الله عنهم وغيرهم في إنشاد هذا النَّوع من الشِّعر.
ويفرِّق بذلك بين الشِّعر والغناء؛ فالشِّعر كلام، حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وقد سمع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الشِّعر واستنشده، أمَّا الغناء عنده فيتعلَّق بالتَّلحين الذي يورث الطَّرب ويحرِّك الشَّهوة ويزعج القلب. ويعرض أقوال علماء الأمصار في المسألة، وما نُقل عن عمر بن عبد العزيز ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهم، ويميِّز بين الخلاف المنقول في بعض صور الغناء المجرَّد وبين آلات اللَّهو، التي يؤكِّد شدَّة المنع منها في النُّقول التي يسوقها.
ويتناول سماع غناء المرأة الأجنبيَّة، فينقل عن القاضي أبي الطَّيِّب الطَّبري عن أصحاب الشَّافعي منع ذلك سواء كانت المرأة ظاهرةً أو من وراء حجاب، ويورد ما نُقل عن الشَّافعي فيمن يجمع النَّاس لسماع الجارية المغنِّية وفيمن يداوم على سماع الغناء حتى يؤثِّر ذلك في عدالته وشهادته. ثمَّ يناقش ما حُمل من عبارات الشَّافعي على مجرَّد كراهة التَّنزيه، ويورد فتاوى لفقهاء من مذاهب مختلفة في المنع.
ويبحث علَّة المنع من الغناء المشتمل على وصف المحاسن وإثارة الشَّهوات، فيربطه بما جُبلت عليه النُّفوس من الميل إلى الصُّور والشَّهوات؛ فالكلام الموزون الملحَّن الذي يستحضر هذه الصُّور في الذِّهن قد يثير الفتنة كما يثيرها النَّظر، ولذلك يقيس أثر سماع وصف المحاسن على أثر مشاهدتها في تحريك الشَّهوة. ومن هنا يفسِّر وصف بعض السَّلف الغناء بأنَّه «رُقية الزِّنا»، لما يراه من قدرته على تحريك الهوى الكامن وإخراج الطَّبع عن اعتداله ودفعه نحو التَّعلُّق والعشق.
وينتقل إلى السَّماع الذي يُمارس بقصد التَّقرُّب إلى الله تعالى وتحريك القلب إلى المحبَّة والأنس والشَّوق، فيجعل أصل الاعتراض عليه أنَّ القُرَب لا تثبت بمجرَّد ما يجده الإنسان في نفسه من رقَّة أو لذَّة، وإنَّما تُتلقَّى عن الشَّرع. ويفرِّق بين من يتستَّر بدعوى السُّلوك ليبلغ حظَّه من اللَّذَّة، وبين الصَّادق الذي يقصد صلاح قلبه لكنَّه أخطأ حين اتَّخذ وسيلةً لم يشرعها الله تعالى قربةً إليه، ويرى أنَّ صدق القصد لا يحوِّل الوسيلة غير المشروعة إلى عبادة.
ويبحث في هذا السِّياق قراءة القرآن بالألحان الموسيقيَّة والأوزان والإيقاعات المطربة، ويفرِّق بينها وبين تحسين الصَّوت المشروع بالقرآن؛ لأنَّ التَّلحين الذي يستولي على السَّامع بالنَّغم قد يصرفه عن تدبُّر المعنى ويجعل اللَّذَّة متعلِّقةً بالصَّوت والوزن بدل الخطاب القرآني. ويذكر أنَّ بعض المتقدِّمين رخَّص في شيء من ذلك بقصد التَّحزين والتَّشويق، لكنَّه ينقل إنكار أكثر العلماء لهذه الألحان، ويرى أنَّ السُّنَّة جاءت بتحسين الصَّوت لا بتحويل التِّلاوة إلى أوزان الغناء.
ويعرض بعد ذلك سماع القصائد الزُّهديَّة التي تتضمَّن التَّخويف والتَّشويق والتَّرقيق، وما نشأ عنه من «التَّغبير» المصحوب أحيانًا بالضَّرب بالقضيب. وينقل إنكار الشَّافعي وأحمد وغيرهما للتَّغبير، مع تمييزه بين هذا وبين مجرَّد إنشاد أبيات الزُّهد من غير آلات ولا هيئة السَّماع المُحدَثة. وعلى هذا يحمل ما نُقل عن بعض الأئمَّة وبعض المتقدِّمين من الصُّوفيَّة من التَّرخيص في السَّماع؛ إذ لم يكن سماعهم، في النُّقول التي يناقشها، هو الغناء المصحوب بآلات اللَّهو المعروف في الأزمنة المتأخِّرة.
ولا يجعل وقوع بعض الصَّالحين في شيء من ذلك موجبًا للطَّعن في صلاحهم، بل يعدُّه من الزَّلَّات التي لا يُتابع صاحبها عليها، كما لا يُتَّبع العالم في قول شاذٍّ أخطأ فيه. ويناقش دعوى من يقول إنَّه بلغ من صفاء الحال وموت الهوى منزلةً لا تؤثِّر فيها المعازف والغناء، فيردُّها إلى طبيعة الإنسان المجبولة على الشَّهوة والتَّأثُّر، ويرفض أن يكون ادِّعاء عدم التَّأثُّر مبيحًا لما يمنع منه الشَّرع، كما لا تتغيَّر أحكام المحرَّمات لافتراض شخص لا يظهر عليه أثرها المعتاد.
ويجعل معيار صلاح القلب فيما شرعه الله عزَّ وجلَّ له من الغذاء؛ فالإنسان مركَّب من جسد وروح، ولكلٍّ غذاؤه، وغذاء القلب معرفة الله تعالى وعظمته وجلاله، وما يثمره ذلك من الخشية والتَّعظيم والمحبَّة والأنس والشَّوق والرِّضا. ومن أجل ذلك شرع الله تعالى سماع القرآن والذِّكر والموعظة، فمنه ما هو واجب كسماع القرآن والخطبة في مواضع وجوبهما، ومنه ما هو مندوب كمجالس الذِّكر، وهذه المسموعات هي التي تزيد الإيمان وتُليِّن القلب وتبعثه على القرب من الله تعالى.
ويصف القرآن بأنَّه الغذاء الذي تحيا به القلوب بعد موتها، وتزول به قسوتها عند التَّدبُّر وفهم المراد، وينقل عن السَّلف ما يدلُّ على أنَّ سلامة القلب تظهر في محبَّة كلام الله تعالى والتَّلذُّذ بتلاوته وعدم الشَّبع منه. أمَّا القلب الذي يفقد غذاءه النَّافع فقد يطلب عوضًا عنه فيما يضرُّه، فيستبدل بسماع الآيات سماع الأبيات، وبتدبُّر معاني التَّنزيل التَّعلُّق بالأصوات والألحان.
ويعارض بين الأثرين فيبيِّن أنَّ القرآن يذكِّر بأسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله وعظمته ووعده ووعيده، بينما تدور الأغاني التي ينتقدها على الخمر والصُّور والمحاسن والهوى والوصل والهجر والشَّوق. وينتقد نقل ألفاظ الغزل والخمر إلى معانٍ إلهيَّة بدعوى الإشارة والرَّمز، كما يرفض تفسير الطَّرب الذي يحدثه الغناء بأنَّه بالضَّرورة محبَّة لله تعالى؛ فقد يكون في قلب السَّامع إيمان ومحبَّة صحيحة، ومعهما هوى كامن تحرِّكه الأغاني، فيختلط عليه حظُّ الرُّوح بحظِّ النَّفس ويحسب الجميع وجدًا إيمانيًّا.
ويشبِّه تأثير هذا السَّماع في تحريك ما كمن في النُّفوس بتأثير الخمر؛ فالشيء قد يستخرج من النَّفس ما فيها من خير أو شرٍّ، ولا يلزم من تحريكه معنى صحيحًا عند بعض الأفراد أن يكون مشروعًا. ويرى أنَّ الاعتياد على الغناء والمعازف يورث النُّفور من سماع القرآن أو ضعف حضور القلب عنده، ويقلِّل الانتفاع به وتعظيم حرمات الله تعالى، كما يربطه بالرَّعونة والانبساط ودعاوى الوصول والقرب إذا انفصلت المحبَّة عن الخشية والإجلال. ويقابل ذلك بحال المؤمن الذي تزيده آيات الله تعالى إيمانًا، وتلين لها نفسه ويقشعرُّ جلده ويخشى ألَّا يُقبل منه عمله؛ فسماع القرآن عنده يُنبت الإيمان في القلب، بينما ينسب إلى سماع الغناء إنبات النِّفاق وإضعاف أثر الوحي فيه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














