
نبذة عن الكتاب:
يُحرِّر ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب حكم تأخير الزَّكاة بعد وجوبها، فيقرِّر أنَّ الأصل في المذهب وجوب إخراجها فورًا عند حلول وقتها، مستندًا إلى نصوص الإمام أحمد التي تمنع تأخيرها أو تفريق إخراجها شيئًا فشيئًا بعد حلول الحول. وينقل تشديد أحمد فيمن يحول الحول على ماله ثمَّ يبدأ بإخراج الزَّكاة متفرِّقة، وقوله إنَّه يخرجها كلَّها إذا حال الحول، مع تعليله في بعض الرِّوايات بالخوف من حوادث الدَّهر التي قد تعرض للمكلَّف قبل إتمام ما وجب عليه.
ويوازن بين هذه النُّصوص وبين روايات أخرى عن الإمام أحمد قد تدلُّ على جواز شيء من التَّأخير؛ فمنها إجازته لمن جعل الزَّكاة في كيس وأخذ يعطي منها قليلًا قليلًا متحرِّيًا مواضعها إذا لم يجد المستحقَّ المناسب، مع استحباب المبادرة إلى إفراغها متى وجده، ومنها قوله فيمن أخَّر زكاة سنين إنَّه يُخشى عليه الإثم، وما نُقل عنه فيمن أدَّى زكاة العام الحاضر وبقيت عليه زكاة العام الماضي من إلزامه بأداء الماضية. ويستخلص من مجموع هذه الرِّوايات أنَّ أصل المبادرة باقٍ، وأنَّ بعض صور التَّأخير تتعلَّق بعذر أو مصلحة معتبرة.
ويفصِّل مسألة تأخير الزَّكاة من أجل قرابة فقراء اعتاد المزكِّي إعانتهم، فينقل عن أحمد كراهة تأخيرها انتظارًا لهم، ثمَّ يورد عنه جواز ذلك إذا كانوا غائبين ولم يجد المزكِّي في الحاضرين من يماثلهم في شدَّة الحاجة. كما يعرض اختلاف النُّقول عنه في إجراء الزَّكاة على الأقارب شيئًا فشيئًا، ويذكر حمل أبي بكر عبد العزيز للرِّوايات على حالين: فالمنع إذا أخَّر الزَّكاة بعد حلول الحول ليجريها عليهم، والجواز إذا قدَّم إخراجها لهم قبل الحول على سبيل تعجيل الزَّكاة.
ويناقش تقديم الأقارب في الزَّكاة من جهة الحاجة، فينقل عن أحمد أنَّ تخصيصهم بها لا يُستحسن إذا كان غيرهم أشدَّ حاجة، أمَّا إذا استووا مع غيرهم في الحاجة فهم أولى. ويعرض كذلك صورة من كان قد اعتاد الإنفاق على قريبه من ماله، فلا يجعل الزَّكاة وسيلةً إلى حفظ ماله الذي كان ينفق منه، مستندًا إلى تعليل أحمد بأنَّه «لا يُوقى بالزَّكاة مال»، وبذلك يفرِّق بين صلة الرَّحم المشروعة بالزَّكاة وبين استعمالها لإسقاط نفقة أو إحسان اعتاده الإنسان من ماله.
ويمدُّ ابن رجب البحث إلى تأخير الزَّكاة لتحرِّي زمان أو مكان تتضاعف فيه فضيلة الصَّدقة، فيخرِّج على جواز تأخيرها لشدَّة حاجة مستحقٍّ معيَّن احتمال جواز تأخيرها إلى شهر تفضُل فيه الصَّدقة. ويصل ذلك بمسألة نقل الزَّكاة إلى بلد بعيد لقرابة فقراء شديدي الحاجة، وينقل توقُّف أحمد في هذه الصُّورة، ثمَّ يقارن بين تأخير الأداء للوصول إلى مكان فاضل وتأخيره إلى زمان فاضل، ويرى أنَّ التَّأخير إلى الزَّمان أقرب من جهة أنَّه لا يستلزم العدول عن فقراء بلد المال ونقل الزَّكاة عنهم.
ويتناول قول عثمان بن عفان رضي الله عنه: «هذا شهر زكاتكم»، ويعرض اختلاف تفسير المراد بالشَّهر، وهل هو رمضان أو المحرَّم، مع تنبيهه إلى أنَّ تفسيره برمضان ليس من كلام السَّائب بن يزيد نفسه، بل من بعض الرُّواة بعده. وينقل توقُّف الإمام أحمد في معرفة وجه هذا الأثر، ثمَّ يورد تفسير القاضي أبي يعلى له بأنَّ الإمام كان يبعث السُّعاة في أوَّل السَّنة، فمن تمَّ حول ماله أخذوا زكاته، ومن عجَّل زكاةً لم تجب بعد قُبلت منه، ومن أخبر أنَّ حوله لم يتمَّ أُخِّر إلى وقته.
ويذكر من الأعذار المعتبرة في التَّأخير خشية صاحب المال أن يرجع عليه السَّاعي فيطالبه بالزَّكاة مرَّة أخرى، وينقل نصَّ أحمد وغيره على اعتبار ذلك عذرًا. ويعرض في هذا السِّياق قول من جعل وجوب الزَّكاة في الأموال الظَّاهرة مرتبطًا بمجيء السُّعاة، وقول من حمل أثر عثمان رضي الله عنه على استحباب تعجيل الزَّكاة في شهر مخصوص، مع نقل ردِّ القاضي لهذا التَّفسير.
ويستقصي الرِّوايات المتعلِّقة بتعيين «شهر الزَّكاة»، فيورد الأثر عن عثمان رضي الله عنه وفيه أمر من عليه دَين بقضائه ثمَّ إخراج زكاة ما بقي من ماله، ويذكر اختلاف النَّقل في كون الشَّهر المقصود رمضان أو المحرَّم. وينقل كذلك قول بعض السَّلف إنَّ معرفة ذلك الشَّهر قد نُسيت، وما رُوي من أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يخرجون زكاتهم في شعبان إعانةً للضُّعفاء والمساكين على صيام رمضان، ثمَّ ينبِّه إلى ضعف هذا الخبر، ويصرِّح بضعف رجال إسناده.
ويعرض مذاهب الفقهاء في مقدار المبادرة المطلوبة، فينقل عن ميمون بن مهران أنَّ صاحب المال إذا حال عليه الحول أخرج زكاته، وله أن يستغرق في تفريقها شهرًا لا يتجاوزه، وأن يجعلها صررًا ثمَّ يضعها فيمن يعرف من المستحقِّين. أمَّا فقهاء الحنابلة فنقل عنهم جواز تأخير إخراجها زمنًا يسيرًا من غير تحديد، مع بقاء أصل وجوب الأداء وعدم جواز التَّساهل في إبقائها بعد استقرارها في الذِّمَّة.
ويذكر أنَّ المنقول عن مالك والشَّافعي ومحمد بن الحسن هو وجوب إخراج الزَّكاة على الفور، بينما نُقل عن أبي يوسف عدم وجوب المبادرة ما لم يطالب بها الإمام. ويصل بهذا ما حكاه فقهاء الخلاف عن الحنفيَّة من سقوط الزَّكاة بتلف المال قبل إمكان الأداء وبعده، وربطوا ذلك بعدم وجوب إخراجها فورًا وعدم لزوم الأداء قبل مطالبة السَّاعي، مع تنبيه ابن رجب إلى أنَّ هذا القول يشبه ما حُكي عن أبي يوسف.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














