مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لابن رجب الحنبلي PDF
كتاب سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يستعرض ابن رجب الحنبلي في «سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز» مناقب عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، مركِّزًا على ما اجتمع فيه مع حداثة سنِّه من العبادة والعلم والزُّهد والحِلْم وقوَّة الدِّين وشدَّة الورع. ويجعل أخبار الصَّالحين باعثًا على الاقتداء بهم وتقوية العزائم ورقَّة القلوب، ويشير إلى أنَّ سيرة عبد الملك جديرة بذلك على وجه خاص؛ إذ كان قادرًا على التمتُّع بالدُّنيا بحكم مكانة أبيه وسلطانه، ومع ذلك آثر الزُّهد فيها والاجتهاد في طاعة الله تعالى.

ويعرض عبادته وتهجُّده وبكاءه وإخفاءه لذلك عن النَّاس، حتى نُقل أنَّ عمر بن عبد العزيز إنَّما ازداد دخولًا في العبادة بما رآه من ابنه. ومن أخباره أنَّه قام ليلة يصلِّي بعد أن أطفأ المصباح، وظلَّ يردِّد قوله تعالى من سُورة الشُّعراء: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} ويبكي عندها بكاءً شديدًا. وتكشف هذه الأخبار عن عبادة خفيَّة غلب عليها استحضار الآخرة والخوف من الله عزَّ وجلَّ، لا مجرَّد كثرة العمل الظَّاهر.

ويبيِّن علم عبد الملك وفقهه وفهمه من خلال مناقشاته الفقهيَّة ومواقفه في الحقوق والمظالم. فقد ناقش سليمان بن يسار في عدَّة المطلَّقة ومعنى الأقراء، مستحضرًا قول ابن عباس رضي الله عنهما في المسألة، كما استشاره أبوه في مظالم الحجَّاج، فقرَّر أنَّ من قدر على ردِّ المظالم ولم يردَّها شارك الظَّالم في تبعتها. ويربط ابن رجب هذا الفقه بالعلم بالله تعالى وخشيته؛ فيقسِّم العلماء إلى عالم بالله، وعالم بأمر الله تعالى، ومن جمع بين العلمين، ويعدُّ عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك من الجامعين بين معرفة الأحكام وبين الخشية والمحبَّة والتوكُّل والتبتُّل إلى الله عزَّ وجلَّ.

ويصوِّر زهده وقناعته وبعده عن الإسراف في معيشته، فيورد ما رآه ميمون بن مهران من بساطة فراشه وطعامه، وما أبداه عبد الملك من استغناء عن مزيد المال مع قدرته على تحصيله. ويذكر قصَّة إخلاء الحمَّام له، وإنكار ميمون عليه ذلك لما فيه من منع المسلمين منه أو التوسُّع في النَّفقة، فقبل عبد الملك النَّصيحة ورضي أن يدخله ليلًا مع ضعفة النَّاس. كما يوضِّح أنَّ باعثه على الانفراد لم يكن طلب الترفُّه، وإنَّما خشي أن يرى منكرًا فيؤدِّب صاحبه فيجاوز حدَّ الأدب أو يُنسب إلى ظلم، وهو معنى يعود إليه ابن رجب عند حديثه عن شدَّة تحرُّزه من الجور.

ويذكر حِلْمه وكظم غيظه، وأنَّه كان يراجع أباه إذا اشتدَّ غضبه، حتى سأله عمر أيتحلَّم ويتكلَّف الحِلْم، فأجابه بأنَّه لا يتصنَّعه، وإنَّما هو الحِلْم نفسه. وكان يقول إنَّ سعة جوفه لا تنفعه إن لم يردَّ فيها غضبه حتى لا يظهر منه ما يكرهه. وقد بلغ إعجاب عمر بهذه الخصلة وغيرها من خصال ابنه أن قال إنَّه لولا خوفه من أن يكون حبُّ الوالد قد زيَّن له أمر ولده لرآه أهلًا للخلافة.

ويبرز قِصَر أمله وشدَّة استحضاره للموت في مواقفه مع أبيه؛ فلم يكن يرضى بتأخير الحقِّ اعتمادًا على امتداد العمر. وحين أراد عمر بن عبد العزيز أن يستريح بعد تولِّيه الخلافة ذكَّره عبد الملك بأنَّه لا يدري أيعيش إلى الظُّهر، فنهض أبوه وأمر أصحاب المظالم برفع مظالمهم. وحين دخل عمر ليستريح من الجلوس للنَّاس سأله عبد الملك: هل أمن الموت أن يأتيه والرعيَّة تنتظره؟ وكذلك وعظ أباه عند موت أحد أبنائه، وذكَّره بأنَّ الموت الذي دخل داره سيأتيه، فكان عبد الملك في هذه المواقف يحمل أباه على المبادرة بالعمل قبل أن يحول الأجل بين الإنسان وبين ما يريد إنفاذه.

ويعرض صلابته في الدِّين وقوَّته في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من خلال موقفه الحاسم من الأموال والمظالم التي استقرَّت في أيدي بني أميَّة. فقد أفتى أباه بأنَّ الأموال المأخوذة ظلمًا يجب ردُّها ما دام قادرًا على ذلك، وأنَّ ترك ردِّها مع القدرة يجعل تاركها شريكًا لمن أخذها. وحين عزم عمر على ردِّ ما وصل إليه وإلى أهل بيته من العطايا والإقطاعات غير المستحقَّة، ثمَّ أراد تأخير إعلان ذلك إلى الظُّهر، حثَّه عبد الملك على المبادرة، وسأله من يضمن له البقاء إلى الظُّهر أو بقاء نيَّته على حالها، فجمع عمر النَّاس وردَّ تلك الحقوق علانيةً وبدأ بنفسه وأهل بيته.

ويكثر عبد الملك من موعظة أبيه في مسؤوليَّة الحكم وإحياء الحقِّ وإماتة الباطل، فيسأله عمَّا سيجيب به ربَّه إذا رأى بدعةً فلم يُمتها وسُنَّةً فلم يُحيها. ويجيبه عمر بأنَّ ما تراكم من أحوال قومه قد انعقد عروةً عروة، وأنَّ مكابرتهم دفعةً واحدة قد تفضي إلى سفك الدِّماء، ولذلك كان يعمل على إحياء سُنَّة وإماتة بدعة كلَّما أمكنه ذلك من غير أن يفتح بابًا للفتنة. ويورد ابن رجب كذلك تطليق عبد الملك زوجته حين رآها قد تشبَّهت بالرِّجال في لباسها، ضمن ما يسوقه من شدَّة أخذه بما يعتقده من أحكام الدِّين.

ويصف استهانته بنفسه في سبيل إقامة العدل؛ إذ كان يحثُّ أباه على إنفاذ الحقِّ ولو أدَّى ذلك إلى أذى شديد يصيبهما، حتى قال إنَّه لا يبالي لو غلت به وبأبيه القدور في سبيل إنفاذ الأمر، وقال إنَّه يرضى بأن يقيم العدل زمنًا يسيرًا ثمَّ يموت. ويصل ابن رجب هذه المواقف بمقام من عرف الله تعالى وأحبَّه، فرضي بما يجري عليه من المقادير المؤلمة، ولا سيَّما إذا وقع الأذى في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ والدَّعوة إلى طاعته.

ويكشف شدَّة احترازه من الظُّلم عن جانب آخر من شخصيَّته؛ فلم يكن اندفاعه في الأمر بالمعروف مبرِّرًا عنده لتجاوز الحدود. ولهذا كان يتحرَّز من تأديب أهل الفساد خشية أن يجاوز القدر المشروع أو يُنسب إلى ظلم لم يرده. وفي قصَّة الحمَّام يشرح لميمون بن مهران أنَّ الذي حمله على طلب إخلائه هو خشيته من رؤية من يكشف عورته، فيضطر إلى تأديبه، وربَّما تجاوز في ذلك أو نُسب إلى الجور، فقبل أن يدخله ليلًا بدلًا من تعطيله على المسلمين.

ويعرض مرض عبد الملك ووفاته بالطَّاعون في حياة أبيه، وما ظهر في مرضه من تسليم لأمر الله تعالى؛ فحين سأله عمر عن حاله قال إنَّه يجد نفسه في الحقِّ، ودار بينهما كلام يكشف تقديم كلٍّ منهما لما يحبُّه الآخر على ما يحبُّه لنفسه. وبعد موته أظهر عمر بن عبد العزيز رضاه بقضاء الله عزَّ وجلَّ، ودعا لابنه عند قبره، ومنع النِّياحة عليه، وكتب أنَّ عبد الملك كان عبدًا من عباد الله تعالى أحسن الله إليه وإلى أبيه به، ثمَّ قبضه حين شاء. ويذكر ابن رجب اختلاف النَّقل في مقدار عمره، ومنه أنَّه مات وهو ابن 19 سنة، وقيل 19 سنة ونصفًا، مع عدم الجزم الدَّقيق بسنِّه في بعض المصادر.

وينقل ثناء أهل زمانه عليه، وفي مقدِّمتهم أبوه الذي وصفه بالنُّسك والفقه والقراءة والبعد عن صبوات الصِّغر، مع شدَّة احتياط عمر من تأثير محبَّة الوالد في حكمه على ابنه؛ ولذلك كان يسأل غيره عنه، ولم يجزم بتقديمه للخلافة مع كثرة ثنائه عليه. كما ينقل عن ميمون بن مهران أنَّه لم ير ثلاثة في بيت خيرًا من عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك ومولاه مزاحم، وعن غيره من أهل عصره تعظيمهم لعبادته وفضله، حتى نُقل عن عبد الملك نفسه حثُّه أباه على إقامة الحقِّ ولو ساعةً من نهار.

ويورد ابن رجب بعد أخبار عبد الملك نبذةً من سيرة أبيه عمر بن عبد العزيز، تتَّصل بالمعاني التي ظهرت في سيرة الابن من العدل والزُّهد والخوف من الله تعالى. فيذكر حرص عمر على أن يُنبَّه إذا مال عن الحقِّ، وردَّه المظالم، ونهيه عمَّاله عن الظُّلم والتَّعذيب، وقوله لمن شكا خراب مدينته أن يحصِّنها بالعدل وينقِّي طرقها من الظُّلم، ورفضه أن يُهلك آخرته بدُنياه، واشتراطه في جلسائه أن يعينوه على الحقِّ ويبلغوه حاجة من لا يستطيع الوصول إليه. كما يورد شدَّة خوفه من الحساب، وكثرة بكائه عند ذكر الموت والقيامة، ومواعظه في فناء الدُّنيا والاستعداد للقاء الله عزَّ وجلَّ.

وتتتابع في أخبار عمر بن عبد العزيز معاني مراقبة الله تعالى في الحكم والمال والرعيَّة، والخوف من أن يكون مدح النَّاس ساترًا لعيب صاحبه عن نفسه، والزُّهد في نعيم الدُّنيا لزواله، والاستعداد للآخرة لبقائها. ومن ذلك بكاؤه عند تذكيره بمقام الخصوم بين يدي الله عزَّ وجلَّ، وردُّه الأموال إلى أصحابها حين تُرفع إليه المظالم، وتأثُّره بالقرآن والمواعظ، واستحضاره أنَّ النَّاس يُشيِّعون الموتى كلَّ يوم ثمَّ يصيرون إلى المصير نفسه. وتأتي أبيات سابق البربري في سياق هذه المعاني، فتدور على التَّقوى والعدل والعلم والذِّكر وفناء الشَّباب والدُّنيا وحتميَّة الموت، والحثِّ على الاقتداء بأهل الهدى والصَّبر عن هوى الدُّنيا، والتنبيه إلى حال من يشعر بنقص دنياه ولا يشعر بما نقص من دينه.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن رجب الحنبلي
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه. اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين. خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ. توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.
عرض النبذة وكتب المؤلف