مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير لولي الله الدهلوي PDF

كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير لولي الله الدهلوي PDF

نبذة عن الكتاب:

يَضَعُ وليُّ الله أحمد بن عبد الرَّحيم الدِّهْلَوِيُّ في هذا الكتاب أصولًا علميَّةً تُعين على فهم القرآن الكريم وتدبُّر معانيه، والكشف عن مقاصده وأساليب بيانه، والتمييز بين ما يحتاج إليه المفسِّر من المعارف وما توسَّع فيه المتأخِّرون من المباحث التي لا يتوقَّف عليها إدراك المراد. ويقوم منهجه على ردِّ معاني القرآن إلى مقاصدَ كُلِّيَّة، وفهم أساليبه في ضوء لغة العرب الأوَّلين وأحوال المخاطَبين به، والنَّظر في المأثور عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين مع مراعاة طرائقهم في التَّعبير والاختلاف. ويُناقش أسباب خفاء بعض المعاني على أهل العصور المتأخِّرة، وما يتعلَّق بذلك من غريب الألفاظ والنَّسخ وأسباب النُّزول والحذف والإيجاز والتَّقديم والتَّأخير وسائر التَّصرُّفات البيانيَّة. كما يُبَيِّن الخصائص التي تميَّز بها نظم القرآن الكريم وترتيب سُوَره وآياته، ويُحَرِّر وجوه الإعجاز فيه، ومناهج المفسِّرين وأسباب اختلاف أقوالهم، مُؤَكِّدًا أنَّ الغاية من هذه العلوم هي الوصول إلى الهداية القرآنيَّة والانتفاع بها، لا الاستغراق في التَّأويلات والتَّفصيلات التي تصرف القارئ عن مقاصد الكتاب.

وتنتظم مقاصدُ القرآن الكريم عند الدِّهْلَوِيِّ في خمسة علومٍ أساسيَّة: علم الأحكام المتعلِّقة بالواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام في العبادات والمعاملات وشؤون الاجتماع والسِّياسة؛ وعلم الجدل الذي يَعرض احتجاج القرآن على المشركين واليهود والنَّصارى والمنافقين؛ وعلم التَّذكير بآلاء الله تعالى، وما يتضمَّنه من بيان الخلق والنِّعم والصِّفات الإلهيَّة؛ وعلم التَّذكير بأيَّام الله تعالى، وهو ما ورد من أخبار الأمم والأنبياء عليهم السلام، وما جرى للمطيعين والعاصين من نصرٍ أو عقاب؛ وعلم التَّذكير بالموت وما بعده من البعث والحساب والميزان والجنَّة والنَّار. ويرى أنَّ هذه العلوم هي الأصول التي تدور عليها معاني القرآن، وأنَّ فهمها يُغني عن كثيرٍ من التَّفريعات التي أضافها أصحاب العلوم المتأخِّرة إلى مباحث التَّفسير. كما يُبَيِّن أنَّ القرآن لم يَعْرِض هذه المقاصد على طريقة المصنَّفات الفقهيَّة والكلاميَّة التي تُفْرِد لكلِّ علمٍ أبوابًا وحدودًا ومصطلحات، بل خاطب النَّاس بأساليبَ مألوفةٍ عند العرب، مُراعيًا أحوالهم واستعداداتهم، ومُقَدِّمًا من المعاني ما يُحقِّق هدايتهم وإصلاح نفوسهم. ومن هذا الأصل يُفَرِّق بين المقاصد العامَّة التي اقتضت نزول الآيات وبين الوقائع الخاصَّة التي نزل بعضها بمناسبتها، ويُنْكِر التَّوسُّع في ربط كلِّ آيةٍ بحادثةٍ جزئيَّةٍ لا يتوقَّف فهمها عليها.

وفي المحاجَّة القرآنيَّة يَكْشِف الدِّهْلَوِيُّ عن أصول المعتقدات والممارسات التي واجهها القرآن الكريم، والطُّرق التي سلكها في إبطالها، مُبَيِّنًا أنَّ الجدل قد يأتي بذكر فساد العقيدة وإنكارها، وقد يأتي بعرض الشُّبهة وتفنيدها بالأدلَّة التي يفهمها المخاطَبون ويُقِرُّون بمقدِّماتها. ويَتَوَقَّف عند معتقدات مشركي العرب، وما بقي عندهم من شعائر ملَّة إبراهيم عليه السلام، وما طرأ عليها من الشِّرك والتَّشبيه والتَّحريف وعبادة الأصنام واتِّباع تقاليد الآباء. ويشرح حقيقة الشِّرك عندهم، وما كانوا يتوهَّمونه من نفوذٍ مستقلٍّ لبعض المقرَّبين في تدبير شؤون العباد وقبول الشَّفاعة، وما نشأ عن ذلك من التَّقرُّب إلى التَّماثيل والذَّبح لها والاستعانة بها. ومن هذه الخلفيَّة يُوَضِّح وجوه الرَّدِّ القرآنيِّ عليهم، ومنها مطالبتهم بالدَّليل، وإبطال حجَّة التَّقليد، والتَّفريق بين الخالق والمخلوق، وإثبات اتِّفاق الرُّسل على التَّوحيد، والاستدلال على إمكان البعث بإحياء الأرض بعد موتها وبالقدرة على الخلق الأوَّل. وتتَّصل بذلك شبهاتهم بشأن نبوَّة البشر، واستبعادهم نزول الوحي على رجلٍ يأكل ويشرب، ومطالبتهم بالملائكة والمعجزات المقترحة، وما تضمَّنته الآيات من أجوبةٍ تُقَرِّر حقيقة الرِّسالة وحكمة اصطفاء الأنبياء عليهم السلام.

وأمَّا جدل القرآن مع اليهود، فيربطه المؤلِّف بما وقع من التَّحريف اللَّفظيِّ والمعنويِّ والكتمان والتَّعصُّب للدِّيانة، وما ترتَّب على ذلك من إنكار الرِّسالة المحمَّديَّة. ويُفَرِّق بين التَّغيير في نقل التَّوراة وترجمتها، وبين تأويل النُّصوص على غير المراد منها، ثمَّ يَعرض أمثلةً من اعتقاد بعض اليهود اختصاص النَّجاة والكرامة الأخرويَّة بالانتساب إلى بني إسرائيل، ورفضهم إمكان نسخ بعض الأحكام عند مجيء شريعةٍ جديدة، وكتمان ما يتعلَّق بالرَّجم والبشارات بالنَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. ويُؤَصِّل في أثناء ذلك لفكرة اختلاف شرائع الأنبياء عليهم السلام بحسب أحوال الأمم وعاداتها ومصالحها، مع اتِّحاد أصول الدِّين وغاياته، ويُقَرِّب هذا الاختلاف باختلاف ما يصفه الطَّبيب من علاجٍ باختلاف أحوال المرضى. وفي الجدل مع النَّصارى، يُناقش عقيدة الأقانيم الثَّلاثة وتأليه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وما استندوا إليه من ألفاظٍ وتعبيراتٍ في كتبهم، ويشرح وجوه الرَّدِّ على القول بالاتِّحاد والبُنُوَّة والصَّلب، وما يَعُدُّه من البشارات بالرِّسالة الخاتمة. ويَمْتَدُّ البحث إلى المنافقين، فيُميِّز بين النِّفاق الاعتقاديِّ الذي يُضمر صاحبه الكفر ويُظهر الإسلام، والنِّفاق العمليِّ المتعلِّق بضعف الإيمان واتِّباع الأهواء والمصالح والشَّهوات، مُؤَكِّدًا أنَّ الأوصاف التي ذمَّها القرآن الكريم لا تنحصر في أشخاصٍ انقضى زمانهم، بل تتجدَّد صورها في المجتمعات المختلفة.

ولا تَنْفَصِل هذه المحاجَّات عن بقية العلوم القرآنيَّة؛ فالتَّذكير بآلاء الله تعالى عند الدِّهْلَوِيِّ قائمٌ على مخاطبة الفطرة الإنسانيَّة بما تدركه من دلائل الخلق والنِّعم، من إيجاد السَّماوات والأرض، وإنزال المطر، وتفجير الينابيع، وتسخير أسباب المعاش والصَّنائع، وبيان الصِّفات الإلهيَّة بعباراتٍ يفهمها النَّاس دون حاجةٍ إلى مصطلحات الفلسفة والكلام. ويُؤَكِّد توقيفيَّة الأسماء والصِّفات، والنَّهي عن تشبيه الله تعالى بالمخلوقين أو الخوض في كيفيَّة صفاته، مع الاستدلال بقوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ». وأمَّا التَّذكير بأيَّام الله، فغايته الاعتبار بما جرى للأمم السَّابقة، ولذلك اقتصر القرآن في كثيرٍ من القصص على المواضع التي تُؤدِّي الموعظة، ولم يَسْتَقْصِ جميع الحوادث والتَّفاصيل. ويُميِّز المؤلِّف بين القصص المتكرِّرة، كأخبار نوحٍ وإبراهيم وموسى عليهم السلام ومواقفهم مع أقوامهم، وبين القصص التي جاءت في مواضعَ محدودة، كقصص يوسف عليه السلام، وأصحاب الكهف، وذي القرنَيْن، وطالوت وجالوت، مُبَيِّنًا أثر اختلاف المقام في الإيجاز والتَّفصيل. ويُصَوِّر التَّذكير بالموت والآخرة بوصفه إيقاظًا للقلوب بالخوف والرَّجاء، من خلال مشاهد الاحتضار والبعث والحساب والصِّراط والجنَّة والنَّار، وما فيها من أوصافٍ تقرِّب المعاني الغيبيَّة إلى الأذهان. وفي آيات الأحكام، يَربط بين شريعة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وملَّة إبراهيم عليه السلام، وما جاء الإسلام لإصلاحه من العبادات والعادات والمعاملات، مُوَضِّحًا أنَّ القرآن ذكر أصول أحكام الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ والجهاد والحدود والمواريث والنِّكاح والطَّلاق، وجاءت السُّنَّة النَّبويَّة ببيان كثيرٍ من تفصيلاتها.

وتبرز خصوصيَّةُ الكتاب في معالجته أسبابَ غموض بعض الآيات عند المتأخِّرين؛ إذ يَرُدُّ الدِّهْلَوِيُّ جانبًا كبيرًا من هذه الصُّعوبة إلى بُعْد النَّاس عن السَّليقة العربيَّة التي نزل بها القرآن، واختلاف المصطلحات العلميَّة بين العصور، وعدم الإحاطة بأساليب الحذف والإبدال والإيجاز والإطناب والتَّقديم والتَّأخير والالتفات والمجاز. ويَجْمَع أمثلةً قرآنيَّةً على حذف المضاف والموصوف والمفعول وجواب الشَّرط، وتعدُّد مراجع الضَّمائر، وتبادل بعض الصِّيَغ والتَّراكيب، وما يتَّصل بذلك من توجيهاتٍ نحويَّةٍ وبلاغيَّة. ويُعطي لغريب القرآن منزلةً خاصَّةً، مُقَدِّمًا ما صحَّ عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، ولا سيَّما من طريق عليِّ بن أبي طَلْحَة، وما ورد من طريق الضَّحَّاك وسؤالات نافع بن الأزرق، ثمَّ أقوال الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمَّة اللُّغة. ويُؤَكِّد أنَّ معرفة معنى اللَّفظ لا تقوم على المعجم وحده، بل تحتاج أيضًا إلى النَّظر في السِّياق وما قبله وما بعده، والموازنة بين المعاني المحتملة لاختيار ما يوافق الاستعمال العربيَّ ومقصود الآية.

ومن أكثر المسائل التي يُعيد فيها الدِّهْلَوِيُّ النَّظرَ مسألةُ النَّاسخ والمنسوخ؛ فقد وَسِعَ معنى النَّسخ عند الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين ليشمل رفع الحكم، وتخصيص العامِّ، وتقييد المُطْلَق، وبيان انتهاء العمل ببعض الأوصاف، وصرف اللَّفظ عن معنىً متبادرٍ إلى غيره، وما شابه ذلك من وجوه البيان. وأدَّى اختلاف هذا الاستعمال عن اصطلاح الأصوليِّين المتأخِّرين إلى تكثير الآيات التي قيل بنسخها. ويُراجِع المؤلِّف الآيات التي عدَّها السُّيُوطِيُّ في «الإتقان» من المنسوخ، مُناقِشًا دعوى النَّسخ في آيات الوصيَّة والصِّيام والقتال والميراث والنِّكاح ومناجاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقيام اللَّيل وغيرها. ويُقَدِّم توجيهاتٍ تُبقي عددًا منها على الإحكام من خلال التَّخصيص أو اختلاف الأحوال أو حمل الأوامر على معانيها المناسبة، وينتهي إلى أنَّ النَّسخ الذي يتعيَّن إثباته لا يتجاوز خمس آياتٍ في ترجيحه. وعلى نحوٍ مُقارِب، يُناقش أسباب النُّزول، مُبَيِّنًا أنَّ قول الصَّحابيِّ أو التَّابعيِّ: «نزلت هذه الآية في كذا» قد يُراد به ذكر حادثةٍ نزلت الآية بسببها، وقد يُراد به التَّمثيل لصورةٍ تدخل في عموم معناها، ولو وقعت بعد نزولها. ومن هنا يُفسِّر اختلاف الرِّوايات في تعيين أسباب النُّزول، ويُقرِّر أنَّ المفسِّر لا يحتاج إلى حفظ جميع القصص المنقولة، بل إلى معرفة الوقائع التي يتوقَّف عليها فهم الإشارة القرآنيَّة أو تحديد المراد من بعض القيود والأحكام. ويتَّصل بذلك بحث «التَّوجيه»، وهو رفع ما قد يظهر من إشكالٍ أو تعارضٍ في بعض الآيات، وتوضيح ما خفي من وجوه ارتباط الألفاظ والمعاني، مع الاستدلال بنماذجَ من الأحاديث وآثار السَّلف في دفع الإشكالات وتقريب المعاني.

وللنَّظم القرآنيِّ عند الدِّهْلَوِيِّ خصائصُ لا يصحُّ قياسها على طريقة المؤلَّفات المرتَّبة بحسب الأبواب والفصول؛ فالقرآن نزل مُنَجَّمًا بحسب مقتضيات الهداية وأحوال المخاطَبين، وجاءت السُّوَر في أساليبَ متنوِّعةٍ تُشبه من بعض الوجوه الرَّسائل والخطابات الموجَّهة إلى النَّاس، ولذلك اختلفت افتتاحيَّاتها وخواتيمها، وتداخلت موضوعاتُها، وتكرَّرت بعض مقاصدها من غير التزام التَّسلسل الذي اعتاده المصنِّفون المتأخِّرون. ويُبيِّن الفروق بين السُّوَر الطِّوال والمِئِين والمَثَانِي والمُفَصَّل، وما في افتتاح بعض السُّوَر بالحمد والتَّسبيح والقَسَم أو الإخبار عن نزول الكتاب من مناسبةٍ لمقاصدها. ويَخْصُّ فواصل الآيات ببحثٍ في الانسجام الصَّوتيِّ والإيقاع الذي تأنس به الفطرة، مُقارِنًا بين بناء الآيات وأوزان الشِّعر العربيِّ وألحان الأمم المختلفة، ومُبَيِّنًا أنَّ القرآن راعى الجمال الصَّوتيَّ دون التَّقيُّد ببحور الشِّعر وقوافيه الاصطلاحيَّة. كما يُفَسِّر ظاهرة التَّكرار بأنَّ المقصود من الخطاب القرآنيِّ ليس مجرَّد إكساب السَّامع معرفةً جديدة، بل تثبيت المعاني في قلبه واستحضارها حتَّى تصير مؤثِّرةً في فكره وعمله، ولذلك تتنوَّع العبارات والأساليب مع تكرار الموضوع الواحد. ومن هذه الخصائص ينتقل إلى وجوه الإعجاز، فيجعل منها ابتكار الأسلوب القرآنيِّ المخالف لما عَرَفَه العرب من الشِّعر والخطابة والرَّسائل والمحادثات، والإخبار عن الأمم السَّابقة والوقائع المستقبليَّة، وبلوغه الغاية في الفصاحة والبلاغة، وما اشتمل عليه من تشريعاتٍ ومقاصدَ تُصلح أحوال البشر وتُزَكِّي نفوسهم.

وأمَّا اختلاف المفسِّرين، فيَرُدُّه المؤلِّف إلى تنوُّع علومهم ومناهجهم وما يَغْلِب على عنايتهم؛ فمنهم المحدِّثون الذين يجمعون الآثار والأخبار المتعلِّقة بالآيات، والمتكلِّمون الذين يشتغلون بتأويل آيات الصِّفات والدِّفاع عن أصولهم العقديَّة، والفقهاء والأصوليُّون الذين يستنبطون الأحكام ويرجِّحون بين المذاهب، والنُّحاة واللُّغويُّون الذين يبحثون في الألفاظ والإعراب، والأدباء الذين يُعْنَون بالبلاغة والبيان، والقُرَّاء الذين يتتبَّعون القراءات، والصُّوفيَّة الذين يربطون الآيات بأحوال السُّلوك والتَّزكية. ويُفَرِّق بين التَّفسير الذي يكشف المعنى الدَّالَّ عليه اللَّفظ، وبين الاستنباط والاعتبار والإشارة التي قد تنشأ من تدبُّر الآية من غير أن تكون تفسيرًا مباشرًا لها. كما يُناقش أسباب اختلاف الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين في شرح الألفاظ وتعيين أسباب النُّزول وذكر القصص، وما يقع في روايات التَّفسير من إجمالٍ وتفصيلٍ أو نقلٍ للإسرائيليات، مُؤَكِّدًا ضرورة تفسير القرآن بالقرآن، وتقديم السُّنَّة الصَّحيحة وآثار السَّلف، وعدم التَّوسُّع في الأخبار التي لا يتوقَّف عليها فهم المراد. ويتَّصل بذلك رفضُه التَّعصُّب للمذاهب الفقهيَّة والنَّحويَّة عند تفسير الآيات، وتحذيرُه من التَّكلُّف في تأويل المتشابهات، وتصريحُه بأنَّ مذهبه في الصِّفات هو مذهب مالكٍ والثَّوْرِيِّ وابن المبارك وسائر المتقدِّمين، القائم على إمرارها دون الخوض في تأويلها. ويَسْتَدِلُّ بأمثلةٍ على أنَّ التَّراكيب التي تخالف بعض القواعد النَّحويَّة المصطلح عليها قد تكون موافقةً للاستعمال العربيِّ الأصيل، وأنَّ الواجب تقديم دلالة الآية وسياقها على الانتصار لآراء النُّحاة والمفسِّرين.

وتتَّسِع مباحثُ الاستنباط عند الدِّهْلَوِيِّ إلى ما يَسْتَخْرِجه المفسِّر من الأحكام والمعاني بطريق الدَّلالة والاقتضاء والإيماء والاعتبار، وما يحتاج إليه ذلك من معرفةٍ بطرق الاستدلال وضوابط التَّوجيه. ويُناقش أثر الاختلاف في اللُّغة والسِّياق ووجوه الجمع بين النُّصوص، مع التَّمييز بين ما يُراد به بيان الحكم الشَّرعيِّ وما يُراد به تقريب المعنى أو الاستشهاد على نظيره. ويَتَطَرَّق إلى الآيات والسُّوَر التي وردت في فضائلها أحاديثُ خاصَّة، مُرْجِعًا ما فيها من خصائصَ إلى العلوم الخمسة التي يقوم عليها القرآن، من التَّوحيد والتَّذكير بأيام الله تعالى والآخرة والأحكام والجدل. كما يشرح معنى «ظهر القرآن وبطنه»، مُفَرِّقًا بين منطوق الآيات ومعانيها الظَّاهرة، وبين ما يَتَولَّد عن تدبُّرها من الاعتبار والخشية والرَّجاء واستنباط الأحكام ومعرفة نظائر الأوصاف التي مدحها القرآن أو ذمَّها. ويجعل معرفة اللُّغة والآثار وسيلةً لفهم الظَّاهر، كما يجعل سلامة الفهم ولطافة الذِّهن وصفاء القلب ممَّا يُعين على إدراك وجوه الاعتبار. ويَخْتَتِم حديثه بإشاراتٍ إلى بعض العلوم التي يصفها بالوهبيَّة، وتأويل قصص الأنبياء عليهم السلام، وترجمة القرآن إلى الفارسيَّة، وخواصِّ الآيات والأسماء الحسنى. وتلتقي هذه القضايا عند أصلٍ يحكم منهج الكتاب، وهو أنَّ فهم القرآن الكريم ينبغي أن يقوم على معرفة مقاصده الكُلِّيَّة، وإدراك أساليب العرب الأوَّلين، والتَّثبُّت من المأثور، واجتناب التَّكلُّف والتَّعصُّب، حتَّى يَبْقَى التَّفسير سبيلًا إلى الهداية والتَّدبُّر والعمل، لا ميدانًا للتَّوسُّع في الفروض والاصطلاحات على حساب المعاني التي نزل القرآن لبيانها.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 0 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

ولي الله الدهلوي

أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين الدهلوي، المعروف بشاه ولي الله الدهلوي وقطب الدين: عالم هندي ومحدث وفقيه وأصولي، وُلد سنة 1114هـ الموافق 1703م، واختلف في يوم مولده؛ فقيل 4 شوال، وقيل 14 شوال. كان من أسرة عرفت بالعلم والقضاء والإفتاء، وكان أبوه عبد الرحيم الدهلوي من علماء دهلي ومشايخ الطريقة النقشبندية، وشارك مدة في إعداد «الفتاوى العالمكيرية». وكان ولي الله يذكر أن نسبه من جهة أبيه يتصل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونُسب من جهة أمه إلى موسى الكاظم.

بدأ تعليمه على يد والده، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، ودرس عليه التفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو والبلاغة والمنطق والكلام والحكمة والتصوف والطب والحساب والهيئة، ومن الكتب التي قرأها «تفسير البيضاوي»، و«مدارك التنزيل»، و«مشكاة المصابيح»، و«صحيح البخاري»، و«الشمائل» للترمذي، و«الهداية»، و«شرح الوقاية»، و«الحسامي»، و«التوضيح والتلويح»، و«شرح العقائد النسفية»، و«شرح المواقف»، و«عوارف المعارف»، و«الكافية» وشرح الجامي عليها. وأجازه أبوه بالتدريس وهو في نحو الخامسة عشرة، وبايعه على الطريقة النقشبندية، كما انتفع في الحديث بمحمد أفضل السيالكوتي.

توفي أبوه سنة 1131هـ، فتولى التدريس في المدرسة الرحيمية، واستمر فيه نحو 12 عامًا، وأكثر خلال هذه المدة من مطالعة كتب المذاهب الأربعة وأصولها وأدلتها الحديثية، واتجه إلى الجمع بين الفقه والحديث والعناية بالدليل. ثم رحل إلى الحرمين في أواخر سنة 1143هـ، وأقام بهما نحو عامين. وأخذ في المدينة عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكردي المدني، فقرأ وسمع عليه «صحيح البخاري»، وأجزاء من «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» و«سنن أبي داود» و«سنن ابن ماجه»، و«الموطأ»، و«مسند أحمد»، و«الرسالة» للشافعي، و«مسند الدارمي»، و«الأدب المفرد»، و«الشفا»، وأجازه بمروياته. وأخذ بمكة «الموطأ» عن وفد الله المالكي، وحضر دروس تاج الدين القلعي، وأخذ عنه وعن غيره من علماء الحرمين، ثم عاد إلى الهند سنة 1145هـ.

اشتغل بعد رجوعه بالتدريس والتأليف والوعظ، وركز عنايته على القرآن الكريم والحديث، وأسند تدريس بعض الفنون الأخرى إلى من أعدهم لها. وأسهم في نشر الحديث وأسانيده في الهند، وترجم القرآن إلى الفارسية في كتابه «فتح الرحمن في ترجمة القرآن». ومن أشهر تلامذته أبناؤه عبد العزيز ورفيع الدين وعبد القادر وعبد الغني، ومعين الدين السندي، ومحمد أمين الكشميري، وثناء الله الباني بتي، ونُسب إلى مرتضى الزبيدي الأخذ عنه.

كان حنفيًا في العمل، ودرّس الفقه الحنفي والشافعي، ووصف نفسه بالأشعري عقيدة والصوفي طريقة. واشتغل بالطرق الصوفية، ولا سيما النقشبندية، وسعى إلى الجمع بين علوم الشريعة والسلوك، مع نقد ما رآه من الخرافات والبدع والانحرافات في بعض الممارسات الصوفية. كما عارض الجمود والتعصب المذهبي، وبحث مسائل الاجتهاد والتقليد وأسباب اختلاف الفقهاء، ودعا إلى رد الخلاف إلى الكتاب والسنة والعناية بأدلة المذاهب.

وتناول في مشروعه العلمي قضايا الفقه وأصوله، والحديث والتفسير، والعقيدة والتصوف، وأسرار التشريع، والاجتماع والسياسة. وانتقد انتقال الحكم من الخلافة الراشدة إلى الملك، والجمود الفقهي وموت روح الاجتهاد، كما وجّه نقدًا إلى العلماء والفقهاء والصوفية والوعاظ والأمراء والعامة فيما رآه من انحرافات عصره. وكتب إلى بعض الحكام يدعوهم إلى مواجهة الأخطار التي أحاطت بالمسلمين، ومن ذلك دعوته أحمد شاه الدراني لمواجهة توسع دولة الماراثا.

من أشهر مؤلفاته «حجة الله البالغة» في أسرار الشريعة ومقاصد الأحكام، و«إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء»، و«الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف»، و«عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد»، و«البدور البازغة»، و«التفهيمات الإلهية»، و«حسن العقيدة»، و«قرة العينين في تفضيل الشيخين»، و«الخير الكثير». وله في التفسير وعلوم القرآن «الفوز الكبير في أصول التفسير»، و«فتح الخبير بما لا بد من حفظه في علم التفسير»، و«فتح الرحمن في ترجمة القرآن»، و«تأويل الأحاديث في رموز قصص الأنبياء عليهم السلام»، و«المقدمة في قوانين الترجمة».

وله في الحديث «المسوّى شرح الموطأ»، و«المصفّى شرح الموطأ»، و«شرح تراجم أبواب البخاري»، و«تراجم أبواب البخاري»، و«الأربعين»، و«الإرشاد إلى مهمات الإسناد»، و«فضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين صلى الله عليه وسلم»، و«النوادر من أحاديث سيد الأوائل والأواخر»، و«إنسان العين في مشايخ الحرمين». وله في التصوف والسلوك «ألطاف القدس»، و«فيوض الحرمين»، و«القول الجميل في بيان سواء السبيل»، و«الانتباه في سلاسل الأولياء»، و«الهمعات»، و«السطعات»، و«شفاء القلوب»، و«الهوامع»، كما صنف في السيرة والأدب «سرور المحزون»، و«أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم»، وله ديوان شعر عربي.

وانفرد في «تأويل الأحاديث في رموز قصص الأنبياء عليهم السلام» بتأويلات لعدد من قصص الأنبياء ومعجزاتهم، وربط بعضها بعالم المثال والأسباب العادية، فحمل قصة خروج آدم عليه السلام من الجنة على الرؤيا والمثال، وفسر برد نار إبراهيم عليه السلام وإغراق فرعون وانفلاق البحر ونحوها بتفسيرات تجمع بين الخارق وأسباب العادة، كما جوّز في انشقاق القمر ألا يكون انشقاقًا حقيقيًا لعين القمر؛ وهي تأويلات عُدّت مخالفة لما عليه عامة أهل السنة في فهم تلك المعجزات.

توفي شاه ولي الله الدهلوي في دهلي في محرم سنة 1176هـ الموافق 1762م، وقيل سنة 1179هـ، ودفن عند والده خارج دهلي. وخلف أبناء وتلاميذ واصلوا التدريس والتأليف والإصلاح، وكان لمدرسته أثر ممتد في الحركة العلمية والدينية في شبه القارة الهندية.

عرض النبذة وكتب المؤلف