
نبذة عن الكتاب:
يعالج ابن رجب الحنبلي في هذا المختصَر ما ينبغي للمظلوم في معاملة من سرقه أو اعتدى على حقِّه، فينطلق من نهي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عائشة رضي الله عنها عن الدُّعاء على من سرق ملحفتها، ويشرح ذلك بأنَّ ذهاب المال بالسَّرقة ونحوها مصيبة من مصائب الدُّنيا، وهي ممَّا يكفِّر الله تعالى به الخطايا، ويكون للصَّابر عليها أجر الصَّبر، مع ذكر الخلاف في حصول الثَّواب على مجرَّد المصيبة نفسها. فإذا كانت المصيبة ناشئةً عن ظلم آدمي كالسَّارق والغاصب، بقي للمظلوم فوق ذلك حقٌّ على ظالمه يُستوفى يوم القيامة من حسناته، فإن فنيت حسناته طُرح عليه من سيِّئات من ظلمهم.
ويبيِّن أنَّ دعاء المظلوم على ظالمه نوعٌ من الانتصار واستيفاء الحقِّ؛ فإذا دعا عليه بما يستحقُّه فقد أخذ بالدُّعاء بعض حقِّه، فخفَّ بذلك ما يبقى على الظَّالم من التَّبعة. وعلى هذا يحمل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة رضي الله عنها: «لا تُسبِّخي عنه»، أي لا تخفِّفي عنه بالدُّعاء عليه، بل دعي له ذنبه. ويسوق عن السَّلف ما يوافق هذا المعنى من عدِّ الدُّعاء قصاصًا، ومن تفضيل أن يلقى المظلوم ربَّه ومظلمته باقية على أن يستوفيها في الدُّنيا بالشَّتم والدُّعاء والانتقاص، وينقل عن الإمام أحمد أنَّ من دعا على من ظلمه لم يبلغ كمال الصَّبر عليه.
ولا يجعل ابن رجب ترك الدُّعاء على الظَّالم واجبًا؛ بل يقرِّر جواز أن يدعو المظلوم عليه بالعدل من غير اعتداء، مستدلًّا بقوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}. فإن تجاوز المظلوم قدر حقِّه في الدُّعاء لم يجز له ذلك، أمَّا الصَّبر فخير له. وينقل عن الحسن أنَّ للمظلوم أن يسأل الله تعالى العون على ظالمه واستخراج حقِّه منه بدل الدُّعاء عليه بالهلاك، فيبقى طالبًا لحقِّه من غير تعدٍّ.
ويرتقي من الصَّبر وترك الانتقام إلى مقام الرَّحمة بالظَّالم نفسه؛ فيورد عن بعض العارفين أنَّه لمَّا سُرق له شيء دعا للسَّارق: إن كان فقيرًا أن يغنيه الله تعالى، وإن كان غنيًّا أن يُقبل بقلبه إليه. وينقل عن إبراهيم التَّيمي أنَّه كان يرحم من يظلمه لما تعرَّض له من سخط الله عزَّ وجلَّ، وعن أيُّوب السَّختياني أنَّه رحم من آذاه لأنَّه يفارقه ويبقى المؤذي مع خُلُقه. فالظَّالم، بهذا الاعتبار، يسعى في مضرَّة نفسه وفي نفع المظلوم بما ينقله إليه من حسناته وما يتحمَّله من تبعة ظلمه.
ويعرض أثر العفو والدُّعاء بالإصلاح في مقاومة مراد الشَّيطان؛ فمن استغفر لظالمه فقد خالف ما يريده الشَّيطان من هلاك الخلق وزيادة العداوة بينهم. وينقل عن الفضيل بن عياض أنَّ العدو قد ينفع من يعاديه بما يدفع إليه من حسناته بسبب غيبته، فلا يناسب ذلك أن يقابل المظلوم هذا الحال بالدُّعاء له بالهلاك، بل يدعو له بالصَّلاح والرُّجوع إلى الله تعالى، فيحصل له مع حقِّه أجر الدُّعاء لأخيه.
ويورد في هذا المعنى قصَّة الرَّجل الخراساني الذي سُرقت منه دنانير وهو بمكَّة، فلم يكن بكاؤه على المال الذي فقده، وإنَّما على حال السَّارق حين تخيَّل وقوفه معه بين يدي الله عزَّ وجلَّ وعجزه عن إقامة الحجَّة، فبكى رحمةً به. ويذكر كذلك أنَّ من كمال النُّصح للمسلمين أن يكون حزن المسروق منه على وجود من وقع من الأمَّة في جريمة السَّرقة أشدَّ من حزنه على ضياع ماله؛ لأنَّ خسارة السَّارق في دينه أعظم من خسارة المسروق منه في دنياه.
ويؤكِّد هذا المعنى بما وقع في إقامة العقوبة نفسها؛ فالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا أُتي بلصٍّ اعترف بالسَّرقة وأقيم عليه الحدُّ أمره بالاستغفار والتَّوبة، ثمَّ دعا الله تعالى أن يتوب عليه. فاستحقاق الجاني للعقوبة لا يحوِّله إلى شخص يُطلب هلاكه أو يُغلق في وجهه باب التَّوبة والرَّحمة، بل يجتمع إنفاذ الحقِّ مع إرادة صلاحه ورجوعه إلى الله عزَّ وجلَّ.
ويورد كذلك نهي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن الدُّعاء بالخزي على من أُقيم عليه حدُّ الشُّرب، وبيانه أنَّ ذلك إعانة للشَّيطان عليه، وتوجيهه إلى الدُّعاء له بالمغفرة والرَّحمة. ثمَّ يذكر الرَّجل الذي كان يُؤتى به مرارًا في الشَّراب، فلمَّا لعنه أحد الحاضرين لكثرة ما يُؤتى به نهاهم النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن لعنه، وأخبر أنَّه يحبُّ الله ورسوله؛ فيبقى العاصي مع وقوعه في الذَّنب أهلًا لأن يُرجى له الإصلاح والتَّوبة، ولا تكون معصيته مسوِّغًا لإعانة الشَّيطان عليه باللَّعن والدُّعاء بالخزي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














